الجزيرة.نت - 7/5/2026 8:04:47 PM - GMT (+3 )
Published On 5/7/2026
ما الذي يدفع شبابا إسرائيليين يخدمون في وحدة قتالية إلى تعذيب رجل عبر ربطه بعمود؟ هل أساء إليهم بطريقة ما؟ إنه في مثل سنهم، في نهاية المطاف. هل فكروا في حياته أو أحلامه؟ في ماضيه وحاضره ومستقبله؟
هكذا بدأ الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي مقالا له في صحيفة هآرتس -اليوم الأحد- يتحدث فيه بمرارة عما يلاقيه الفلسطينيون من إذلال وتعذيب على أيدي الإسرائيليين.
وقال ليفي إن الرجل يستلقي بملابسه الداخلية، شبه عارٍ، على بطنه، عيناه معصوبتان بقطعة قماش، ووجهه مضغوط إلى سرير نقال وضعه عليه خاطفوه، ويداه موثقتان خلف ظهره بأربطة بلاستيكية محكمة تؤلمه، وجذعه مربوط إلى السرير بالحبال، وعلى إحدى ساقيه تظهر كدمتان حمراوان.
ويعلق بأن الصورة تبدو حتى هذه اللحظة مألوفة لفلسطيني محتجز، لكن هذه المرة يضاف إلى مشهد التنكيل عنصر غير مألوف: عمود خشبي ينتهي أحد طرفيه بقضيب حديدي لسبب غير معروف، وثُبّت بمحاذاة جسد الضحية، حتى بدا وكأنه رمح أفريقي، ويمكن التخمين أن الغرض منه منع الضحية من الانحناء، ولو للحظة واحدة.
ويمضي الكاتب ليقول إنه -للوهلة الأولى- ظن أنها صورة لعمل فني احتجاجي، أو ربما صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تجسد اليأس، وسط كل الفظائع التي تشهدها غزة، لكن الأمر لم يكن كذلك، فقد أعلن الجيش الإسرائيلي أنه "حدد موقع الحادثة"، وأنها "قيد التحقيق على مستوى القيادة"، وأن "التعامل مع المتورطين سيكون وفق نتائج التحقيق".
ويعلق على إعلان الجيش قائلا إنه لا داعي لإهدار الكلمات في توقع كيفية "التعامل" معهم؛ ففي أفضل الأحوال قد يُعلَّق عمل الجنود المعتدين لساعتين. وفي نهاية المطاف، هذه هي "الخدمة المهمة" في غزة التي طالما حلموا بها.
ويضيف ليفي أن صورا أشد فظاعة من هذه قد نُشرت، لكنها لم تبلغ هذا القدر من الرعب، "فلا دماء فيها، ولا أطراف مبتورة، ولا أجساد مهشمة، ولا عنف ظاهر؛ مجرد رجل مربوط إلى عمود. ولا نعرف حتى من يكون، إنه مشهد يجسد أقصى درجات التجريد من الإنسانية، وبث الرعب في آن واحد".
مع كل فلسطينيويوضح أن هذه الصورة نشرتها كتيبة إسرائيلية متطرفة، هي "كتيبة نيتسح يهودا"، لفلسطيني احتجزته رهينة في غزة وسارعت وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى وصفه بـ"الإرهابي"، كما تفعل مع كل فلسطيني في القطاع، من دون أن تعرف من يكون أو ماذا فعل، مضيفا "لكن هويته، وإذا ما كان قد ارتكب أي خطأ أصلا، لا علاقة له بالمسألة؛ فلا أحد يستحق هذه المعاملة المهينة".
إعلان
ويقول إنه لا يعرف كم بقي هذا الرجل ملقى على هذه الحال: "ساعة أم أياما؟ لكن السؤال الأهم هو: ماذا كان يدور في أذهان الجنود الذين كانوا هناك؟".
ويجيب بأنه من الواضح أنهم لا يشعرون بالخجل مما فعلوه، بل يفخرون به إلى حد التقاط الصور ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، وكأنهم يقولون: "انظروا إلينا… نحن أبطال الشعب".
ويقول ساخرا إنهم يدركون أنهم -في نظر كثيرين- أبطال إسرائيل في هذه الأيام، "فمن أين جاؤوا بذلك العمود؟ هل هو العمود نفسه الذي استخدمه أولئك المقاتلون من القوة 100 في معتقل سدي تيمان، أولئك الذين صوّرهم الصحفي غاي بيليغ، من القناة 12، على أنهم ضحايا فرية الدم"؟
حذّر ليفي مما ستحمله هذه الضحية في ذاكرتها حتى آخر العمر"كطرد بريدي من أمازون"
وتساءل: "كيف جرى الأمر؟ هل أحضر أحدهم العمود؟ وهل قام آخر بتغليف طرفه بالحديد؟ ثم اقترح ثالث: دعونا نربطه بالعمود، ستكون صورة رائعة للنشر على الإنترنت؟ وبعد ذلك نفذ الجميع الفكرة".
لقد أحكموا ربط ضحيتهم العاجزة، كما يُربط طرد بريدي من شركة أمازون، ثم أضافوا العمود باعتباره لمسة أخيرة، وربما أثار المشهد موجات من الضحك بينهم. وربما أرسلوا الصور عبر "فيس تايم" إلى صديقاتهم اللواتي سيعجبن بما يرونه، أو إلى آبائهم الذين سيفخرون بوطنيتهم وشجاعتهم.
وحذر ليفي مما ستحمله هذه الضحية في ذاكرتها حتى آخر العمر؛ "ستروي ما جرى لأبنائها وأحفادها يوما إذا نجت أصلا من معسكر التعذيب الذي اقتيدت إليه، مع عشرات الآلاف الآخرين، كثير منهم أبرياء، وجميعهم محتجزون من دون محاكمة؟".
قصة اليأس
وعاد ليقول إنه يحنّ إلى زمن آخر، موضحا أنه في 26 فبراير/شباط 1988 صوّر فريق من شبكة "سي بي إس نيوز"، بقيادة الصحفي الأسطوري بوب سيمون والمصور الإسرائيلي موشيه ألبرت، 4 جنود إسرائيليين، وهم يضربون شابين فلسطينيين بالحجارة ويكسرون ذراعيهما على تلة صخرية قرب نابلس، حيث التُقطت الصور من مسافة 300 متر، وأثارت ضجة دولية واسعة.
ولفت إلى أن تلك الضجة لم تقتصر على العالم، فقد شهدت إسرائيل نفسها موجة غضب واستنكار عارمة. وتساءل: "هل يمكن تصديق ذلك؟ لقد مرت قرابة 4 عقود، ولم يثر مقتل ألف طفل في غزة القدر نفسه من الغضب الذي أثارته يومها حادثة تحطيم العظام على تلك التلة القاحلة قرب نابلس".
ويختم بقوله: "أما صورة الرجل المقيد إلى عمود، فلم تُحدث في إسرائيل إلا أثراً يكاد لا يُذكر. وهذه، باختصار، هي قصة اليأس".
إقرأ المزيد


