الجزيرة.نت - 6/20/2026 9:09:14 PM - GMT (+3 )
لطالما كان عنف الرجل ضد المرأة أحد أساليب الرد على الرفض أو الابتعاد، وهو سلوك تعتبره بعض المجتمعات جزءا من تكوينه، بينما تقول الدراسات إنه جزء من الدور الذي رسمته هذه المجتمعات له.
ففي 23 مايو/أيار 2014، نفذ إليوت رودجر، نجل المخرج الأمريكي المعروف بيتر رودجر، عملية قتل عشوائية أودت بحياة 5 فتيات وشاب واحد، وإصابة 14 آخرين قبل أن ينتحر بعد تبادل لإطلاق النار مع الشرطة، حسب ما ورد في حلقة 2026/6/20 من برنامج الدحيح التي يمكنكم مشاهدتها كاملة على هذا الرابط.
والسبب في إقدام إليوت على هذه الجريمة كما قال في رسالة كتبها لوالده ونشر فحواها على يوتيوب قبل شروعه بتنفيذ عمليات تصفية عشوائية للفتيات، أنه "لم يعد قارا على حالة الرفض التي يواجهها من الجنس الآخر".
فقد كان إليوت في الثانية والعشرين من عمره ولم يكن قد مارس حياته كرجل مع أي فتاة، لأنهن رفضنه إلى حد دفعه للقول إنه بات يكرههن جميعا وإنه قرر التخلص منهن طالما أنه لن يحصل عليهن.
وعلى بشاعتها، لم تكن الحادثة صادمة في حد ذاتها خصوصا بعد اكتشاف أنه كان مريضا نفسيا وضيفا قديما على الأطباء، لكن الصادم أنها كشفت عن وجود حالات كثيرة مشابهة له وتصف نفسها بأنها "عفيفة رغما عنها".
فقد تعامل آلاف الشباب الذين كانوا يتابعون إليوت منذ فترة على مواقع التواصل معه كأب روحي أو معبّر عنهم، وعبروا عن إعجابهم بفعلته بل وطبعوا صوره على ملابسهم ووصفوه بأنه "سوبريم جينتل مان" أي إنه الأكثر رجولة بنظرهم.
وهكذا، ظهر ما عرف بمجتمع "ريد بيل"، أو الحبَّة الحمراء المستلهمة من فيلم "ماتريكس"، أي الذين شاهدوا العالم على حقيقته ووجدوا أن المرأة هي محور الأرض وأن الرجل يعاني تهميشا ورفضا يفوق احتماله.
في المقابل، ظهرت جماعات تتفهم التعاطف مع إليوت لكنها تشدد على ضرورة تجريم فعلته وعدم التعامل معها كمنهج يمكن تبريره، وظهرت حركة "نعم كلنا نساء"، التي عبر فيها آلاف النساء عن مخاوفهن وتجاربهن.
ليست حالة وحيدةوللتأكيد على أن إليوت ليس حالة مرض فريدة وأنهن تعرضن لكثير من حالات العنف التي وصلت لمستويات عالية من التهديد بسبب رفضهن لبعض الرجال الذين برروا أفعالهم بنفس طريقة إليوت. وهكذا، أفرزت الحادثة نقاشا مجتمعيا واسعا حول ما إذا كان الرفض سببا يستحق القتل.
ففي كتابه "الإسعافات العاطفية الأولى"، يقول البروفيسور غاي وانش، إن آلام الرفض توازي الآلام الجسدية التي يحدثها المرض، وإن الخلايا المسؤولة عن الشعور بالألم الجسدي تقوم بنفس النشاط عند حدوث ألم روحي، بدليل أن الأدوية التي تسكن الألم الجسدي تقلل أيضا الشعور بألم الرفض.
بل إن نجاة الإنسان الأول من الموت -حسب علم النفس التطوري- كانت مرتبطة بقدرته على إيجاد جماعة تقبله وتحميه من الوحوش التي تتشارك معه العالم، وبالتالي لم يكن الرفض مسألة تعلق بآلام الروح وإنما بوجود الإنسان.
لذلك، تقول الدكتورة سوزان وايت إن تداعيات الرفض "ليست حكرا على الرجل وإنما على الجنسين بيد أن المرأة اعتادت تفسيره بأسباب داخلية أو لعيوب فيها لا في الآخر وتبتعد عمن رفضها حتى تعالج آلامها، بينما يتعامل الرجل مع الرفض كإهانة لرجولته وبالتالي يلاحق المرأة لإعادتها وربما معاقبتها لمحو هذه الإهانة".
