حرب إيران بعد 100 يوم.. كيف قرأتها مراكز البحث الإسرائيلية؟
الجزيرة.نت -

بعد 100 يوم على حرب إيران، أو عملية "زئير الأسد" كما سمتها إسرائيل، انفجرت المواجهة من جديد بين إيران وإسرائيل خلال الساعات الماضية في ضربات متبادلة قد تستمر لفترة غير واضحة.

وكان النقاش في مراكز الأبحاث الإسرائيلية  قد انتقل خلال المئة يوم الأولى من متابعة مجريات القتال إلى تقييم نتائجه: هل نقلت الحرب إسرائيل من الردع إلى المنع الإستراتيجي، أم كشفت حدود القوة العسكرية حين ترتبط بالقرار الأمريكي وبقدرة الجبهة الداخلية على الاحتمال؟

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

ففي ورقة معهد دراسات الأمن القومي التي حملت عنوان "زئير الأسد – ملخص المرحلة الأولى حتى وقف إطلاق النار المؤقت"، وصف تامير هيمان، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية سابقًا ومدير المعهد، الحملة بأنها الأكبر في الشرق الأوسط منذ عام 2003، والأولى التي تشارك فيها إسرائيل كشريك فاعل في تحالف مع الولايات المتحدة.

غير أن هيمان أشار في الوقت نفسه إلى أن محوري الحملة، النظام الإيراني والبرنامج النووي، بقيا قائمين رغم الإنجازات العملياتية. وبهذا المعنى، وضع معهد دراسات الأمن القومي معيارًا أكثر صرامة للحكم على الحرب وهو بأن النجاح لا يقاس فقط بحجم الضربات، بل بمدى تغيير البيئة الإستراتيجية التي سمحت لإيران بتطوير تهديداتها.

ويكتسب هذا التقدير أهمية خاصة لأن المعهد يرتبط بالنقاش الأمني الإسرائيلي من خلال باحثين قادمين من الجيش والاستخبارات والدبلوماسية، ما يجعله أحد المراكز المؤثرة في صياغة لغة صانع القرار الأمني.

رجال الإطفاء الإسرائيليون يعملون على إخماد حريق في موقع سقوط قذيفة في تل أبيب (رويترز)
عقيدة المنع

أما في مركز دادو، التابع لشعبة العمليات في الجيش الإسرائيلي حول بناء القوة وتشغيلها، فظهرت قراءة تركز على التحول العقائدي.

ففي مقاله "رؤى أولية من زئير الأسد" المنشور في 22 مارس/آذار 2026، تعامل غال بيرل مع الحرب بوصفها مؤشرًا على انتقال إسرائيل نحو مفهوم "المنع"، أي ضرب التهديد في مرحلة التكوّن قبل تحوله إلى قدرة يصعب احتواؤها.

إعلان

لكن بيرل قيّد هذا التحول بشرط مهم  بأن تبقى الحرب قصيرة ومحددة ومرتبطة بأهداف قابلة للتحقيق، مثل ضرب البرنامج النووي، إخراج المواد الانشطارية، وتدمير قدرات الصواريخ والمسيّرات.

ويعكس هذا التحذير خشية عسكرية إسرائيلية من اتساع المهمة، بحيث تبدأ العملية بهدف نووي واضح ثم تتحول إلى محاولة لإعادة تشكيل إيران أو فتح جبهات إضافية.

كما تكشف قراءة ددو بأن  الحرب على إيران لم تُقرأ داخل الجيش باعتبارها عملية انتقامية، بل باعتبارها اختبارًا لعقيدة أمنية جديدة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، فالمنع يمنح إسرائيل زمام المبادرة، لكنه يتطلب تفوقًا استخباريًا مستمرًا، وغطاء أمريكيًا، وجبهة داخلية قادرة على تحمل حرب لا تنتهي بضربة واحدة.

إسرائيليون يحتمون في ساحة انتظار السيارات أثناء ضربة إيرانية (رويترز)
جمهور الحرب

وأظهرت استطلاعات الرأي أن المجتمع الإسرائيلي دخل الحرب وهو مهيأ لتأييد الخيار العسكري، ففي استطلاع معهد دراسات الأمن القومي الصادر في 25 فبراير/شباط 2026، قبل أيام من بدء العملية، أيد 50.5% من الإسرائيليين هجومًا مستقلًا على إيران إذا وقع اتفاق بين واشنطن وطهران يمنع هجومًا أمريكيًا، بينما اعتقد 72.5% أن قدرات الدفاع الجوي الإسرائيلية كافية في حال وقوع هجوم إيراني.

كما رأى 36% أن المشروع النووي الإيراني هو القضية الأكثر إلحاحًا، مقابل 29% اعتبروا منظومة الصواريخ الباليستية الخطر الأبرز.

