الجزيرة.نت - 6/17/2026 6:04:40 PM - GMT (+3 )
قبل فترة وجيزة، وبعد إلقاء القبض على أمجد يوسف، المعروف في سوريا بـ"جزار التضامن"، في مخبئه، كشفت التحقيقات والمعلومات والبيانات التي تم الحصول عليها الستار عن مصير الدكتورة رانيا العباسي وأطفالها الستة الذين اختفوا مع زوجها قبل ثلاثة عشر عاما.
وقد أظهر مقطع فيديو وجد في هاتف أمجد يوسف كيف قتل هؤلاء الأطفال الستة بوحشية لا توصف، وهم في غاية البراءة والجمال، وكان أصغرهم لا يتجاوز السنة الواحدة من العمر. وكانت الكاميرا تتجول فوق أجسادهم الهامدة، فيما تسمع أصوات قاتليهم من خلفها، وهم يرددون كلمة: "الانتقام".
أي انتقام هذا؟ وممن الانتقام؟ ماذا فعل هؤلاء الأطفال؟ ومن الذي آذوه أو ألحقوا به ضررا حتى يحملوا وزر انتقام لا علاقة لهم به؟
لقد أعاد القبض على هؤلاء القتلة إلى الواجهة بعضا من تفاصيل الحياة المروعة التي عاشتها سوريا طوال 54 عاما، كما أعاد إلى ذاكرة الأحياء ما كان قد طمر من آلامها. كنا في تركيا نتابع ما جرى في سوريا من خلال الذين لجؤوا إلى بلادنا هربا من جحيم الحرب والقمع. لكن لا أحد كان قادرا على أن يتخيل حجم المأساة التي تركها هؤلاء وراءهم ما لم يعشها بنفسه.
إن الذين اضطروا إلى الفرار من ديارهم حاملين أرواحهم على أكفهم كانوا في الحقيقة يحملون معهم أيضا شهادة على فقدان ذلك النظام لأي شرعية. فالنظام الذي يدفع شعبه بأكمله إلى الهرب منه لا يمكن أن تكون له شرعية أخلاقية أو سياسية بأي حال.
لقد كتبت من قبل أن عائلة الدكتورة رانيا العباسي تعود بجذورها إلى مدينة "تلو" في ولاية سيرت التركية. وكان والدها الشيخ محمد عيد العباسي قد ولد في دمشق سنة 1938 وهو أحد علماء الإسلام، وله مؤلفات كثيرة، من أبرزها كتب في حقوق الإنسان في الإسلام، وآثار التعصب المذهبي.
وقد كان والده قد هاجر من "تلو" إلى سوريا طلبا للعلوم الشرعية، وتلقى محمد العباسي تعليما رفيع المستوى منذ صغره، وتفرغ لتحصيل العلوم الإسلامية. وفي عام 1980 اعتقل في مناخ سياسي كان مجرد الاشتباه بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين فيه كافيا للزج بصاحبه في السجن، أو تعريضه للقتل. أمضى 14 عاما في سجن تدمر.
إعلان
ونحن نقول إنه "أمضى" 14 عاما هناك، لكن من يستمع إلى رواياته لا يملك إلا أن يتساءل بدهشة: كيف أمكن لإنسان أن يعيش كل تلك السنوات في مثل تلك الظروف؟
حتى الاستماع إلى ما يرويه عن السجن يجعلك تشعر بالخجل من إنسانيتك. أي حقد هذا؟ وأي كراهية؟ وأي عداء يمكن أن يدفع إنسانا إلى أن يفعل بإنسان آخر ما فعل هناك؟
هل يمكنكم أن تتصوروا 130 إنسانا يعيشون في مساحة لا تتجاوز ثلاثين مترا مربعا، يلتصق بعضهم ببعض أياما وأسابيع وشهورا طويلة؟ وهل يمكن لكيس من الطحين يلقى أمام باب الزنزانة أن يكون طعاما يكفي هذا العدد الهائل من البشر للبقاء على قيد الحياة؟
كيف استطاع العالم أن يواصل حياته الطبيعية بينما كانت هذه الجرائم ترتكب بصورة يومية ومنهجية؟ وكيف عاش الشعب السوري كل تلك العقود تحت حكم كهذا؟
لقد كان نظام المخابرات متغلغلا في كل غرفة من غرف البيوت، منتجا باستمرار ضحايا جددا لآلة التعذيب. وفي بيئة أصبح فيها الأخ مخبرا على أخيه، والزوجة على زوجها، والزوج على زوجته، وسحقت فيها الثقة بين الناس إلى أدنى مستوياتها، أي دولة كان يمكن أن تنشأ؟
ولم يكن الناس يتحولون إلى مخبرين بإرادتهم. فعندما يصبح التعذيب وسيلة لإجبار الناس على الوشاية أو الاعتراف، لا يعود النظام بحاجة إلى متعاونين حقيقيين. كانت شبكة السجون المنتشرة في البلاد قد تحولت إلى قطاع كامل قائم على إنتاج الضحايا باستمرار، وكأنها آلة ضخمة تحتاج دوما إلى وقود بشري كي تستمر في العمل.
