الجزيرة.نت - 6/14/2026 4:29:10 PM - GMT (+3 )
عبد الرحيم بن أحمد بن علي البرعي اليماني، أحد أعلام اليمن البارزين في مجالات الشعر والفقه والتصوف. يعود نسبه إلى جبل برع، وهو جبل يقع في تهامة باليمن. عاش في العصر الرسولي الذي يعد من أزهى العصور السياسية والعلمية في تاريخ اليمن، وتوفّي عام 803 للهجرة (1400-1401).
غلب على شعره المديح النبوي والشعر الصوفي بالمجمل، فكان مثلا يرى في مدح رسول الله غاية سعادته، ويقول مؤكدا هذا المعنى:
ومدح رسول الله فال سعادتي .. أفوز به يوم السماء تمورُ
عرف عن البرعي، في غير الشعر، علمه وتفقهّه على المذهب الشافعي، وله مؤلفات في الفقه منها شرحه على كتاب التنبيه لأبي إسحاق الشيرازي. كما برز في علم الفلك وترك فيه مؤلفات معروفة.
نشأته وحياتهنشأ البرعي في جبل برع بمنطقة تهامة في اليمن، وتحديدا في بلدة تعرف باسم النيابتين التي ينسب إليها أحيانا في شعره، ويقع فيها مسجده وقبره الذي يزوره الناس.
عاش البرعي حياة طبعها الزهد وكثرة الترحال، فقد اعتاد السفر ماشيا على الأقدام لأداء فريضة الحج وزيارة البيت الحرام والمسجد النبوي. وقد عكس شعره لوعة الشوق والحنين الدائم إلى البقاع المقدسة، ولعل من أشهر ما عرف عنه من شعر هو قصيدته التي يعبّر فيها عن لوعته للبيت الحرام:
يا راحلين إلى منى بقيادي .. هيجتم يوم الرحيل فؤادي
سرتم وسار دليلكم يا وحشتي .. الشوق أطربني وصوت الحادي
والله ما حملت أنثى ولا وضعت .. كمثل أحمد من قاص ولا داني
بواسطة عبد الرحيم البرعي
ومما يكشفه شعره أيضا عن مكنونه وحياته هموم الفقر وتراكم الديون، وهو ما عبر عنه صراحة في مناجاته طالبا الغوث وانفراج الكرب، إذ وظف شعره ليبث همومه وشكواه من قسوة الزمان وضعف الحال، ومن ذلك قوله معبرا عن معاناته:
وعاندني الزمان وقل صبري .. فإن النائبات لها نيوب
وعد النائبات إلى عدوي .. فهل يا سيدي فرج قريب
إعلان
ولم تخل حياة البرعي من لوعة الغربة والبعد عن الأهل والأوطان بسبب أسفاره الطويلة وانقطاعه للعبادة، مما جعله يوثق هذه التجربة الإنسانية في أبيات تفيض بالعاطفة.
وقد امتلأت أشعاره بذكر الديار والأصحاب، مصورا نفسه غريبا يكابد ألم البعد، لكنه في الوقت ذاته يؤكد ثباته على المودة والمحبة مهما تباعدت المسافات أو قست الظروف، فيقول:
هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا .. وليس لي معدل عنهم وإن عدلوا
باق على ودهم راض بما فعلوا .. شربت كأس الهوى العذري من ظمأ
شكل المديح النبوي المحور الأساسي الذي قامت عليه شاعرية عبد الرحيم البرعي، حتى غلب على ديوانه وارتبط باسمه ارتباطا وثيقا. فتغنّى البرعي مثلا بالصفات الخلْقية والخلقية للنبي، مبرزا جماله وبهاءه، ويقول واصفا بهاء وجه النبي:
نبي تغار الشمس من نور وجهه .. بهي نقي الثغر أحور أدعج
تزيد به الأيام حسنا ويزدهي .. به الدين والدنيا به تتبرج
وفي أبيات أخرى يذكر البرعي فضل النبي محمد على الأمة بهدايته لهم، وأن الله كتب على يده إخراج الأمة من الظلمات إلى النور.
والله ما حملت أنثى ولا وضعت .. كمثل أحمد من قاص ولا داني
مهذب شرف الله الوجود به .. وخصه بدلالات وبرهان
في أمة كان هاديها وليس لها … إلا عبادة أصنام وأوثان
سر السرارة لب اللب من مضر … مستغرق الفضل فرد ماله ثاني
وتعد المعجزات النبوية عنصرا جوهريا في بناء قصائد البرعي المدحية، فقد وظفها كبراهين ساطعة على صدق النبوة وعلو مكانة الممدوح.
