الهدنة والتفاوض والقصف.. كل شيء في هذه الحرب مستمر
الجزيرة.نت -

المستشار السابق في الكونغرس وكبير الباحثين في معهد صوفان للدراسات الأمنية.

Published On 8/6/2026

شارِكْ

يصعب على دول الخليج العربية، والولايات المتحدة، والمنطقة، والمجتمع الدولي، التوصل إلى تقييم إستراتيجي نهائي للنزاع، مع تجاوز الحرب الإيرانية يومها المئة. ويتطلب الخروج بخلاصات جازمة -حول النجاحات والإخفاقات الإستراتيجية لجميع الأطراف في الحرب، على الأرجح- تحليلا لاتفاق إنهاء الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، وهو الاتفاق الذي لم ينجز بعد، ولا تزال شروطه غير مؤكدة.

وتواصل إيران والولايات المتحدة التفاوض بشأن مذكرة تفاهم يترتب عليها توجيه المفاوضات المستقبلية حول القضايا العالقة، بيد أن إتمام حتى ذلك الاتفاق المبدئي كان أمرا صعبا. وقد شهدت جهود التوصل إلى اتفاق تعقيدا؛ بسبب الضربة الصاروخية الإيرانية على إسرائيل ليل الأحد، والتي جاءت بدورها ردا على قصف إسرائيل أهدافا تابعة لحزب الله في معقل الضاحية ببيروت.

ومع ذلك، يقر القادة الأمريكيون والعالميون جميعا بأن إيران تمكنت من إحباط تطلعات الرئيس ترمب في أن يؤدي استخدام القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية الساحقة إلى انهيار النظام الإيراني، أو "استسلام" قادته للمطالب الأمريكية.

يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والقادة المتبقون في الجمهورية الإسلامية الإصرار على "خطوط حمراء" لا يمكن تجاوزها، ويطرحون مطالب تمكنهم من تقديم حصيلة النزاع بوصفها "نصرا". ويستمر الطرفان في الانخراط باشتباكات ناجمة عن التحركات الأمريكية والإيرانية للسيطرة على حركة المرور عبر مضيق هرمز. إذ ترغب طهران في إبقاء الممر المائي الحيوي مغلقا كورقة ضغط إستراتيجية؛ ويعتبر ترمب وفريقه، من جانبهم، إعادة فتح المضيق أولوية رئيسية لتهدئة أسواق الطاقة العالمية، وعكس مسار الأضرار التي ألحقتها الحرب بالاقتصاد العالمي.

سيقيم القادة العالميون والشخصيات السياسية الأمريكية قرار الرئيس ترمب بشن الحرب على إيران، بالشراكة مع إسرائيل، بناء على مدى تلبية مطالبه الجوهرية بفرض قيود صارمة على برنامج إيران النووي. وتشير التقارير إلى أن الجانبين قد ضيقا الفجوات بشأن هذه المسألة، بما في ذلك إذعان إيران لتعليق طويل الأجل (قد يصل لعشرين عاما) لتخصيب اليورانيوم، وتخفيف (مزج) مخزونها البالغ 450 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%. بيد أن الجمهورية الإسلامية تصر علنا على أنها لم تقدم أي تنازلات بشأن القضايا النووية، بخلاف تجديد تأكيدها على أنها لن تصنع سلاحا نوويا أبدا.

إعلان

تخيم قضايا أخرى عدة على المحادثات، ومنها مطلب طهران بأن تنتهي الحرب ليس في منطقة الخليج فحسب، بل على جميع "الجبهات" الإقليمية، بما فيها لبنان، ويفترض في غزة أيضا. وقد ظل هذا المطلب الإيراني خافتا نسبيا حتى قبل أيام، عندما هدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بضرب معقل حزب الله في الضاحية ببيروت الكبرى، ومن ثم نفذ ذلك التهديد يوم الأحد.

ورغم مساعي ترمب لاستيعاب مطلب طهران بربط وقف إطلاق النار في لبنان باتفاق الحرب الإيرانية، فإن الضربة الصاروخية الإيرانية على إسرائيل يوم الأحد تهدد بإخراج التسوية الأمريكية الإيرانية عن مسارها بالكامل. وقد سعى ترمب لإقناع نتنياهو بعدم الرد على الوابل الصاروخي الإيراني، بيد أن الرد الإسرائيلي لم يتأخر، حيث شنت عدة ضربات على أهداف في الأراضي الإيرانية.

