الجزيرة.نت - 7/15/2026 1:54:49 AM - GMT (+3 )
طهران- جاء إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إعادة فرض الحصار البحري على إيران ليضيف بعدا اقتصاديا ولوجستيا إلى مواجهة عسكرية قائمة منذ نحو أسبوع في محيط مضيق هرمز، حيث تشهد سواحله ومياهه مناوشات وقصفا متبادلا بين إيران والولايات المتحدة، وسط اضطراب متزايد في حركة الملاحة وارتفاع المخاوف من اتساع رقعة الاشتباك.
ولم يعد التوتر في المضيق مقتصرا على التهديدات السياسية أو إجراءات الضغط الاقتصادي، بل أصبح جزءا من مواجهة ميدانية مفتوحة ترتبط فيها سلامة الموانئ والسفن ومسارات الطاقة بحسابات الحرب والتفاوض معا. ومن هنا، يطرح قرار إعادة الحصار سؤالا يتجاوز قدرة إيران على تأمين تجارتها البحرية، إلى الكيفية التي قد ترُد بها على محاولة خنق موانئها في وقت تستخدم فيه بالفعل موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية للضغط على الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج.
وكان ترمب قد طرح في البداية فرض رسوم تعادل 20% من قيمة الشحنات الداخلة إلى مضيق هرمز والخارجة منه، قبل أن يتراجع عن المقترح، من دون أن يشمل ذلك التراجع قرار الحصار البحري على إيران. وبذلك بقي جوهر التصعيد قائما: تشديد الضغط على الصادرات والواردات الإيرانية، مقابل مؤشرات على أن طهران قد تسعى إلى رفع كلفة هذا الضغط عبر إبقاء المضيق وسواحله ضمن دائرة المواجهة.
هرمز مقابل الموانئيرى الكاتب والمحلل السياسي رضا غبيشاوي أن إعادة الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الجنوبية الإيرانية ليست مجرد أداة ضغط اقتصادي، بل خطوة عدائية قد تكون آثارها مماثلة للحرب أو أشد منها في بعض الجوانب.
ويقول غبيشاوي، في حديث للجزيرة نت، إن الموانئ الجنوبية في الخليج وبحر عمان تمثل العمود الفقري للتجارة الخارجية الإيرانية، ولا سيما لاستيراد السلع الأساسية والمواد الخام والمعدات الصناعية.
وبحسب تقديره، فإن طهران ستعمل بالتوازي على تخفيف آثار الحصار عبر زيادة الاعتماد على المعابر البرية مع الدول المجاورة، واستخدام الموانئ الباكستانية ومسارات النقل عبر عُمان، إلا أن هذه البدائل لن تكون كافية لتعويض الموانئ الإيرانية الجنوبية.
إعلان
ويضيف أن إيران تنظر إلى الخطوة الأمريكية باعتبارها ضغطا اقتصاديا لتحقيق أهداف سياسية، لكنها في الوقت نفسه تعدها إجراء خصوميا يمكن أن يؤدي إلى زيادة مستوى التوتر والهجمات والاحتكاكات في الخليج.
ويرجح غبيشاوي أن يكون مضيق هرمز الساحة الأساسية للرد الإيراني، موضحا أن المعادلة التي قد تتبناها طهران تقوم على إبقاء حركة الملاحة في الخليج مقيدة مقابل استمرار إغلاق الموانئ الإيرانية ومحاصرتها.
ويقول إن إيران، بحسب تقديره، لن تكتفي بالأدوات الدبلوماسية أو الاحتجاجات السياسية، بل ستسعى إلى استخدام قدراتها العسكرية والبحرية لرفع تكلفة الحصار على الولايات المتحدة وحلفائها وعلى الاقتصاد العالمي.
ويختصر غبيشاوي السياسة المحتملة لطهران بالقول إن إيران قد تسعى إلى جعل دول المنطقة والاقتصاد العالمي شريكين في تكلفة استهداف تجارتها، بدلا من بقاء الضرر محصورا داخل الاقتصاد الإيراني.
وتنسجم هذه القراءة مع الموقف الذي سبق أن أعلنته الخارجية الإيرانية، ومفاده أن عودة الحركة البحرية الطبيعية في المضيق مرتبطة بوقف الحرب ورفع الحصار والعقوبات المفروضة على إيران.
