الجزيرة.نت - 7/5/2026 9:09:55 PM - GMT (+3 )
صنعاء- للأسبوع الثاني على التوالي، تتواصل في منطقة مطارح الريان بمحافظة الجوف، شمالي شرقي اليمن، حشود قبلية واسعة قدمت من محافظات ومناطق يمنية عدة، استجابة لدعوة أطلقها الشيخ القبلي حمد بن راشد بن فدغم الحزمي إلى ما يُعرف بـ"النكف القبلي" (النفير العام)، في مشهد أعاد إلى الواجهة دور القبيلة اليمنية وقدرتها على الحشد والتعبئة في لحظات الأزمات والتحولات الكبرى.
وتوافدت إلى المطارح وفود تمثل قبائل من الجوف ومأرب وحضرموت وشبوة وصنعاء والبيضاء وإب وتعز ومحافظات أخرى، وسط استمرار وصول المشاركين، في واحدة من أوسع الاستجابات القبلية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، حسب مصادر محلية للجزيرة نت.
وبينما يؤكد منظمو الحشود أن الهدف يتمثل في نصرة الشيخ بن فدغم والدفاع عن الأعراف القبلية، يرى مراقبون أن اتساع نطاق المشاركة يطرح تساؤلات تتجاوز القضية المباشرة بشأن عودة القبيلة لاعبًا مؤثرًا في المشهد اليمني في ظل استمرار الحرب وتراجع مؤسسات الدولة.
من "ميرا" إلى "نكف الكرامة"تعود جذور هذه الحشود إلى قضية السيدة "ميرا"، التي ادعت في وقت سابق أنها ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، واتهمت قيادات في جماعة الحوثي بالاستيلاء على منزلها في صنعاء ونهب ممتلكاتها، قبل أن تلجأ إلى الشيخ حمد بن فدغم طالبة نصرته.
وبعد تبنيه قضية "ميرا" وقيادته وساطة قبلية لاستعادة منزلها بصنعاء، اعتقلت جماعة الحوثي الشيخ حمد بن فدغم مع "ربيعته" أو "لحيقته" ميرا، قبل أن تفرج عن الشيخ بن فدغم بعد نحو خمسين يوما من اعتقالهما، بينما بقيت "ميرا" قيد الاحتجاز، وفقا لمقربين من القضية وتقارير إعلامية.
وعقب الإفراج عنه، عاد بن فدغم إلى قبيلته ليعلن "نكف الكرامة" في 24 يونيو/حزيران الماضي، معتبرا القضية "قضية عرض وشرف قبلي"، وداعيا إلى الإفراج عن ميرا وإعادة ممتلكاتها.
إعلان
وسرعان ما لاقت الدعوة استجابة واسعة، إذ بدأت وفود قبلية من محافظات يمنية عدة بالتوافد إلى مطارح الريان، ولا تزال الحشود في تزايد.
يُعد "النكف القبلي" أحد أعرق الأعراف القبلية في اليمن، ويقوم على مبدأ النفير العام والتعبئة الجماعية لنصرة المظلوم أو مواجهة حدث استثنائي، عبر دعوة يطلقها شيخ قبلي أو مرجعية اجتماعية تستنفر القبائل المتحالفة أو المرتبطة بالأعراف القبلية.
ويقول باحثون في شؤون القبائل إن "النكف" لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمثل منظومة تضامن اجتماعي وقبلي متكاملة، تعكس مكانة الأعراف القبلية وقدرتها على حشد القبائل حول قضية واحدة، حتى في ظل الانقسامات السياسية التي تعيشها البلاد.
واستند الشيخ حمد بن فدغم في دعوته إلى أحد أبرز الرموز القبلية، حين أقدم على كسر "جفل الجنبية" (كسر الجزء العلوي من الخنجر اليمني) وإلقاء الشال أمام الحاضرين، وهي خطوة تُعد في العرف القبلي إعلانًا بالتعرض لظلم جسيم وطلبا رسميا للنصرة، بما يستنهض منظومة الأعراف والأحلاف القبلية، ويضع القبائل أمام التزام أخلاقي واجتماعي بالاستجابة للدعوة.
وتحظى "الجنبية" (الخنجر اليمني) بمكانة رمزية خاصة في المجتمع القبلي اليمني، إذ تمثل الشرف والوجاهة والاعتبار الاجتماعي، ويُعد كسر جزء منها إعلانًا بأن صاحبها يرى أن كرامته قد انتُهكت وأنه لا يجد ملاذًا سوى الاحتكام إلى القبيلة.
أما الشال، فيرمز إلى المكانة والوجاهة الاجتماعية، ويُعد إلقاؤه أمام الحاضرين إعلانًا صريحًا بطلب النصرة، ومن أعلى درجات الاستنفار في العرف القبلي اليمني.
حشودلعل أبرز ما ميّز حشود "مطارح الريان" اتساعها الجغرافي غير المألوف، إذ جمعت وفودا قبلية من محافظات يمنية عدة تحت مظلة قضية قبلية واحدة، في مشهد نادر منذ اندلاع الحرب في البلاد عام 2014.
ووصف الناشط الإعلامي اليمني أسامة الجاسر هذه الحشود بأنها من أوسع التجمعات القبلية التي شهدها اليمن خلال السنوات الأخيرة، مشيرا إلى أنها ضمت وفودا من أقصى شرق البلاد إلى غربها، ومعتبرا أن "ما فرّقته الانقسامات السياسية جمعته هذه المرة روابط القبيلة والحمية".
ويؤكد رئيس وفد قبائل "الحيمتين" في مطرح الكرامة بالريان، الشيخ نزيه بن ربيش العليي، في حديثه للجزيرة نت، أن الاستجابة لدعوة "النكف" جاءت انطلاقا من "واجب قبلي تمليه الأعراف والأسلاف المتوارثة"، مضيفا أن القضية "لم تعد تخص الشيخ حمد بن فدغم أو قبيلة دهم وحدها، بل أصبحت قضية جميع قبائل اليمن".
ويقول العليي إن حجم المشاركة "كان كبيرا وغير مسبوق"، مشيرا إلى أن وفودا قبلية قدمت من معظم المحافظات اليمنية، بما فيها مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين، مؤكدا أن القبائل "ما تزال مرابطة في مطارح الريان ولن تغادر قبل تحقيق مطالبها".
ماذا تريد القبائل؟
يرى بعض المشاركين أن الحشود لا تهدف إلى التضامن مع قضية الشيخ بن فدغم فحسب، بل إلى توجيه رسالة بأن القبيلة ما تزال قادرة على فرض حضورها والدفاع عن أعرافها، فيما يتحدث البعض منهم عن إمكانية أن تفضي هذه المطارح إلى إطار قبلي أوسع إذا استمرت الأزمة، وأن الحكم على مآلاتها يبقى مرهونا بالتطورات المقبلة.
إعلان
ويقول رئيس وفد قبائل "نِهم" إلى مطرح الكرامة في الريان، الشيخ زيد الشليف، إن الاستجابة الواسعة لدعوة "النكف" جاءت نتيجة "تراكمات من الانتهاكات التي تعرض لها أبناء القبائل اليمنية"، معتبرا أن الحشود رأت في هذه الدعوة فرصة لنصرة المظلومين ورد الاعتبار لهم.
وأضاف الشليف، في حديثه للجزيرة نت، أن المشاركة "غير مسبوقة"؛ إذ شملت قبائل من مختلف أنحاء اليمن، مشيرا إلى أن الرسالة التي تحملها الحشود هي أن "كلمة القبائل واحدة، ومطلبها استعادة كرامة اليمنيين"، مؤكدا أن المشاركين يتحدثون عن خطوات لاحقة إذا لم تُستجب مطالبهم.
من جهته، يرى رئيس وفد قبائل "الحيمتين"، الشيخ نزيه بن ربيش العليي، أن الحشود بعثت برسالة مفادها أن "القبيلة اليمنية قد تمرض لكنها لا تموت"، معتبرا أن الأعراف القبلية ما تزال قادرة على توحيد القبائل والدفاع عما تصفه بقضايا الكرامة والشرف.
يرى المحلل السياسي والخبير في شؤون القبيلة اليمنية سيف الحاضري أن الاستجابة الواسعة لدعوة "النكف" تعكس أن "الإرادة الشعبية ما تزال حاضرة، وأن المشكلة لم تكن في استعداد المجتمع، بل في غياب قيادة قادرة على تحويل هذه الطاقة إلى مشروع وطني منظم".
واعتبر الحاضري أن مطارح الريان تمثل "حدثًا وطنيًا استثنائيًا" يتجاوز كونه حشدا قبليا، وقد يحمل آثارا في المشهدين السياسي والعسكري إذا أُحسن التعامل معه.
وفي المقابل، ورغم غياب أي موقف رسمي معلن من السلطات اليمنية تجاه هذه الحشود، لم تُسجل حتى الآن إجراءات لعرقلة انعقاد المطارح أو منع توافد المشاركين إليها، في حين يرى مراقبون أن هذا التعاطي يعكس موقفا متحفظا ويترك مساحة للحراك القبلي، من دون تبنيه رسميا.
ولم يتسنَّ للجزيرة نت الحصول على تعليق من سلطات صنعاء بشأن ما يورده منظمو الحشود حول ملابسات القضية، كما لم يصدر عنها بيان رسمي يتناول هذه الاتهامات حتى وقت إعداد التقرير.
وبينما تتواصل الوفود القبلية في الوصول إلى مطارح الريان، يبقى السؤال مفتوحا: هل ستظل هذه الحشود محطة احتجاج قبلي مرتبطة بقضية محددة، أم أنها تؤسس لعودة القبيلة لاعبًا أكثر تأثيرًا في معادلة القوة اليمنية، بعد سنوات من هيمنة الفاعلين العسكريين والسياسيين على المشهد؟
إقرأ المزيد