قلبت الحرب المشهد الإستراتيجي لدول الخليج العربية، التي اعتمدت على مظلة أمنية أمريكية منذ الغزو العراقي للكويت عام 1990، بصرف النظر عما إذا كانت الضربة الصاروخية الإيرانية ستؤدي لاستئناف القتال العنيف بين الولايات المتحدة وإيران أم لا. ومنذ الإطاحة بصدام حسين في العراق بقيادة الولايات المتحدة عام 2003، ركزت دول مجلس التعاون الخليجي على احتواء القوة الإيرانية مع التواصل مع طهران في الوقت نفسه لترويض سلوكها. وكانت دول الخليج قد قدرت أن الاستقرار والسلام النسبي في الخليج سيتيحان لها التركيز على إستراتيجيات التنويع الاقتصادي.

ووضعت حرب إيران دول المنطقة، مع ذلك، أمام سيناريو إستراتيجي يمثل تحديا، حيث إن النظام الإيراني في السلطة يسعى لردع الولايات المتحدة عبر مهاجمة منشآت دول الخليج. وقد كانت القوى القريبة من الولايات المتحدة ترى أن واشنطن لن تسحب قواتها من المنطقة حتى يتم إضعاف المعتدين بشكل لا رجعة فيه، أو الإطاحة بهم تماما. بيد أن ذلك الافتراض ثبت بطلانه مع الإدراك بأن ترمب يسعى للخروج من الحرب، بينما لا يزال النظام الإيراني راسخا بقوة.

وتقدر حكومات دول الخليج أنها، بغض النظر عن حصيلة الحرب، ستضطر إلى التوصل لأسلوب تعايش جديد مع طهران، وقد أقنعت هذه النتيجة حكومات الخليج بأنهم كانوا على حق في محاولتهم ثني ترمب عن إطلاق عملية "الغضب الملحمي" (Epic Fury)، وحثه بدلا من ذلك على السعي لإبرام اتفاق نووي جديد مع طهران.

وقادت الحرب أيضا بعض الخبراء والقادة الخليجيين إلى تقدير أن كلا من إسرائيل وإيران تشكلان خطرا متساويا تقريبا على المنطقة، وهو ما يمثل تباينا واضحا مع أطروحة ترمب عند إطلاقه "اتفاقيات أبراهام" عام 2020. ومن غير المرجح أن تستجيب دول مجلس التعاون الخليجي لدعوة ترمب بانضمام الدول غير المشاركة حاليا في اتفاقيات أبراهام إلى ذلك الحلف.

وأثارت الهجمات الإيرانية على الوجود الأمريكي في المنطقة تساؤلات حول القيمة الردعية للإستراتيجية الأمنية الأمريكية. ومن منظور الولايات المتحدة، قد يعيد الجيش الأمريكي تقييم ما إذا كان ينبغي لقواته العودة إلى وجودها "وراء الأفق" الذي كان قائما قبل عام 1991، بحيث لا تعود في المرمى السهل للطائرات المسيرة، والصواريخ قصيرة المدى الإيرانية.

إعلان

وإذا ما أخلت القوات الأمريكية القواعد الخليجية في نهاية المطاف، فسيتحتم على دول مجلس التعاون الخليجي، على الأرجح، إنفاق مليارات الدولارات الإضافية عما توقعته للدفاع ضد الصواريخ والطائرات المسيرة، فضلا عن بناء قدرات للرد المباشر على أي عدوان إيراني مستقبلي، بمساعدة الولايات المتحدة أو بدونها.

سيقلب إغلاق إيران مضيق هرمز أمام حركة الملاحة التجارية وهجماتها على البنية التحتية الخليجية الأولويات الاقتصادية لدول الخليج رأسا على عقب، بعيدا عن الاعتبارات الدفاعية. فعلى المدى القصير، وبعد انتهاء الأعمال العدائية بشكل دائم، ستحتاج دول الخليج إلى تحويل بعض الأموال لإعادة بناء المنشآت المتضررة. وعلى المدى الأطول، سيتعين على الحكومات الخليجية التعامل مع حقيقة أن القدرات الإيرانية ستشكل تهديدا مستمرا وكارثيا محتملا للاقتصادات الخليجية.

ويقدر مخططو الاقتصاد في الخليج أن جل الاستثمارات التي توقعت دول الخليج تدفقها إلى بلدانهم في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والسياحة وغيرها من القطاعات قد تتلاشى ويعاد توجيهها إلى مكان آخر. وبدلا من إنفاق الموارد المالية على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وغيرها من المشاريع، كما كان مخططا له، أجبرت الحرب الحكومات الخليجية على إعادة تخصيص الأموال لتعزيز تحصين منشآت الطاقة لديهم وبناء خطوط أنابيب ومسارات أخرى لتصدير الطاقة تتجاوز المضيق.

ومع ذلك، قد يثمر إعادة تخصيص أولويات الإنفاق عن فوائد جمة في المستقبل من خلال تقليص نفوذ إيران الإستراتيجي وأوراق ضغطها على الخليج.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد