الجزيرة.نت - 7/8/2026 9:09:55 PM - GMT (+3 )
تعرضت 5 سفن على الأقل للاستهداف قرب مضيق هرمز منذ توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في 17 يونيو/حزيران الماضي، في مؤشر على أن التهدئة العسكرية لم تترجم إلى استقرار ملاحي كامل في أحد أهم ممرات الطاقة عالميا.
وأظهر تحليل بيانات ملاحية أجرته وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة، مدعوما بصور أقمار صناعية لوقائع مرتبطة بخليج عُمان، أن السفن المستهدفة شملت 4 ناقلات طاقة وسفينة شحن، بينما دفعت الهجمات سفنا أخرى إلى التراجع عن العبور أو إغلاق أجهزة التتبع الآلي أثناء المرور من المسار العُماني جنوبي المضيق.
وجاءت هذه الهجمات في سياق تصعيد بحري متدرج شهدته المنطقة منذ أواخر يونيو/حزيران الماضي، بعد سلسلة حوادث استهدفت سفنا تجارية قرب المضيق.
3 ناقلات في يوم واحدوبلغ التصعيد البحري ذروته أمس الثلاثاء مع استهداف 3 ناقلات في يوم واحد، هي ناقلة الغاز القطرية "الركيات" (Al Rekayyat)، والناقلة السعودية "وديان" (Wedyan)، والناقلة الليبيرية "سايبرس بروسبرتي" (Cyprus Prosperity)، وفق بيان القيادة المركزية الأمريكية.
إدانة قطريةوأدانت قطر استهداف "الركيات"، ووصفت الهجوم بأنه اعتداء على أمن وسلامة الملاحة البحرية الدولية وأمن إمدادات الطاقة العالمية، وانتهاك لقواعد حرية الملاحة والعبور الآمن في الممرات الدولية.
وتشير بيانات مارين ترافيك وكبلر إلى أن "الركيات"، التي تحمل رقم التسجيل البحري 9397339، ناقلة غاز مسال ترفع علم جزر مارشال، وترتبط ملكيتها وإدارتها التجارية بجهات قطرية، وتبلغ سعتها نحو 216 ألف متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال.
وتظهر مراجعة بيانات مارين ترافيك أن آخر إشارة معلنة للناقلة كانت قبل حوالي 18 يوما، في 18 يونيو/حزيران الماضي، قرب الساحل الغربي للهند، وكانت بياناتها تعرض سرعة 15 عقدة ووجهة معلنة إلى ميناء داهيج الهندي، وهو ما ترك فجوة في تتبع مسارها بين آخر ظهور معلن وواقعة الاستهداف قرب مدخل هرمز.
إعلان
وفي أحد بلاغات هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية عن هجمات الثلاثاء، قالت الهيئة إن ناقلة كانت تتحرك جنوبا أصيبت في جانبها الأيسر بمقذوف غير معروف، مما تسبب في اندلاع حريق على متنها، من دون تسجيل إصابات أو آثار بيئية، بينما لم تسم الهيئة السفينة أو الجهة المسؤولة عن الهجوم.
إدانة سعوديةوفي السياق نفسه، أدانت وزارة الخارجية السعودية بأشد العبارات قيام إيران باستهداف الناقلتين السعودية "وديان" والقطرية "الركيات" أثناء عبورهما مضيق هرمز، بحسب بيان نشرته وكالة الأنباء السعودية "واس".
وقالت الوزارة إن "استمرار إيران في شن هذه الاعتداءات يعد انتهاكا جسيما للقانون والأعراف الدولية"، مطالبة طهران "بالوقف الفوري لكل ما من شأنه تهديد أمن المنطقة وسلامة الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة".
وإلى جانب "الركيات" و"وديان"، قالت القيادة المركزية الأمريكية إن إيران استهدفت أيضا الناقلة "سايبرس بروسبرتي" (Cyprus Prosperity)، التي ترفع علم ليبيريا، أثناء عبورها مضيق هرمز.
وبعد هجمات الثلاثاء، لم يظهر أثر التصعيد في السفن المستهدفة فقط، بل في حركة السفن القريبة من المضيق. فقد أظهر تحليل البيانات الملاحية تراجع ناقلتي النفط "ليلا فادينار" (Lila Vadinar)، و"برستيج برايد" (Prestige Pride) عن عبور مضيق هرمز، اليوم الأربعاء، بعدما سلكتا المسار العُماني، قبل أن تعودا أدراجهما.
وبفحص سجل ملكية وإدارة الناقلتين، تبين أنهما مشغلتان من قبل شركتين في اليابان والإمارات، بينما أظهرت بيانات الوجهة أنهما كانتا متجهتين إلى عُمان والإمارات.
ورُصد أيضا تراجع 3 ناقلات غاز مسال في المحيط الهندي، هي "الغارية" (Al Ghariya)، و"الدحيل" (Duhail)، و"الرويس" (Al Ruwais).
وأظهر تحليل مسار الناقلات الثلاث أنها كانت تبحر متجهة نحو خليج عُمان، لكنها عدلت مسارها وتراجعت بعد هجمات الثلاثاء.
وبحسب بيانات "كبلر"، كانت الناقلات الثلاث التي تديرها شركة قطر للطاقة فارغة، ومتجهة نحو ميناء رأس لفان القطري للتحميل.
وتشير هذه التحركات إلى أن الاستهدافات لم تؤثر على السفن المصابة وحدها، بل غيّرت قرارات سفن أخرى كانت على وشك العبور أو التحميل، وهو ما يجعل أثر الهجمات أوسع من الضرر المباشر بالناقلات.