ولذلك لم يكن أمجد يوسف الوحش الوحيد في تلك المنظومة، كما لم تكن الدكتورة رانيا وأطفالها الستة الضحايا الوحيدين، أو حتى الأكثر مأساوية فيها.
لقد اكتسبت قصة الدكتورة رانيا وأطفالها الستة دلالة رمزية خاصة؛ لأنها أصبحت نموذجا يجسد ستين عاما من التعذيب المنهجي والمجازر والإخفاء القسري.
وبحكم انتماء عائلتها إلى أصول تركية توجهنا إلى سوريا للمشاركة في مجلس العزاء بدعوة من وقف سيرت. وكان من بين المشاركين حمزة بولدو، وزكي أكيوزلو الذي يعمل في الوقف كجيش إغاثة إنساني متكامل، والنائب السابق عفيف دميرقيران، والنائب محمد مفيد آيدن، ورئيس وقف الوحدة في أنقرة يوسف مجاهت أوغلو، وأمين المظالم أوزجان يلدز، ورجال الأعمال فكرت بايدارمان، وآياز أك قوين، ومراد أوزومجو، وعبد الله شانلي، وشامل غولباران، وأورال آوجي، وآخرون.
وبعد نحو نصف ساعة فقط من وصول طائرتنا من إسطنبول إلى دمشق، حطت الطائرة القادمة من الرياض وعلى متنها الشيخ محمد عيد العباسي. وهكذا كُتب لنا أن نستقبله في مطار دمشق لأول مرة منذ 26 عاما.
كان مشهدا مؤثرا للغاية؛ لحظة عودة رجل إلى وطنه الذي أجبر على مغادرته قبل 26 عاما. ومع ذلك، فإن ما عاشه غيره في تدمر وصيدنايا من عقود طويلة خلف القضبان يجعلنا ندرك أن هناك من عاش مآسي أكبر وأطول.
وصل الشيخ العباسي بصحبة زوجته وابنته، وكان التأثر باديا على الجميع. وبعد حديث قصير في المطار، توجهوا إلى منزلهم الذي اضطروا إلى تركه قبل 26 عاما، والذي كان قد استولى عليه أحد ضباط حزب البعث لفترة طويلة قبل أن يعاد إليهم مؤخرا.
إعلان
وأدينا صلاة الجمعة في الجامع الأموي، حيث ألقى الخطبة الشيخ سهل جنيد، مفتي حمص وعضو مجلس العلماء الأعلى في سوريا وأحد رموز الدعوة والثورة السورية. وقد ذكر في خطبته بالفضل الإلهي الذي أتاح للسوريين أن يعيشوا هذه الحرية التي كانت حتى قبل عام ونصف مجرد حلم بعيد المنال، مؤكدا ضرورة الوفاء للشهداء وعدم نسيان الدين المستحق لهم.
وبعد صلاة الجمعة انتقلنا إلى قاعة الشرف في الجامع الأموي لإقامة مجلس العزاء. وقد تم تخصيص هذه القاعة بجهود السفارة التركية وموافقة السلطات السورية، علما أن استخدامها في مثل هذه المناسبات لا يتم إلا في حالات استثنائية.
وفي هذا اللقاء المؤثر، الذي حضره أيضا صهرا الشيخ العباسي الآخران وأحفاده، اجتمعت أسرة الشهيدة مع أبناء مدينتها الأصلية سيرت، ومع شخصيات سورية جاءت من مختلف المناطق.
وضم مجلس العزاء نوابا يمثلون الشعب السوري، وشيوخ عشائر وقبائل، وممثلي مؤسسات المجتمع المدني، وشخصيات من مختلف فئات المجتمع. وكان الجميع يردد الحقيقة ذاتها: إن الجغرافيا لا تستطيع أن تقطع روابط الدم، والحدود لا يمكنها أن تمحو الجذور.
وقد أكد هذا اللقاء، بما حمله من معان إنسانية وروح تضامن عالية، أن القبول بالقطيعة والانفصال بين أبناء الأمة الواحدة أمر غير ممكن.
وألقى بعض الحاضرين كلمات تعزية لذوي الشهداء، مؤكدين أن معرفتهم بالأصول التركية لهؤلاء الشهداء كان لها وقع خاص في نفوسهم، كما عبروا عن امتنانهم للموقف التركي النبيل الذي وقف إلى جانب الشعب السوري منذ بداية محنته.
وفي الحقيقة، فإن تعزيتنا في هؤلاء الشهداء من ذوي الأصول التركية كانت أيضا تعزية رمزية لمليون شهيد سوري قضوا خلال محنة شعبهم. فالدكتورة رانيا وزوجها وأطفالها الستة ليسوا سوى نموذج واحد من بين مئات الآلاف من الضحايا والمفقودين الذين لا يزال مصير كثير منهم مجهولا.
ولا يوجد دم أغلى من دم، ولا شهيد أرفع من شهيد. فهؤلاء جميعا هم الذين مهدوا الطريق لسوريا الحرة التي نراها اليوم، ودفعوا حياتهم ثمنا لولادتها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


