الجزيرة.نت - 6/8/2026 2:48:02 PM - GMT (+3 )
Published On 8/6/2026
|آخر تحديث: 14:41 (توقيت مكة)
يرى شفيق شقير، في دراسته «المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية: ترميم قواعد الاشتباك وتأجيل الحسم» بمركز الجزيرة للدراسات، أن جولة المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية التي عُقدت في واشنطن يومي 2 و3 يونيو/حزيران 2026 لم تُنتج تسوية جديدة بقدر ما كرَّست الوضع القائم على الأرض، وأعادت تنظيم قواعد الاشتباك دون أن تنجح في فرض وقف دائم لإطلاق النار أو حسم القضايا الخلافية الكبرى. ويذهب الباحث إلى أن أهمية الجولة لا تكمن فيما أنجزته بقدر ما تكمن فيما كشفته من توازنات القوى القائمة، ومن ارتباط المسار اللبناني الإسرائيلي بمسار التفاوض الإيراني-الأمريكي.
تكريس الوضع القائم لا تغييرهينطلق الباحث من مخرجات البيان المشترك الذي صدر باسم الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل، ليخلص إلى أن النتيجة الأبرز للجولة هي تثبيت قواعد الاشتباك السائدة في جنوب لبنان. فالبيان لم ينص على وقف شامل وفوري لإطلاق النار، ولم يفرض قيودًا واضحة على حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية، الأمر الذي أبقى الوضع الميداني خاضعًا للمعادلات القائمة أكثر من خضوعه لترتيبات جديدة.
ويشير الباحث إلى أن استبعاد بيروت والضاحية الجنوبية من دائرة الاستهداف الإسرائيلي لم يكن نتيجة مباشرة للمفاوضات، بل نتاج التوازنات التي فرضتها الحرب نفسها، إضافة إلى التهديدات الإيرانية المرتبطة بأي استهداف للضاحية أو العاصمة اللبنانية. ومن هنا يرى أن الجبهة اللبنانية أصبحت مرتبطة، إلى حد بعيد، بمسار التفاوض الإيراني-الأمريكي أكثر من ارتباطها بطاولة التفاوض اللبنانية-الإسرائيلية.
خارطة طريق تميل لمصلحة إسرائيليلاحظ الباحث أن الاتفاق وضع إطارًا عامًا للتحرك المستقبلي دون تحديد جداول زمنية واضحة، وهو ما يمنح إسرائيل هامشًا أوسع للمناورة. ويبرز ذلك في عدد من النقاط الأساسية.
فقد ربط البيان الوصول إلى وقف إطلاق النار الكامل بتوقف نيران حزب الله وإخلاء منطقة جنوب الليطاني، بينما كانت الدولة اللبنانية تطالب بوقف إطلاق النار بوصفه نقطة البداية لأي مسار تفاوضي. وبهذا انتقلت المفاوضات من إطار تمهيدي إلى إطار سياسي أكثر تقدمًا دون أن تحصل بيروت على المقابل الذي كانت تطمح إليه.
إعلان
كما نص البيان على إنشاء مناطق تجريبية تخضع حصريًا لسيطرة القوات المسلحة اللبنانية. ويرى الباحث أن هذه الفكرة ليست جديدة عمليًا، لأن جنوب الليطاني خضع سابقًا لترتيبات مشابهة لم تمنع استمرار الخروقات الإسرائيلية ولا توسع العمليات العسكرية لاحقًا إلى مناطق أخرى. ولذلك يطرح تساؤلًا حول الضمانات التي تجعل التجربة الجديدة مختلفة عن سابقاتها.
ويتوقف الباحث أيضًا عند البند المتعلق باستمرار المفاوضات المباشرة بهدف الوصول إلى «اتفاق شامل بين البلدين». ويعتبر أن هذه الصياغة تقترب من الرؤية الإسرائيلية التي تتطلع إلى مسار سياسي أوسع، بينما كان الموقف اللبناني التقليدي يميل إلى اتفاق أمني أو هدنة مطورة تستند إلى اتفاق 1949 أكثر من اتجاهه إلى اتفاق سلام شامل.