دور رسمه المجتمعأما البروفيسورة كلير رينيزتي، فتقول إن البشر يتربون من الصغر على لعب دور الرجل والمرأة، وإن المسألة "ليست رهن الجينات بقدر ما هي مرهونة بالبيئة والحضارة التي تحدد لكل طرف دوره في مسرحية الحياة"، ومن بين هذه البيئات تلك التي تعتبر البكاء انتقاصا من الرجولة ورفع الصوت مثلا انتقاصا من المرأة.
وفي ورقة أصدرتها عام 2011، تقول الباحثة جنيفر بوسون، إن الرجولة "دور مكتوب لكنه مضطرب ويتطلب مشقة لاكتسابه بينما تمكن خسارته بسهولة".
وعلى هذا، ترى بوسون، أن شعور الرجل بدنو خسارة هذا الدور (صفة الرجولة) "يدفع صاحبه للبحث عن طرق للحفاظ عليها وغالباً ما يكون العنف هو الطريق الأول لاستعادة الدور".
فمن الصعب سحب صفة المرأة من المرأة كما تقول الباحثة، لأن هذا لا يكون إلا في حالات نادرة كأن تكون عاقرا مثلا، بينما سحب صفة الرجولة من الرجل يتكرر كثيرا وربما يوميا ولأسباب لا حصر لها، كأن لا يقوم بأبسط الأفعال التي يرى المجتمع أن على الرجل القيام بها.
هشاشة الرجولةوهكذا، تصف بوسون الرجولة بأنها "صفة هشة ويسهل فقدها لأسباب مجتمعية تخلف لدى الرجل إحساسا بالمهانة"، وهذا ما دفع إليوت لكتابة نظرته للحياة والتي تقوم على أن المرأة "مخلوق أقل مكانة من الرجل".
ليس هذا فقط، فقد ذهب إليوت قبل تنفيذ جريمته للقول إن المرأة "حصلت على أكثر مما يجب أن تحصل عليه في المجتمعات الغربية بما في ذلك حقها في اختيار شريكها، وهو الحق الذي يجب أن ينهض به رجال عاقلون نيابة عنها".
ومن ثم خلصت دراسة إلى أن أخطر أنواع المجتمعات "هي التي تضع الرجل والمرأة في خانة العدوين، الرابح والخاسر، لا الشخصين اللذين يجب أن يتكاملا".
والسبب الرئيسي في هذه القولبة حسب الدراسة هو "إيمان هذه المجتمعات بأن الرجل أعلى مكانة من المرأة"، لأن هذا يجعل سعي الرجل لإخضاع المرأة بالقوة ردة فعل رئيسية على شعوره برفضها له.
فالرفض يولد لدى الرجل شعورا بالخزي وليس بالذنب، ومن ثم فإنه يُشعره بوجود نقص أو ملمح من ملامح العار في شخصيته وهي حالة لا يمكنه محوها غالبا إلا بعمل عنيف. وهذا ما فعله إليوت عندما لم يعد قادرا على تحمل الرفض المستمر من الفتيات فقرر التخلص منهن جميعا.
غير أن ورقة نشرت في عام 2024، وتناولت نحو 200 مراهق أمريكي، خلصت إلى أن السبب الرئيسي في تعاظم آلام الرفض على الرجل هو "ارتفاع سقف توقعات العائلة من الرجل، ومطالبته بتحقيق أمور ربما لا يكون قادرا على تحقيقها، وهو ما يجعله أكثر تحسسا لكل ما يجعله دون هذه التوقعات".
بل إن الدراسة خلصت إلى أن الرجال هم أكثر من يحاسب الرجال، وإن النساء هن أكثر من يحاسبن النساء، وإن شعور الرجل بالإهانة وفقدان الشرف بنظر رجال آخرين يدفعه لمحو هذه الإهانة وتعويض هذا الانتقاص بالعنف اللفظي أو الفعلي.
وهو أمر -ترى الدراسة- إنه يعود إلى طفولة الرجل لا إلى شبابه، لأن الشعور بالنقص والرفض ينمو مبكرا وليس متأخرا، وسيطرة الذكورية على مساحة معينة يعزز الجنوح نحو العنف ضد المرأة لمحو أي سلوك يعتبره الرجل إهانة له منها.
فكلاهما، الرجل والمرأة "يعيش دورا رسمه له المجتمع، الذي وضع للرجل حدودا لا بد أن يتحرك بداخلها وهو ما يحرك بداخله مشاعر الحزن والهشاشة التي لا يجد طريقاً لوقفها غير العنف للحفاظ على دوره".
وكأن كل الرجال لديهم شعور داخلي بأن كل ما ينتابهم بعد الرفض من مشاعر أمر طبيعي، وأن محاولة محوه بالعنف هي البديل الوحيد للإفصاح عن مشاعر يُعتبر الإفصاح عنها بالكلام سببا للتقليل من دوره كرجل.
إقرأ المزيد