ومع بدء الحرب ارتفع التأييد، ففي استطلاع "بعنوان زئير الأسد" السريع الذي نشره معهد دراسات الأمن القومي في 3 مارس/آذار 2026، أيد 80.5% من الجمهور الهجوم الإسرائيلي–الأمريكي على إيران، ورأى 63% أن الحرب يجب أن تستمر حتى إسقاط النظام الإيراني، كما توقع 69% أن يلحق الهجوم ضررًا كبيرًا بالنظام، واعتقد 22% أن النظام سينهار بالكامل.

وتكشف هذه الأرقام انتقالًا واضحًا في المزاج العام من تأييد ضرب القدرات إلى قبول هدف سياسي أوسع يتمثل في إسقاط النظام.

تآكل الحماسة

بعد أسبوعين من الحرب، أظهر استطلاع معهد دراسات الأمن القومي في 18 مارس/آذار 2026 أن الدعم بقي مرتفعًا عند 78.5%، وأن 60% عبروا عن رضاهم عن الإنجازات العسكرية في إيران.

لكن الاستطلاع نفسه أظهر بداية انتقال النقاش من حماسة الضربة إلى سؤال قدرة الجبهة الداخلية على الاحتمال، إذ رأى 46% أن الجبهة الداخلية تستطيع الصمود حتى شهر، مقابل 47% توقعوا قدرة أطول.

جنود إسرائيليون خلال جنازة الجندي الإسرائيلي آدم تزرفاتي في روش هاعين (غيتي إيميجز)

من جهته، عرض معهد الديمقراطية الإسرائيلي صورة مدنية أكثر تفصيلاً، ففي استطلاع 5 مارس/آذار 2026 الذي أعدته تمار هيرمان وليئور يوشعاني ويارون كابلان، أيد 82% من عموم الجمهور العملية، لكن الفجوة كانت كبيرة بين اليهود والعرب (فلسطينيي 1948)؛ إذ أيدها 93% من اليهود مقابل 26% فقط من العرب، كما أظهر الاستطلاع أن التأييد بين اليهود عابر للمعسكرات السياسية، وإن بدرجات متفاوتة.

وفي استطلاع لاحق نشره المعهد في 30 مارس/آذار، بقي نحو ثلثي الجمهور يؤيدون استمرار العملية، مع ارتفاع نسبة المعارضين.

إعلان

وهنا انتقل الرأي العام من تأييد واسع للضربة إلى نقاش حول الكلفة والغاية النهائية للحرب، وهل الهدف اتفاق نووي جديد، تفكيك منظومة الصواريخ، إسقاط النظام، أم تثبيت وقف إطلاق نار بشروط أفضل؟

إيران الجديدة

كما قدّم مركز بيغن–السادات للدراسات الإستراتيجية قراءة أكثر تفاؤلاً تجاه نتائج الحرب، ففي ورقته المنشورة في 18 مارس/آذار 2026 بعنوان "بعد زئير الأسد: تحليل المستقبليات المحتملة"، رأى العقيد احتياط شاي شبتاي أن إنجازات العملية الأمريكية–الإسرائيلية بدأت تغيّر بصورة جوهرية الوضع الإستراتيجي لإيران، لكنه أبقى عدة متغيرات مفتوحة تتعلق بقدرة النظام على الترميم وبمستقبل التوازن الداخلي الإيراني.

وتقوم قراءة شبتاي على أن الضربة لم تصب منشآت ومنصات إطلاق فقط، بل مست قدرة النظام على إعادة بناء عناصر قوته. ومع ذلك، لم يتعامل المركز مع إيران كدولة انتهى تهديدها، إذ بقيت قادرة على استخدام أوراق مثل الخليج، مضيق هرمز، الحلفاء، والهجمات على المصالح الأمريكية والإقليمية.

تشييع علي رضا تنكسيري قائد البحرية في الحرس الثوري الإيراني (الفرنسية)

وتنبع أهمية هذه القراءة من موقع المركز نفسه، إذ يميل إلى التفكير الإستراتيجي المحافظ والأمني، ويخاطب صانع القرار من زاوية استثمار الفرص التي تخلقها القوة العسكرية، لذلك ركزت ورقته على احتمالات المستقبل الإيراني، لا على أرقام الضربات وحدها.

حرب إقليمية

وفي مركز مكافحة الإرهاب بجامعة رايخمان، اتسعت قراءة الحرب من إيران إلى الإقليم، ففي تقرير الحالة المحدّث الصادر في 12 مارس/آذار 2026، وصف المركز العملية بأنها هجوم عسكري استباقي منسق شنته الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، بهدف إزالة تهديدات وجودية، خصوصًا في مجال الصواريخ والمسيرات والبنية النووية.

لكنه ركز أيضًا على اتساع الرد الإيراني وأذرعه نحو القواعد والمصالح الأمريكية والإسرائيلية في الخليج وباب المندب والمجال السيبراني.