يفسر الباحث قبول الدولة اللبنانية بهذه المخرجات من خلال اختلال موازين القوى لمصلحة إسرائيل، وتراجع قدرة حزب الله على فرض معادلات ميدانية تتيح شروطًا تفاوضية أفضل. كما أن الدولة اللبنانية نفسها لا تملك أدوات ضغط حقيقية على إسرائيل، باستثناء الرهان على الدور الأمريكي وعلى المظلة الدولية.
ويضيف أن الاعتبارات الاقتصادية لعبت دورًا مهمًا في هذا التوجه. فلبنان الذي يعاني أزمة اقتصادية حادة يحتاج إلى استمرار الدعم العربي والدولي، ويرى في الانخراط في العملية التفاوضية وسيلة لتخفيف الضغوط والحفاظ على قدر من الاستقرار السياسي والاقتصادي، إضافة إلى حماية مؤسسات الدولة ومناطقها الرئيسية من الانزلاق إلى دائرة المواجهة المباشرة.
اتساع فجوة الثقة داخليًايرى الباحث أن أحد أهم تداعيات هذه الجولة يتمثل في احتمال اتساع فجوة الثقة بين السلطة اللبنانية من جهة، والثنائي الشيعي -حزب الله وحركة أمل- من جهة أخرى. فالثنائي يرفض مبدأ التفاوض المباشر مع إسرائيل، ويتمسك بأن يكون وقف إطلاق النار المدخل الأساسي لأي تفاوض.
كما أن الخلاف يتصل بمستقبل سلاح حزب الله، وهو الملف الذي يراه الباحث جوهر النقاش الحقيقي الكامن خلف المفاوضات كلها. ففي حين تواصل إسرائيل المطالبة بنزع سلاح الحزب وتفكيك بنيته العسكرية، يرفض حزب الله هذا الطرح ويتمسك بربط السلاح بأي ترتيبات دفاعية وضمانات سياسية وأمنية أوسع.
حزب الله بين الضغوط والحسابات الإقليميةيتوقف الباحث عند موقع حزب الله في هذه المرحلة، ويرى أن الحزب يجد نفسه أمام معادلة معقدة. فمن جهة يسعى إلى الحفاظ على حاضنته الشعبية ومنع انتقال الخلاف مع السلطة اللبنانية إلى مستوى يهدد الاستقرار الداخلي، ومن جهة أخرى يحاول تفادي الانزلاق إلى مواجهة داخلية أو أمنية مع مؤسسات الدولة.
وفي الوقت نفسه يراهن الحزب على المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة، باعتبار أن أي تقدم في هذا المسار قد ينعكس مباشرة على موقعه ودوره في لبنان. ويشير الباحث إلى أن إيران تنظر إلى الساحة اللبنانية باعتبارها إحدى أوراقها المهمة في التفاوض مع واشنطن، وأن مستقبل سلاح حزب الله أصبح جزءًا من المشهد الإقليمي الأوسع، وليس مجرد قضية لبنانية داخلية.
ولهذا فإن الحزب لا ينظر إلى المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية باعتبارها مسارًا مستقلًا بالكامل، بل باعتبارها جزءًا من شبكة تفاوضية أوسع ترتبط بالعلاقة الإيرانية-الأمريكية وبإعادة رسم التوازنات في المنطقة.
يرى الباحث أن إسرائيل لا تتعامل مع هذه المفاوضات باعتبارها عملية سياسية منفصلة عن الحرب، بل باعتبارها أداة إضافية لتحقيق الأهداف التي سعت إليها منذ اندلاع المواجهة. فالحكومة الإسرائيلية، وخصوصًا بقيادة بنيامين نتنياهو، تنظر إلى الظروف الراهنة باعتبارها فرصة استراتيجية لإعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بها.
إعلان
ومن هذا المنطلق تسعى إسرائيل إلى تحقيق هدفين متلازمين. الأول يتعلق بإيران ومحاولة الإبقاء على الضغوط المفروضة عليها من خلال استمرار الضغط على جبهة لبنان. أما الثاني فيتعلق بالداخل اللبناني نفسه، حيث تسعى إلى فرض ترتيبات أمنية جديدة على الحدود، وإضعاف الدور العسكري لحزب الله، وربما التأثير في موازين القوى اللبنانية الداخلية.
