إلغاء ترمب إعفاءات النفط الإيراني يهز أسواق طهران
الجزيرة.نت -

طهران – على وقع التصعيد العسكري المتزايد بين واشنطن وطهران عقب هجمات استهدفت ناقلات نفط في مضيق هرمز، سحبت وزارة الخزانة الأمريكية، الترخيص العام المؤقت الذي كانت قد منحته الشهر الماضي لرفع العقوبات النفطية عن إيران، ما يرسم علامة استفهام عن انعكاسات الخطوة على القطاع النفطي الإيراني في الفترة المقبلة، وعلى أسواق طهران اليوم.

وفي جولة ميدانية في أسواق طهران وشوارعها، رصد مراسل الجزيرة نت مزيجا من ملامح القلق والاستياء واللامبالاة لدى المواطنين الذين كانت شريحة كبيرة منهم تأمل أن يشكل الإعفاء النفطي نافذة أمل لتنفس الاقتصاد المنهك، في حين يعتقد طيف آخر منهم أن بلادهم اعتادت على العقوبات وأن "الطريق إلى الأمام لا يمر بواشنطن".

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list

وفي مشهد يعكس انقسام الشارع الطهراني بين من يراهن على المسارات الدبلوماسية وسياسة الانفتاح على العالم ومن يتمسك بخيار المقاومة ولغة القوة، كشفت مؤشرات الأسواق المالية غداة صدور القرار الأمريكي حجم الصدمة، إذ تراجع سعر الصرف من مليون و740 ألف ريال للدولار الواحد مساء يوم أمس الثلاثاء إلى مليون و810 آلاف ريال حتى عصر اليوم الأربعاء، مع توقعات باستمرار وتيرة تراجع قيمة العملة الوطنية.

سعر الصرف

في سوق الصرافة بشارع فردوسي وسط طهران، ينوه كامبيز (39 عاما ويعمل صرافا) بتسارع وتيرة ارتفاع سعر الدولار منذ صباح اليوم بشكل غير مسبوق، مضيفاً أن الانخفاض الذي شهده سعر الدولار بعد توقيع مذكرة التفاهم الأخيرة بين إيران وأمريكا كان وهمياً، إذ سرعان ما عاد السعر إلى ما كان عليه، وهذا يؤكد أن السوق لا يثق بهذه الاتفاقات المؤقتة.

وفي حديث للجزيرة نت، يوضح أنه رغم ارتفاع سعر الدولار إلا أن السوق دخلت حالة من الترقب والجمود النسبي، بسبب عطلة نهاية الأسبوع حيث يتريث الزبائن عادة في معاملات يوم السبت ليتضح مصير التوتر حتى ذلك الحين، لكنه سرعان ما يستدرك بأن تهديدات ترمب الأخيرة زادت من التكهنات باستمرار التوتر وتصاعد سعر الصرف، متوقعاً قمماً جديدة للدولار خلال الأيام والأسابيع المقبلة.

عودة التوتر أفضت إلى ارتفاع كبير سعر الدولار في سوق الصرف داخل إيران (الجزيرة)
سوق الأسهم

أما على صعيد بورصة طهران، شهدت المؤشرات تقلبات حادة تعكس حالة الترقب التي يعيشها المستثمرون، إذ جاء أداء السوق متأرجحاً بين الصعود والهبوط، فبعد أن كان المؤشر العام سجل ارتفاعاً تجاوز 120 ألف نقطة في جلسة الأمس، واجه السوق اليوم موجة عرض مكثفة أدت إلى انخفاضه بمقدار 24741 نقطة، ليستقر عند مستوى 5 ملايين و286 ألف نقطة، كما تراجع مؤشر الأسهم المتساوية الوزن 5419 نقطة ليصل إلى مليون و384 ألف نقطة.

إعلان

من جانبه، أوضح ياسر وهو ناشط في سوق الأسهم، أن "بورصة طهران بدأت جلسة اليوم بشكل متزن، بل وعادت إلى المنطقة الخضراء مؤقتاً مع تراجع حدة التوترات العسكرية خلال ساعات الصباح، لكن الأمور انقلبت رأساً على عقب مع إعلان ترمب إنهاء اتفاق الإطار مع إيران".

وحول توقعاته لجلسة السبت المقبل، تابع ياسر في حديثه للجزيرة نت، أن السوق تقف على مفترق طرق: فإذا هدأت التوترات وتراجعت واشنطن عن موقفها، فقد نشهد تعافياً وعودة إلى الاتجاه الإيجابي، أما إذا استمر التصعيد، فإن السبت سيكون يوماً دامياً مع موجات هبوط قاسية قد تتجاوز ما شاهدناه اليوم".

المربع السابق

في شارع "حافظ" شرقي العاصمة طهران، التقت الجزيرة نت المواطن الإيراني "هوشنك" (62 عاماً وهو موظف في وزارة التربية والتعليم)، والذي اعتبر قرار واشنطن إلغاء الإعفاء النفطي "عودة إلى مربع لا تفاهم" ورجح تجميد تحرير الأموال الإيرانية المجمدة إثره، بما سيبقي مذكرة التفاهم مجرد إطار هش لتسيير حركة الملاحة في مضيق هرمز مقابل استمرار تخفيف الحصار على إيران وخفض وتيرة الحرب في لبنان.

وفيما حذر هوشنك من أن استمرار المناوشات في المضيق والهجمات المتبادلة قد يؤدي في أي لحظة إلى انهيار هذا الإطار بالكامل، عبر عن أمله "لو كانت طهران قد تريثت قليلاً في الرد على السلوك الأمريكي بالمياه الخليجية ريثما تنتهي مراسم تشييع وتدفين جثمان المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، متهماً رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالمراهنة على انهيار الاتفاق بين طهران وواشنطن لإعادة توجيه سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نحو مزيد من التصعيد".