بيد أن هذا السيناريو يحمل مخاطر توسع المواجهة. فمحاولة الولايات المتحدة اعتراض السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية، مقابل استخدام طهران أدواتها لمنع أو تقييد مرور سفن أخرى، قد تضع القوات البحرية للطرفين أمام احتكاك مباشر يصعب ضبط نتائجه.
نهاية التفاهمولا تقتصر انعكاسات الحصار على الجانب الميداني، إذ يرى غبيشاوي أن القرار الأمريكي وجّه ضربة حاسمة إلى مذكرة التفاهم التي توصل إليها الطرفان.
ويقول إن العودة إلى الحصار، إلى جانب إلغاء التسهيلات المرتبطة بصادرات النفط وفرض عقوبات جديدة واستئناف الهجمات الأمريكية، تعني أن طهران وواشنطن عادتا عمليا إلى النقطة التي سبقت التفاهم الأولي.
ويعتقد أن الحديث عن مفاوضات جديدة سيكون صعبا ما دامت البنود الأساسية التي التزم بها الطرفان قد تعرضت للنقض، محذرا من أن الوضع الجديد لا يهدد المسار التفاوضي فحسب، بل يرفع أيضا احتمالات اتساع الاشتباك الإيراني الأمريكي وتجدد الحرب الإسرائيلية على إيران.
ومع ذلك، يرجح غبيشاوي أن تحاول واشنطن إبقاء المواجهة ضمن حدود الحصار والضربات المحدودة، وتجنب الدخول في حرب شاملة، نظرا إلى الكلفة العسكرية والاقتصادية والسياسية التي قد تترتب عليها.
في هذا السياق، يُشار إلى أن كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية، صرح هذا المساء في مقابلة على التلفزيون الإيراني بأنه لم يعد هناك ما يُسمى مذكرة تفاهم إسلام آباد.
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي بيمان مولوي أن الحصار البحري الفعال يمثل، قبل كل شيء، صدمة اقتصادية ولوجستية، مع ضرورة التمييز بين مجرد التهديد، وزيادة القيود البحرية، وفرض حصار شامل، لأن النتائج تختلف بحسب مستوى التنفيذ.
ويقول مولوي للجزيرة نت إن أي قيود على الملاحة المرتبطة بإيران ستؤدي إلى ارتفاع كبير في تكاليف الاستيراد، حتى إذا استمرت السلع الأساسية في الوصول إلى البلاد.
إعلان
ويوضح أن الضرر لن يقتصر على منع السفن، بل سيشمل ارتفاع أقساط التأمين وأجور الشحن، وتكاليف الوسطاء وتغيير أعلام السفن ومساراتها، إلى جانب زيادة مدة الرحلات والتأخير في تسليم البضائع.
وفي النهاية، وفق مولوي، ستنتقل هذه التكاليف إلى المستهلك الإيراني من خلال ارتفاع أسعار السلع والمواد الأولية وتكاليف الإنتاج.
وتكتسب هذه المخاطر أهمية إضافية لأن النقل البحري يحمل نحو 80% من حجم التجارة الدولية في السلع، وترتفع النسبة في عدد من الدول النامية، بحسب مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية.
بدائل محدودة ومكلفةيقر مولوي بأن إيران اكتسبت، خلال سنوات العقوبات، خبرة واسعة في استخدام الشبكات الوسيطة والمعابر البرية والممرات الإقليمية للالتفاف على القيود.
لكنّ هذه الخبرة، في رأيه، لا تعني أن الطرق البرية أو السكك الحديدية قادرة على أن تحل محل الموانئ والنقل البحري.
ويقول إن جزءا من التجارة يمكن نقله عبر الدول المجاورة أو الموانئ الباكستانية والعمانية، لكنّ النقل البري أقل قدرة من حيث الحجم وأكثر كلفة، ولا يستطيع استيعاب الكميات الكبيرة التي تحتاج إليها التجارة الخارجية الإيرانية.
ويضيف أن حجم التجارة المنقولة بحرا لا يمكن تعويضه بالنقل عبر السكك الحديدية، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالسلع الأساسية والمواد الخام والشحنات الكبيرة.
ومن ثم، فإن المسارات البديلة قد تساعد إيران على منع توقف كامل للواردات، لكنها لن تمنع ارتفاع التكاليف أو حدوث اختناقات في سلاسل الإمداد.