ويلاحظ الباحث أن إسرائيل تقدم هذه السياسات باعتبارها امتدادًا للتداعيات التي ترتبت على هجوم السابع من أكتوبر، وتعتبر أن الإجراءات التي تتخذها جزء من متطلبات أمنها القومي، الأمر الذي يمنحها، من وجهة نظرها، مبررًا للاستمرار في الضغوط السياسية والعسكرية.
الدور الأمريكي وإدارة الوقتيرى الباحث أن واشنطن تتعامل مع الملف اللبناني ضمن رؤية أوسع تتصل بإدارة الصراع الإقليمي كله. فهي لا تمانع، عمليًا، في وجود ارتباط بين المسار اللبناني والمسار الإيراني، بل قد تجد في ذلك وسيلة لتوظيف نتائج أي تقدم مع طهران في ملفات أخرى بالمنطقة.
لكن الولايات المتحدة، في المقابل، لا ترغب في ربط الجبهتين عسكريًا. فهي تريد الاستمرار في الضغط على إيران وحزب الله، لكنها لا ترغب في انفجار شامل قد يؤدي إلى فوضى داخلية في لبنان أو إلى حرب واسعة يصعب التحكم في نتائجها.
ولهذا يعتقد الباحث أن السياسة الأمريكية الحالية تقوم على إدارة الوقت أكثر من السعي إلى فرض حلول نهائية. فواشنطن تحاول الحفاظ على المسار التفاوضي مفتوحًا، ومنع الانفجار العسكري الكبير، بانتظار اتضاح صورة التوازنات الإقليمية ونتائج التفاوض مع إيران.
كما أن استمرار المفاوضات يمنح الإدارة الأمريكية قدرة أكبر على التحكم بإيقاع الأحداث في لبنان، وعلى ضبط مستوى التصعيد بما يتناسب مع أولوياتها الإقليمية الأوسع.
يؤكد الباحث أن مستقبل المسار اللبناني-الإسرائيلي يبقى مرتبطًا إلى حد كبير بمصير المفاوضات الإيرانية-الأمريكية. فكل تقدم يتحقق على الطاولة الإيرانية يمكن أن ينعكس على الطاولة اللبنانية، بينما يؤدي الجمود في المسار الأول إلى استمرار المراوحة في المسار الثاني.
وفي الوقت نفسه يلفت إلى أن قدرة حزب الله على الاستمرار في مواجهة الضغوط الإسرائيلية قد تمنح لبنان أوراقًا إضافية في التفاوض. كما أن إسرائيل قد تجد نفسها في مرحلة معينة أمام خيار تقديم بعض التنازلات للسلطة اللبنانية بدل تقديمها بصورة غير مباشرة لحزب الله أو لإيران.
ويرى الباحث أن حزب الله لا يبدو معنيًا حاليًا بإفشال مسار التفاوض، ليس فقط بسبب محدودية قدرته على تعطيله، بل أيضًا لأن نتائج هذا المسار قد تصب في مصلحته إذا أفضت المفاوضات الإيرانية-الأمريكية إلى تفاهمات أوسع تشمل الملف اللبناني.
خلاصة الدراسةيخلص شفيق شقير إلى أن جولة واشنطن لم تنتج اختراقًا سياسيًا حاسمًا، ولم تحقق وقفًا شاملًا لإطلاق النار، لكنها نجحت في تثبيت قواعد الاشتباك القائمة وإدارة مستوى التصعيد. كما أنها أبقت الملفات الأساسية، وفي مقدمتها مستقبل سلاح حزب الله والعلاقة اللبنانية-الإسرائيلية، معلقة على تطورات المشهد الإقليمي الأوسع.
وبذلك فإن المفاوضات لم تحسم الصراع، لكنها أسهمت في تنظيمه وضبط إيقاعه. أما الحسم الفعلي، سواء في اتجاه تسوية أوسع أو في اتجاه جولة جديدة من المواجهة، فيبقى مرتبطًا بما ستؤول إليه المفاوضات الإيرانية-الأمريكية وبقدرة الأطراف المختلفة على إعادة صياغة توازناتها خلال المرحلة المقبلة.
الدراسة كاملة
إقرأ المزيد