وتطرق في أشعاره إلى معجزات شتى مثل انشقاق القمر، ونبع الماء من بين الأصابع، ومعجزة القرآن الكريم التي اعتبرها الناسخ لما سبقها من الكتب السماوية، معبرا عن ذلك بقوله:
وقام يتلو من التنزيل معجزة .. تمحو الأناجيل والتوراة والزبرا
أحل الطيبات لنا دينا قويما .. لا دين من سيب الأنعام أو بحرا
كما حظيت حادثة الإسراء والمعراج بمساحة واسعة في مدائحه، فلم تكد تخلو قصيدة من الإشارة إليها كدليل على تفضيل النبي محمد وتقريبه إلى مراتب لم يبلغها نبي مرسل ولا ملك مقرب.
وقد فصل البرعي في وصف رحلة البراق والصعود إلى السماوات وتجاوز سدرة المنتهى، ومن أشهر أبياته في تخليد هذه المعجزة قوله:
كفته كرامة المعراج فضلا .. بها في القرب ساد الأنبياء
سرى من مكة ببراق عز .. لأقصى مسجد وعلا السماء
إلى جانب ذلك، زاوج البرعي بين ذكر مناقب النبي وبين توظيف عناصر الطبيعة لخدمة غرض المديح. فقد لجأ إلى عقد مقارنات بلاغية بين ممدوحه وبين الشمس والقمر والسحاب، ليثبت أن جود النبي ونوره يتجاوزان كل ظواهر الطبيعة مهما عظمت.
وهو يرى أن السخاء والنور الحقيقيين قد ارتبطا بشخص الرسول، مصورا ذلك في أبيات فيها التبجيل:
تندي الغمام إذا استمطرتها مطرا .. وابن العواتك تندي كفه ذهبا
وتلبس الشمس ثوب النور آفلة .. ونور أحمد شق الترب والشهبا
إعلان
ويعبر البرعي في أبيات أخرى عن شوقه لزيارة البيت الحرام والنبي محمد، مناشدا من كتبت له زيارة البيت الحرام أن يوصل شوقه وسلامه للنبي:
لتبلغوا المختار ألف تحيّة .. من عاشق متقطّع الأكباد
قولوا له عبد الرحيم متيّم .. ومفارق الأحباب والأولاد
صلّى عليك الله يا علم الهدى .. ما سار ركب أو ترنّم حاد
ولم يقتصر ديوان البرعي على الروحانيات الخالصة، بل شمل أيضا مدح صحابة رسول الله ومشايخ الطرق الصوفية. فقد خص الخلفاء الراشدين بقصائد تشيد بنصرتهم للنبي ودفاعهم عن الدين الإسلامي، وتضحياتهم، حيث يقول في مدحهم مبرزا شجاعتهم:
وقل بفضل ضجعه فأنهما .. السيدان المجيدان الرفيعان
وثق بحبل شهيد الدار تلوهما .. شيخ الكرامة عثمان بن عفان
ثم أبلغ الغاية القصوى أبو حسن .. وابتاه أيضا وعماه الكريمان
أئمة زين الله الوجود بهم .. غر مهذبة أبناء غران
إلى جانب المديح النبوي، برزت قصائد المناجاة والتوسل والتوبة ركيزة أساسية في ديوان البرعي، وعكس من خلالها نزعته الصوفية العميقة وشعوره الدائم بالافتقار إلى الخالق، والتعبير عن التذلّل والخضوع، والاعتراف بالذنوب وطلب المغفرة.