عبور خفيوعقب هجمات الثلاثاء، رصدت وحدة المصادر المفتوحة عمليات إغلاق جماعي لأجهزة التتبع لدى 8 سفن عبرت مضيق هرمز من المسار العُماني، ثم ظهرت إشاراتها مجددا في خليج عُمان بعد أن أطفأت نظام التعريف الآلي (AIS) أثناء العبور.
وشملت السفن التي عبرت متخفية 4 ناقلات نفط، وناقلة غاز مسال، و3 سفن نقل بضائع سائبة وشحن.
إعلان
وأظهر تتبع سجلات السفن العابرة أنها تدار من شركات مقرها إندونيسيا، والهند، وسنغافورة والإمارات.
وبحسب الرصد نفسه، لم تعبر أي سفينة من المسار العُماني بشكل معلن سوى سفينة شحن البضائع "إم إس في نافع" (MSV NAFEA) منذ صباح اليوم الأربعاء وحتى الساعة 12 ظهرا بتوقيت مكة المكرمة، بينما عبرت 9 سفن من المسار الإيراني، في واحد من أقل معدلات العبور منذ توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية.
ويعكس هذا السلوك تحولا مهما في طبيعة المخاطر، إذ لم يعد الخطر مقتصرا على الاستهداف المباشر، بل امتد إلى نمط العبور نفسه، بين سفن تتراجع قبل الوصول إلى المضيق، وأخرى تعبر من دون بث موقعها.
مؤشرات سبقت تصعيد يوليووفي 27 يونيو/حزيران الماضي، تعرضت ناقلة النفط "كيكو" (KIKU)، التي ترفع علم بنما وتديرها شركة مقرها اليابان، للاستهداف قرب مضيق هرمز، بعد مغادرتها ميناء الشاهين النفطي القطري.
وأظهرت بيانات كبلر أن "كيكو" كانت تحمل نحو مليونين و11 ألف برميل من النفط القطري، وكان من المقرر أن تفرغ حمولتها في ميناء الفجيرة الإماراتي.
ويكتسب استهداف "كيكو" أهمية خاصة لأنه لم يطل سفينة مرتبطة مباشرة بطرف عسكري في التصعيد، بل ناقلة تجارية آسيوية تحمل شحنة نفط خليجية، وهو ما وسّع نطاق المخاطر من مواجهة أمريكية إيرانية إلى تهديد مباشر لسلاسل الطاقة والشحن والتأمين.
وبعد استهداف "كيكو" في 27 يونيو/حزيران الماضي، رصدت الوحدة تحولا واضحا في سلوك السفن خلال الساعات التالية للهجوم، إذ خلا المسار العُماني من حركة السفن من ظهر ذلك اليوم وحتى صباح 28 يونيو/حزيران، بينما اتجهت السفن إلى العبور عبر المسار الإيراني جنوب جزيرة قشم.
وقبل ذلك بيومين، جاء أول اختبار أمني بارز للمسار العُماني مع استهداف سفينة الشحن "إيفر لافلي" (Ever Lovely)، إذ قالت القيادة المركزية الأمريكية إن إيران ضربت السفينة في 25 يونيو/حزيران الماضي بطائرة مسيّرة أحادية الاتجاه أثناء خروجها من مضيق هرمز بمحاذاة الساحل العُماني.
وأظهرت البيانات الملاحية أن السفينة واصلت حركتها بعد الحادث باتجاه المحيط الهندي، وفق آخر إشارة ملتقطة لها عبر مارين ترافيك، بينما لم تعلن إيران مسؤوليتها عن الهجوم.
ومثّل هذا الحادث بداية انتقال الخلاف حول المسار العُماني من مستوى التحذيرات والرسائل السياسية إلى مستوى الاستهداف الفعلي، خصوصا أنه جاء بعد تحذيرات إيرانية للسفن من استخدام مسارات لا تحددها طهران داخل المضيق.
حرب ناقلات بلا إغلاق كاملتكشف الوقائع المتتابعة منذ توقيع مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن أن مضيق هرمز لم يغادر دائرة التصعيد، بل تحول إلى مساحة ضغط واختبار بين واشنطن وطهران. فخلال أقل من أسبوعين، استُهدفت سفينة شحن و4 ناقلات على الأقل، بينها "الركيات" و"وديان" و"سايبرس بروسبرتي"، وتراجعت ناقلات أخرى عن العبور، وأغلقت سفن أجهزة التتبع أثناء المرور من المسار العُماني.
وتقول هذه المؤشرات إن التهدئة العسكرية لم تنتج بعد قواعد ملاحة مستقرة، فالمسار العُماني الذي استخدمته عشرات السفن أصبح موضع استهداف وتحذير، والمسار الإيراني عاد ليستقطب جزءا من الحركة تحت ضغط الخطر، بينما تقف شركات الشحن أمام معادلة صعبة، وهي إظهار المسار والمخاطرة بالتعرض للاستهداف، أو إخفاء الإشارة والمخاطرة بفقدان الشفافية والتأمين.
وبذلك، لا تبدو حوادث السفن الأخيرة مجرد وقائع بحرية متفرقة، بل مؤشرا على عودة "حرب الناقلات" بصيغة جديدة؛ حرب لا تُغلق المضيق بالكامل، لكنها تجعل كل عبور فيه قرارا عالي المخاطر.
إعلان
إقرأ المزيد


