عابرا "قرن الإذلال".. الدحيح يروي قصة قيامة التنين الصيني من الرماد
الجزيرة.نت -

يستعرض “الدحيح” كيف تحولت الصين من إمبراطورية منكفئة على ذاتها إلى دولة منهكة بفعل الاحتلال والحروب، قبل أن تنهض مجددا وتبني قوتها الحديثة مستندة إلى ذاكرة “قرن الإذلال”.

في واحدة من أكثر حلقاته التصاقا بالتاريخ والسياسة، يعود برنامج "الدحيح" على منصة "AJ+ عربي" إلى الجذور العميقة التي شكلت وعي الصين الحديثة، متتبعا رحلة بلد انتقل من موقع الإمبراطورية المتفوقة إلى ضحية للاحتلال والتفكك، قبل أن يتحول خلال عقود قليلة إلى أحد أبرز اللاعبين في النظام الدولي.

وتنطلق الحلقة (يمكن مشاهدتها كاملة عبر هذا الرابط على منصة 360) من خطاب ألقاه الرئيس شي جين بينغ عام 2021 بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني، حين استعاد ما وصفه الصينيون بـ"قرن الإذلال"، مؤكدا أن تلك المرحلة لم تعد مجرد حدث تاريخي، بل أصبحت جزءا من الذاكرة الجماعية التي تحدد نظرة الصين إلى نفسها وإلى العالم.

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list

ومن هذا المدخل، يوضح أحمد الغندور أن فهم صعود الصين الراهن لا يكتمل دون العودة إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حين كانت البلاد تحت حكم أسرة تشينغ، وتمثل واحدة من أكبر القوى الاقتصادية والحضارية في العالم، مكتفية بمواردها وقادرة على تصدير منتجاتها دون حاجة حقيقية إلى الأسواق الخارجية.

في ذلك الوقت، كانت النخبة الحاكمة تنظر إلى الصين بوصفها مركز الحضارة الإنسانية، فيما اعتبرت القوى الأوروبية مجرد أطراف بعيدة لا تمتلك ما يستحق اهتمام الإمبراطورية، ولهذا رفض الإمبراطور تشيان لونغ مطالب بريطانية بفتح علاقات تجارية أوسع، معتبرا أن بلاده ليست بحاجة إلى منتجات الغرب.

غير أن هذا التوازن لم يدم طويلا، فمع تصاعد الطلب البريطاني على الشاي والحرير والخزف الصيني، بدأت كميات ضخمة من الفضة تتدفق من بريطانيا إلى الصين، الأمر الذي دفع شركة الهند الشرقية البريطانية للبحث عن سلعة قادرة على قلب المعادلة التجارية وإعادة الأموال إلى الخزانة البريطانية.

حروب الأفيون المذلة

وهنا يظهر الأفيون بوصفه نقطة التحول الكبرى، فبحسب الحلقة، استغلت بريطانيا زراعة الأفيون في الهند لتصديره إلى الصين بكميات متزايدة، حتى تحول من مادة محدودة الاستخدام إلى تجارة واسعة النطاق خلقت أزمة اجتماعية واقتصادية عميقة داخل المجتمع الصيني.

ومع تفاقم الإدمان واستنزاف احتياطيات الفضة، حاولت السلطات الصينية وقف هذه التجارة عبر مصادرة شحنات الأفيون وإتلافها عام 1839 بقيادة المسؤول لين تسي شو، إلا أن الخطوة تحولت إلى ذريعة لتدخل عسكري بريطاني فتح الباب أمام واحدة من أكثر المحطات إيلاما في التاريخ الصيني.

ويشرح الغندور كيف كشفت حرب الأفيون الأولى عن الفجوة الهائلة بين القدرات العسكرية الغربية والإمكانات الصينية التقليدية، إذ تمكنت بريطانيا من فرض تفوقها البحري والتكنولوجي، لتنتهي الحرب بإجبار الصين على توقيع معاهدة نانجينغ عام 1842.

ولم تكن هذه المعاهدة مجرد تسوية عسكرية، بل بداية سلسلة من الاتفاقيات التي انتزعت أجزاء مهمة من السيادة الصينية، وأجبرت بكين على فتح موانئها للتجارة الأجنبية والتنازل عن هونغ كونغ ومنح امتيازات قانونية واسعة للرعايا الأجانب داخل أراضيها.

وتواصل الحلقة سرد مسار الانحدار، موضحة أن القوى الغربية واصلت الضغط للحصول على امتيازات إضافية، وفي خمسينيات القرن التاسع عشر اندلعت حرب الأفيون الثانية، التي انتهت بسقوط العاصمة بكين ونهب القصر الصيفي الإمبراطوري وإحراقه.