ودعا في أشعاره إلى اللجوء إلى الله في كل الأمور، مؤكدا أن الخالق يجيب دعاء من ناداه، إذ يقول في مناجاته:
قف بالخضوع وناد ربك يا هو .. إنّ الكريم يجيب من ناداه
واطلب بطاعته رضاه فلم يزل .. بالجود يرضى طالبين رضاه
واسأله مسألة وفضلاته .. مبسوطتان لسائليه يداه
واقصد منقطعا اليه فكل من .. يرجوه منقطعا اليه كفاه
كما أفرد البرعي مساحة واسعة لشعر التوبة وإعلان الندم، معترفا بتقصيره وضعفه أمام عظمة الله، ومحذرا النفس من التمادي في الغفلة. ويعتبر البرعي التوبة مقام السالكين الأول، ولذا جهر باعترافاته طالبا الصفح، ومن أبرز شواهده في إعلان التوبة قوله:
مولاي أشهد إعلانا بإقراري .. وأشهد الخلق عن جهري وإضماري
قد أتيتك بالتقصير معترفا … وإن طردت فمن لي خائفا مستوحشا
شكلت أدوات البلاغة والتصوير البياني ركائز أساسية في بناء القصيدة عند عبد الرحيم البرعي، فابتعد عن الوصف التقريري واتجه إلى تكثيف الصور الفنية لخدمة المعنى الصوفي والمديح.
ومن أبرز أدواته البلاغية توظيفه الواسع للمجاز المرسل بعلاقاته الدلالية المتنوعة، مما منح نصوصه الإيجاز والعمق. فمن استخداماته لعلاقة الجزئية قوله:
أنا في تأليف قافيتي .. غير منحاز إلى فئة
وأطلق الجزء وهو القافية وأراد بها الكل أي القصيدة بأكملها. كما استخدم علاقة المحلية في قوله:
سلم على الحي من نيابتي برع .. وقل لهم حين تنبيهم بأخباري
فقد أطلق المحل وهو الحي وأراد الحال فيه وهم السكان والمقيمون في تلك الديار.
وتعد الاستعارة والتشخيص من الأدوات البارزة في مدائحه، إذ مال إلى أنسنة الجمادات وعناصر الطبيعة لتشارك في مشاعر الشوق والتبجيل، ويظهر ذلك في قوله:
نور طلعته يشق الغيهبا
وهي استعارة بصرية تعبر عن أثر الهداية النبوية في تبديد ظلام الجهل. وفي قوله:
الجذع حن له وأفصحت الظبا
ولجأ إلى التشخيص وإضفاء الطابع الإنساني على العناصر المادية والحيوانية للدلالة على التفاعل الكوني مع مقام النبي.
أما على صعيد المحسنات البديعية، فقد وظف البرعي الجناس العفوي الذي يثري الجرس الموسيقي دون تكلّف، كما في سؤاله عن ديار الأحبة:
قف بذات السفح من إضم .. وانشد السارين في الظلم
هل رووا علم عن العلم .. أو رأوا سلمى بذي سلم
وجمع بين الرواية المعتمدة على السمع، والرؤية المعتمدة على البصر، ويبرز هنا الجناس اللطيف بين كلمتي رووا ورأوا. وقد ترافقت هذه الأدوات البلاغية مع إيقاع شعري يعتمد على انتظام القوافي.
إعلان
وقد امتازت لغته أيضا بالبساطة والابتعاد عن التعقيد الفني، مما جعل قوة شعره تكمن في سلاسة الأداء والتلقي وسهولة الحفظ والإنشاد أكثر من تعقيد الصنعة.
تنوع نتاج البرعي بين الشعر والنثر، رغم أن ديوانه الشعري قد طغى على شهرته. ففي مجال الفقه الشافعي، وضع شرحا لكتاب التنبيه لأبي إسحاق الشيرازي، وفي علم الفلك ترك مؤلفا تم تحقيقه ونشره لاحقا في مجلة الإكليل.
أما ديوانه الشعري الذي حمل اسم ديوان البرعي في المدائح الربانية والنبوية والصوفية، فقد حظي باهتمام واسع، وتعد الطبعة الحجرية المصرية الصادرة عام 1283 هجري (1866-1867) من أقدم طبعاته المعروفة.
وقد توالت العناية بهذا الديوان، وحققه الباحث المصري محمد بن عبد اللطيف القناوي في رسالة ماجستير بجامعة القاهرة، كما صدرت له طبعة يمنية بتحقيق عبد العزيز سلطان المنصوب.
إلا أن أثره الأكبر كان تناقل أشعاره في المجالس وعلى ألسنة المنشدين، منها:
يا راحلين إلى منى بقيادي .. هيجتم يوم الرحيل فؤادي
سرتم وسار دليلكم يا وحشتي .. الشوق أطربني وصوت الحادي
ومنها أيضا:
أغيب وذو اللطائف لا يغيب .. وأرجوه رجاء لا يخيب
واسأله السلامة من زمان .. بليت به نوائبه تشيب
إقرأ المزيد