الريال والتضخميشير مولوي إلى أن سوق الصرف لا تنتظر بالضرورة التطبيق الكامل للحصار، بل تتحرك استنادا إلى توقعات التجار والمستثمرين والمستهلكين.
فإذا اقتنع الفاعلون الاقتصاديون بأن التجارة الخارجية مهددة، فمن المرجح أن يرتفع الطلب على العملات الأجنبية، وتشتد التوقعات التضخمية، ويزداد الضغط على السوق الحرة للعملة.
ويضيف أن ارتفاع سعر الصرف سينتقل لاحقا إلى أسعار السلع المستوردة وتكاليف الإنتاج، بما يدفع التضخم إلى مستويات أعلى.
كما يمكن أن يدفع الخوف من انقطاع الإمدادات الشركات إلى زيادة مخزوناتها من المواد الأولية والبضائع، وهو ما يرفع الطلب والتكاليف في المدى القصير، ويعمق الضغوط على الأسعار.
ويحذر مولوي من أن استمرار الحصار في ظل الاختلالات النقدية والتضخمية القائمة قد يقود الاقتصاد نحو انعدام النمو، وربما يدفع التضخم إلى مستويات من 3 أرقام، لكنه يربط ذلك بمدى الحصار ومدته وقدرة السلطات على إدارة سوق الصرف والإمدادات.
الاستثمار أول الضحايالا يرى مولوي أن المشكلة الرئيسية تكمن فقط في الكميات التي قد تتوقف عند الموانئ، بل في مستوى عدم اليقين الذي يخلقه الحصار.
فعندما تصبح كلفة النقل ومدة وصول البضائع وتوفر المواد الأولية وإمكان تصدير المنتجات غير قابلة للتوقع، تتراجع الاستثمارات الجديدة وتتأجل المشاريع التوسعية، بينما تتحول الشركات إلى إدارة الأزمات بدلا من التخطيط للنمو.
ويقول إن الاقتصادات تستطيع التعايش مع مخاطر يمكن قياسها وإدارتها، لكنها لا تستثمر في ظل عدم يقين شديد ومتواصل.
وبحسب مولوي، ستظهر النتيجة النهائية للحصار في 4 مؤشرات مترابطة: ارتفاع سعر الصرف، وتسارع التضخم، وانخفاض الاستثمار، وتراجع النمو الاقتصادي.
ويخلص إلى أن قدرة إيران على إيجاد طرق قصيرة الأجل للالتفاف على الحصار لا تلغي الحاجة إلى معالجة مصدر الخطر السياسي، لأن تخفيض التوتر وتحسين الارتباط بالاقتصاد العالمي يتركان أثرا أكثر استدامة من شبكات النقل والوساطة البديلة.
في ضوء مداخلتَي غبيشاوي ومولوي، تبدو خيارات إيران موزعة بين مسارين متوازيين: الأول تخفيف الضرر الاقتصادي باستخدام الممرات البرية والموانئ المجاورة وشبكات الوساطة، والثاني رفع الكلفة الأمنية والاقتصادية للحصار عبر مضيق هرمز.
إعلان
غير أن نجاح المسار الأول يبقى محدودا بسبب الفارق الكبير بين طاقة النقل البحري وطاقة الطرق البرية والسكك الحديدية، في حين يحمل المسار الثاني خطر توسيع المواجهة وتحويل الحصار الاقتصادي إلى حرب بحرية مفتوحة.
وقد ظهرت حساسية الأسواق لهذه التطورات سريعا، إذ ارتفعت أسعار النفط بعد إعادة فرض الحصار وتصاعد الهجمات في منطقة المضيق، الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو خمس الإمدادات النفطية العالمية.
وعليه، فإن الرد الإيراني المحتمل لن يستهدف فقط ضمان استمرار دخول السلع إلى البلاد، بل سيحاول أيضا إقناع واشنطن بأن عزل الموانئ الإيرانية لا يمكن أن يبقى إجراء منخفض التكلفة، وأن أمن الملاحة والتجارة في الخليج سيظل مرتبطا، في الحسابات الإيرانية، بحرية وصول السفن إلى الموانئ الإيرانية نفسها.
إقرأ المزيد


