ثروات هائلة ونفوذ غائب.. لماذا تحول العالم العربي إلى رقعة شطرنج؟
الجزيرة.نت -

يمتلك العالم العربي ثروات وممرات بحرية تجعله سيد القرار، لكن الواقع يجعله رقعة شطرنج للقوى الكبرى. هذه المفارقة يفككها المفكر الإستراتيجي جاسم السلطان في حلقة برنامج “موازين”.

بمنطق الأرقام تمتلك المنطقة العربية أوراقا تجعلها سيدة القرار العالمي؛ 59% من احتياطي النفط العالمي و30% من الغاز والتحكم في 4 من أصل 5 ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية ونحو 500 مليون نسمة، لكن الواقع الجيوسياسي يحكي قصة مغايرة تماما؛ فبدلا من أن تكون فاعلا رئيسيا، تحولت إلى مسرح تتصارع فيه القوى الكبرى وتتبادل عليه الرسائل العنيفة.

في مقاربة تحليلية لافتة، يفكك المفكر والإستراتيجي الدكتور جاسم السلطان هذه المفارقة في حلقة جديدة من برنامج موازين الذي يبث على قناة الجزيرة، مؤكدا أن "الجغرافيا والموارد وحدها لا تصنع القوة، بل قد تتحول إلى عبء مستباح إذا غابت القدرة الدفاعية والمؤسسية لحمايتها".

ففي عالم السياسة الدولية الذي يحكمه واقع قانون الغاب -حيث تخلت القوى الكبرى عن الدبلوماسية وتستند إلى فرض القوة بدون قيود للسيطرة- تقع المنطقة العربية في قلب ما يُعرف بـ"منطقة الاصطدام"، وهي منطقة محصورة بين القوى العالمية الطامحة للسيطرة على الجزيرة العالمية (من قارة أوراسيا إلى أفريقيا)، مما يجعلها عرضة للتدخلات المستمرة، سواء من القوى الكبرى أو القوى الإقليمية الطامحة.

سوريا كنز الدب الروسي

وفي محاولة لتوضيح كيف تتحول ثروات الجغرافيا إلى لعنة، يضرب السلطان مثالا حيا بمنطقة الشام، وتحديدا سوريا والبحر الأبيض المتوسط، إذ يعد هذا الحوض المائي مخزونا هائلا من الغاز تتسابق عليه دول المنطقة (مثل مصر وتركيا وإسرائيل).

كما يمثل "رئة تنفس" جيوسياسية للقوى العظمى، خاصة بالنسبة لروسيا التي تعاني جغرافيا من "الاختناق" وتهديدات حلف شمال الأطلسي (ناتو) في البحر الأسود ومياهها الشمالية المتجمدة، إذ يمثل الوجود في سوريا حاجة وجودية.

فالأسطول الروسي والغواصات النووية بحاجة ماسة إلى المياه الدافئة في المتوسط لإعادة التموضع والصيانة ولذلك، عندما حاولت الولايات المتحدة تجريد موسكو من مزاياها الإستراتيجية عبر محاصرتها في أوراسيا، قررت روسيا التدخل العنيف في سوريا؛ ليس حبا في نظامها بل لحماية عمقها الإستراتيجي وحصتها من كعكة ثروات المتوسط.

إسرائيل والجغرافيا الهشة


وعلى النقيض من الوفرة الجغرافية العربية المهدورة، تبرز إسرائيل كنموذج استثنائي من الناحية الجغرافية في السيطرة على دولة فلسطين، فهي مجرد شريط ساحلي ضيق يعاني من "هشاشة مطلقة" وغياب تام للعمق الإستراتيجي؛ إذ يمكن للصواريخ عبورها في دقائق معدودة.

ولكن يفسر السلطان كيف صمدت الدولة المحتلة طيلة الأعوام الماضية، إذ يكمن السر في احتضانها وإيمانها بالمشروع الإستراتيجي الواحد (مشروع إسرائيل الكبرى)، فالإسرائيليون يملكون رؤية خاصة كما أنهم اقتنصوا اللحظات التاريخية ببراعة حين كان العرب في أضعف حالاتهم.

وعوضوا ضعف الجغرافيا بالانحياز الكلي للتكنولوجيا، فبنوا القباب الحديدية واستثمروا في المعرفة والتحالفات الإستراتيجية.

ورغم كل هذا الجهد الهائل وامتلاك القوة المطلقة تقنيا وعسكريا، يؤكد الدكتور جاسم السلطان أن هذا البنيان بدأ يتهشم اليوم، فالحروب الأخيرة أثبتت أن التكنولوجيا المتقدمة والقباب الحديدية لم تعد قادرة على تعويض "اللعنة الجغرافية" بالكامل.

لقد استطاعت قوى من خارج الجيوش النظامية تطوير قدرات تسليحية وصاروخية اخترقت هذه الدرع التقنية، مما أثبت أن التكنولوجيا وحدها لا تلغي حقائق الجغرافيا، وأن التموضع الإسرائيلي بات يعيش مأزقا وجوديا رغم فائض القوة.

أبطال من نوع آخر

الزاوية الأهم التي يعاني منها العقل الإستراتيجي العربي، وفقا للسلطان، هي عدم استيعاب التغير الجذري في مفهوم "القوة"، حيث عرّف خلال الحلقة مفهوما جديدا للبطولة العسكرية، إذ لم تعد تقتصر على الجندي الواقف في الجبهة، بل انتقلت إلى مصانع التكنولوجيا، وكل تقني يعرف كيف يبني طائرة مسيّرة أو يوفر موصلات كهربائية داخل سلاح حربي، ويتحكم في الألياف الضوئية والاقتصاد الرقمي، هو من يفرض شروطه.

وفي المقابل، فإن الدول التي تعجز عن حماية سمائها وممراتها الإستراتيجية كقناة السويس وباب المندب، وتكتفي بشراء السلاح بشروط مصنعيه، تضع نفسها طواعية في خانة المفعول به.

مشاريع حبيسة الأدراج

وتحدث السلطان خلال الحلقة الثرية عن خطورة غياب مشروع سياسي موحد بين الدول العربية أو دول العالم الإسلامي، بالرغم من امتلاكها كافة الإمكانات لتحقيق هذا المشروع.

ويشير المفكر الإستراتيجي إلى وجود أكثر من 111 مشروعا للوحدة العربية تقبع في أدراج جامعة الدول العربية، في ظل حالة من تضارب المصالح السياسية التي تمنع تحويل الحلم إلى مؤسسات فاعلة على الأرض.

وقال السلطان إن الفرص التاريخية تأتي لكل أمة ولكن اقتناصها يتطلب استعدادا مبكرا وعمل جادا على امتلاك القوة والسلاح، مؤكدا أن هذا هو السبيل الوحيد للخروج من مقاعد المتفرجين في الحروب الإستراتيجية إلى أصحاب القوى والفاعلين.

وهذا الأمر لن يتم إلا من خلال تعزيز القدرات المعرفية والتقنية للدولة وامتلاك إرادة سياسية ومؤسسات حقيقية، فإن قطار التاريخ سيمضي وستبقى ثرواتهم وممراتهم مجرد تفاصيل مغرية على خرائط القوى الطامعة.

Published On 17/6/2026

شارِكْ



إقرأ المزيد