ويقدم البرنامج هذه الحادثة بوصفها رمزا عميقا للإهانة الوطنية، إذ دُمِّرت خلال أيام قليلة تحفة معمارية استغرق بناؤها أكثر من قرن، فيما وجدت الصين نفسها مجبرة على توقيع اتفاقيات جديدة شرعت تجارة الأفيون ووسعت النفوذ الأجنبي داخل البلاد.

نزيف الداخل الصيني

لكن الضربات الخارجية لم تكن وحدها ما أنهك الإمبراطورية، فبالتوازي مع الضغوط الاستعمارية، كانت الصين تعاني أزمات داخلية متراكمة شملت المجاعات والفساد والتفاوت الاجتماعي والانفجار السكاني، ما أدى إلى تراجع الثقة بالنظام الحاكم وتصاعد مشاعر الغضب الشعبي.

وفي هذا السياق، يتوقف الغندور عند مكانة الكونفوشيوسية التي تجاوزت كونها مجرد فلسفة أخلاقية، إلى اعتبارها الإطار المنظم للعلاقات الاجتماعية والسياسية داخل الصين، وعندما عجزت الدولة عن حماية الناس من الفقر والمجاعة، بدأ كثيرون يشككون في شرعية النظام بأكمله.

ومن رحم هذه الأزمات خرج هونغ شيو تشوان، الذي قاد ما عرف بثورة تايبينغ عام 1850، ويصف البرنامج هذه الثورة بأنها واحدة من أكثر الحروب الأهلية دموية في التاريخ، بعدما تحولت إلى صراع شامل هدد وجود أسرة تشينغ الحاكمة.

ورغم الشعارات الإصلاحية التي رفعها المتمردون، فإن توسع الصراع وتداخل العوامل الدينية والعرقية والسياسية دفعا البلاد إلى حرب مدمرة أودت بحياة عشرات الملايين، في مشهد زاد من هشاشة الصين وأعاق قدرتها على مواجهة التحديات الخارجية.

وبعد القضاء على التمرد، حاولت السلطات إطلاق برامج تحديث عسكري وإداري عُرِفت بحركة تعزيز الذات، أملا في استدراك الفجوة مع القوى الغربية، غير أن هذه الجهود اصطدمت بمقاومة داخلية وبيروقراطية مترهلة حالت دون تحقيق تحول حقيقي في بنية الدولة.

وفي المقابل، كانت اليابان تنفذ إصلاحات بوتيرة متسارعة، ما سمح لها بالتحول إلى قوة صناعية وعسكرية صاعدة، وسرعان ما ظهر أثر هذا التحول في الحرب الصينية اليابانية الأولى عام 1894، التي انتهت بهزيمة صينية جديدة حملت بعدا رمزيا قاسيا.

من الهزيمة للنهوض

فالهزيمة هذه المرة لم تأت من قوة أوروبية بعيدة، بل من دولة آسيوية كانت الصين تنظر إليها تاريخيا بوصفها أقل شأنا، وانتهت الحرب بمعاهدة جديدة فقدت بموجبها الصين نفوذها في كوريا وتنازلت عن تايوان، ما عمق الشعور الوطني بالمهانة.

ومن خلال هذه المحطات المتلاحقة، يوضح البرنامج كيف تشكلت سردية "قرن الإذلال"، وهي السردية التي ترى أن الصين تعرضت خلال نحو 100 عام لسلسلة من الهزائم والتدخلات الأجنبية والاضطرابات الداخلية التي كادت تقضي على مكانتها التاريخية.

وينتقل الغندور بعد ذلك إلى القرن العشرين، متتبعا الصراع بين القوميين والشيوعيين، ثم مواجهة الاحتلال الياباني خلال الحرب العالمية الثانية، وصولا إلى انتصار الشيوعيين بقيادة ماو تسي تونغ وإعلان جمهورية الصين الشعبية عام 1949.

غير أن الحلقة تشير إلى أن تأسيس الدولة الجديدة لم يكن نهاية المتاعب، إذ واجهت الصين تجارب اقتصادية صعبة وأزمات كبرى قبل أن تبدأ مرحلة مختلفة مع صعود دينغ شياو بينغ الذي أعاد صياغة العلاقة بين الاشتراكية والسوق.

ومن خلال سياسة "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية"، فتحت بكين أبوابها للاستثمار والتجارة العالمية، ونجحت تدريجيا في التحول إلى مركز صناعي ضخم، قبل أن تصبح خلال عقود قليلة ثاني أكبر اقتصاد في العالم ومنافسا مباشرا للولايات المتحدة.

وفي ختام الحلقة، يؤكد "الدحيح" أن قصة الصين الحديثة لا يمكن فصلها عن ذاكرة الإذلال التي سبقتها، فالمشروعات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية التي تبنيها بكين اليوم ترتبط في الوعي الصيني الرسمي بوعد تاريخي واحد: ألا تعود البلاد مرة أخرى إلى زمن الضعف والتبعية.



إقرأ المزيد