وفق هذه القراءة، لم تكن حرب إيران حربًا جوية وصاروخية فقط، بل حربًا هجينة تشمل الصواريخ، المسيرات، الوكلاء، البنى التحتية، الطاقة، الإعلام، والهجمات الرقمية، فكلما توسعت الحرب، اتسع معها مفهوم الجبهة ليشمل الملاحة البحرية، أسواق الطاقة، القواعد الأمريكية، والمنشآت الحيوية في المنطقة.

هرمز والطاقة

كما أضاف جويل غوزانسكي في معهد دراسات الأمن القومي بعدًا اقتصاديًا لقراءة نتائج الحرب، ففي مقاله المنشور في 26 أبريل/نيسان 2026 بعنوان "النفط والحرب مع إيران: الرابحون والخاسرون في الخليج"، ربط غوزانسكي الحرب بمضيق هرمز وسوق الطاقة، مشيرًا إلى أن نحو ربع إنتاج النفط العالمي وكمية مماثلة من الغاز الطبيعي المسال تمر عبر المضيق.

سفن تبحر قبالة شاطئ سورو في بندر عباس على امتداد مضيق هرمز (الفرنسية)

وتنقل هذه القراءة الحرب من المجال العسكري إلى الاقتصاد العالمي، فإغلاق هرمز أو تهديد الملاحة لا يضغط على إسرائيل وحدها، بل على الولايات المتحدة ودول الخليج، وشركات التأمين، وأسواق الطاقة، وبذلك تصبح نتيجة الحرب مرتبطة ليس فقط بما دمرته الطائرات، بل بما تقرره الأسواق والموانئ وشركات الشحن وحسابات دول الخليج.

كما تظهر في قراءة غوزانسكي تمايزات داخل الخليج نفسه، فبعض الدول قد تستفيد من ارتفاع الأسعار، وبعضها يتضرر من اضطراب طرق التجارة.

وهذا التفصيل مهم لأن مراكز الأبحاث الإسرائيلية لم تنظر إلى الخليج ككتلة واحدة، بل كشبكة مصالح متفاوتة تجاه إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

واشنطن الحاسمة

وتكاد معظم القراءات الإسرائيلية تتقاطع عند مركزية دور الولايات المتحدة، فواشنطن لم تعد مجرد داعم سياسي أو مزود ذخائر، بل شريك عملياتي في الحرب، وصاحبة القرار الأثقل في وقف النار والاتفاقات اللاحقة.

إعلان

ومن هنا ظهر في بعض المراكز، خصوصًا معهد مسغاف، نقد واضح لما اعتُبر ترددًا أمريكيًا في استثمار الإنجاز العسكري حتى النهاية.

وفي مقال العقيد احتياط حنان شاي الصادر في 12 أبريل/نيسان 2026 بعنوان "زئير الأسد: إسرائيل حققت إنجازات، والولايات المتحدة أضاعت فرصة"، قُدمت الحرب كإنجاز إسرائيلي–أمريكي كبير لم يتحول إلى تسوية صارمة بما يكفي، و هذه القراءة تعكس توجها يرى أن وقف النار أو العودة إلى التفاوض قد يمنح إيران فرصة للترميم.

المرشد الإيراني مجتبى خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترمب (وكالات)

لكن مركزية واشنطن تحمل مفارقة لإسرائيل، فمن جهة، منحت الشراكة الأمريكية الحرب قوة وقدرة على توسيع الضربات، ومن جهة أخرى، جعلت تعريف النصر مرتبطًا بحسابات أمريكية عالمية تشمل الطاقة والخليج والصين وروسيا والانتخابات الداخلية، وبذلك لم تعد إسرائيل وحدها صاحبة القرار في لحظة إنهاء الحرب أو تحويل نتائجها إلى ترتيب سياسي.

محصلة المراكز

وفي المحصلة بعد مئة يوم ، يمكن تلخيص قراءة مراكز الأبحاث الإسرائيلية لحرب إيران الثانية في ثلاث خلاصات:

*الأولى أن الحرب دشنت انتقالًا من الردع إلى المنع، أي ضرب القدرات الإيرانية قبل اكتمالها.

*الثانية أن الشراكة مع الولايات المتحدة منحت إسرائيل قوة عملياتية غير مسبوقة، لكنها زادت اعتمادها على القرار الأمريكي.

*الثالثة أن الرأي العام الإسرائيلي منح الحرب تفويضًا واسعًا في البداية، لكنه بدأ يعيد حساباته مع امتداد القتال واتساع الكلفة.

ولا تقدم هذه المراكز قراءة موحدة، فمعهد دراسات الأمن القومي يحذر من الخلط بين الإنجاز التكتيكي والحسم الإستراتيجي، ومركز ددو يركز على ضبط عقيدة المنع كي لا تتحول إلى حرب مفتوحة، ومركز بيغن–السادات يرى فرصة لإضعاف إيران بنيويًا، ومركز مكافحة الإرهاب يرسم خريطة الحرب الإقليمية والهجينة، ومعهد الديمقراطية يقيس تآكل الحماسة الداخلية، أما مسغاف فيركز على حدود التردد الأمريكي بعد الضربة.



إقرأ المزيد