ومن أجل الوقوف على انعكاسات إلغاء الإعفاء النفطي على الأسعار، تحدثت الجزيرة نت مع عدد من المواطنين وأصحاب البقالة بطهران، فاتضح أن أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية وكذلك الفواكه والخضار لم تظهر عليها تداعيات فورية جراء القرار الأمريكي، في حين سجلت السلع المستوردة ارتفاعاً شبه فوري بما يتناسب وتغير سعر الصرف.

بورصة طهران ترتدي الحلة الحمراء جراء عودة القصف المتبادل بين طهران وواشنطن (الجزيرة)
السلع الأساسية

تقول "مه لقا" (36 عاماً) وهي ربة بيت وأم لطفل: حتى الآن، لم نشهد أي تغيير في أسعار الخضار والفواكه ولا المواد الأساسية، لأن الحكومة تسيطر على أسعار هذه السلع بشكل مباشر، لكن الجميع يعلم أن هذا الاستقرار مؤقت، وتضيف "مه لقا" في حديثها للجزيرة نت "المشكلة ليست في اليوم الأول، بل في الأسابيع المقبلة، فعندما يرتفع الدولار، لا بد أن يصل تأثيره إلينا، ولو بعد حين".

وفي زاوية أخرى من أحد الأسواق، يعرض الشاب برويز (26 عاماً وهو صاحب محل للمواد الغذائية) قراءة مختلفة، فيقول "المواد الغذائية والسلع الأساسية لا تزال بأسعار الأمس، لكن لا تنخدع بذلك، فالدعم الحكومي يخفي الصورة الحقيقية، والمشكلة أن بعض التجار سيرفعون الأسعار احتياطاً، حتى لو لم تتغير تكلفة السلعة"، مضيفاً -للجزيرة نت- أن "أي زيادة في سعر الدولار ستنعكس في النهاية على كل شيء، والسؤال المطروح بيننا كبائعين: متى سنضطر لرفع الأسعار، وليس هل سنضطر".

السلع المستوردة

أما في سوق السلع الكهربائية، فكان المشهد مختلفاً تماماً، إذ بدت آثار القرار فورية وحادة.

إعلان

يقول أحد التجار في سوق باستان للأجهزة الإلكترونية "منذ ساعات، ارتفعت أسعار الأجهزة المنزلية المستوردة مثل الثلاجات والغسالات وأجهزة التكييف بشكل شبه لحظي، لأنها تدخل بالدولار، فأي تحرك في سعر العملة ينعكس مباشرة على الفاتورة"، مستدركا "الزبائن اليوم يقارنون الأسعار بدهشة، وكثير منهم يترددون في الشراء، بينما يسارع آخرون لشراء ما يحتاجون قبل ارتفاع إضافي".

ويضيف صاحب المتجر "صحيح استوردنا هذه البضائع بأسعار صرف أقل، لكن الموزعين رفعوا الأسعار اليوم بناء على سعر الدولار الجديد، متذرعين بأن الكميات القادمة ستكلفهم أكثر"، مشيراً إلى أنه إذا باع بضاعته بالأسعار السابقة فإنه قد لا يتمكن من شراء سلع أخرى بسبب الارتفاع الجنوني المتوقع للدولار في حال عودة الحرب.

الموزعون رفعوا الأسعار اليوم بناء على سعر الدولار الجديد (الجزيرة)
القطاع النفطي

أما عن انعكاسات الخطوة على القطاع النفطي الإيراني، فقد اعتبر تحليل نشره موقع "اقتصاد أونلاين" المتخصص في الشأن الاقتصادي، أن إلغاء الإعفاء السابق أغلق عملياً نافذة تصدير النفط الإيرانية قصيرة المدى قبل أن تتمكن الشحنات العالقة من إيجاد مشتر لها، مشيراً إلى أن الترخيص الجديد يمنح مهلة 10 أيام فقط لتسوية المعاملات السابقة، بشرط أن تودع عوائدها في حسابات مجمدة داخل الولايات المتحدة، مما يحرم طهران من أي سيولة نقدية فورية.

ووفق التحليل نفسه، الذي لم يذكر اسم كاتبه، فإن "إيران لم تتمكن من استغلال حتى فترة الإعفاء القصيرة"، مستنداً إلى تقارير تشير إلى وجود ما بين 58 إلى 68 مليون برميل من النفط الإيراني "تائهة على متن سفن"، مع "نمو بنسبة 18% في الشحنات دون وجهة محددة خلال أسبوع واحد".

وخلص التحليل الاقتصادي إلى أن إيران، مع إغلاق مسارات البيع الرسمية، تواجه خيارين رئيسيين:

  • الأول هو العودة إلى السوق غير الرسمية والرمادية باستخدام "أسطول الناقلات الخفي (أسطول الظل)، وعمليات النقل من سفينة إلى أخرى، ومحاولات إخفاء منشأ الحمولات"، وهو ما يرفع تكاليف النقل والتأمين ويزيد مخاطر المصادرة.
  • الثاني هو زيادة الخصومات لجذب المشترين المجازفين"، وخاصة المصافي التي قد تقبل المخاطرة بشراء النفط الإيراني بأسعار تنافسية، لكن ذلك سيضع إيران في منافسة شرسة مع النفط الروسي والعراقي اللذين يقدمان أيضاً خصومات.

وحذر التحليل من أن "عدم تحقيق عائدات النفط المتوقعة في الميزانية، وانسداد مسارات تحويل الأموال الرسمية، سيزيد الضغط على سعر الصرف في السوق المحلية"، مع "تأثير مباشر على التوقعات التضخمية في المدى المتوسط".



إقرأ المزيد