الجزيرة.نت - 7/30/2026 2:03:47 AM - GMT (+3 )
مع أول خيوط فجر يوم الأحد الماضي، أعلن الجيش السوداني استعادة عدد من المدن والمواقع المهمة بولاية شمال كردفان كانت في قبضة قوات الدعم السريع، وهي مدن: جبرة الشيخ، وبارا، وأم سيالة، وهي مدن ومناطق إستراتيجية للغاية، ويمثل استردادها مكسبا كبيرا للجيش السوداني، وخسارة فادحة للدعم السريع.
وكان لهذا الحدث وقعه الكبير في نفوس السودانيين، تمثل في خروجهم إلى الشوارع -خاصة في ولاية شمال كردفان- وهم يهتفون بهتافات تساند وتدعم الجيش؛ تعبيرا عن فرحتهم بما اعتبروه نصرا مؤزرا جاء بعد معاناة طويلة قضوها وهم تحت سيطرة وعسف قوات الدعم السريع، وانتهاكاتها بحقهم، وتنفس سكان مدينة الأبيض الصعداء بعد أسابيع تحت حصار الدعم السريع، والمخاوف من تكرار تجربة الفاشر.
حفل خطاب حميدتي بعدد من الإشارات الخطيرة التي رصدها المحللون السياسيون والمختصون بالشأن العسكري والإستراتيجي، وقد شاب خطابه عدد من الملاحظات لعل أبرزها نبرة الغضب والحنق التي حاول إخفاءها عبثا
وجاء هذا التقدم الكبير للجيش السوداني والقوات المتحالفة معه بعد قتال عنيف مع الدعم السريع، سبقته معارك بأسابيع على محور إقليم النيل الأزرق الواقع جنوب شرقي السودان، كبد فيها الجيش السوداني قوات الدعم السريع خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد العسكري.
وفي أعقاب هذا النصر الكبير الذي أحرزه الجيش السوداني والقوات المساندة له، وفي مساء الاثنين الماضي بُث خطاب عبر السوشيال ميديا لقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي".
وقد حفل خطاب حميدتي بعدد من الإشارات الخطيرة التي رصدها المحللون السياسيون والمختصون بالشأن العسكري والإستراتيجي، وقد شاب خطاب حميدتي عدد من الملاحظات لعل أبرزها نبرة الغضب والحنق التي حاول إخفاءها عبثا ولم يفلح، كذلك فقد سمى خطابه بـ"الرسالة"، وهو مسمى لا يستخدم في العرف العسكري من قبل قائد عسكري لقواته وهي في وضع القتال في الميدان، وقال لهم "ما قصرتوا" بمعنى أنكم أديتم واجبكم العسكري.
إعلان
وهو ما يناقض الواقع على الأرض، حيث منيت هذه القوات بهزيمة نكراء، وفرّ من تبقى منها نجاةً بأنفسهم مخلفين وراءهم أسلحتهم وأطنانا من العتاد العسكري المتقدم يتضمن صواريخ وطائرات مسيرة وأنظمة دفاع جوي وعربات قتالية مصفحة مع أنظمة اتصالات حديثة، وكميات كبيرة من الأسلحة الثقيلة والخفيفة، والكثير من صناديق الذخيرة. كذلك من مفارقات خطابه مطالبته قواته بتغيير ما سمّاه "اللعبة"، بينما العسكريون يستخدمون لفظ الخطة.
وغني عن القول أن القادة العسكريين لا يعطون الأوامر والتعليمات الخاصة بالمعارك عبر أثير السوشيال ميديا، ولا يلقون عليهم عبء التخطيط للمواجهات بهذه الطريقة الغريبة التي تشي بوضوح أن هذه القوات لا علاقة لها بالنظم والقواعد والتراتبية العسكرية، وأن قائدها حميدتي لا يفقه كثيرا في هذا المجال، وربما كان هذا هو السبب فيما لحق بقواته من هزائم ظلت تترى عليهم تباعا منذ إخراجهم من ولاية الجزيرة، وبعدها من العاصمة الخرطوم.
ترك حميدتي لقادة قواته الميدانيين بأن يقوموا بتصفية من يشكون في ولائهم ومن يظنون أنهم يتخابرون مع الجيش السوداني والقوات المساندة له، مما يفتح الباب على مصراعيه لتصفية الحسابات بين الفئات المكونة للدعم السريع
وفيما يلي أبرز الإشارات الخطيرة التي حفل بها خطاب حميدتي ووردت في عبارات تبدو عفوية، لكنها انطوت على دلالات خطيرة:
"من اليوم فكينا الرسن"
وهي عبارة تعني رفع القيود وإطلاق العنان، وهو أمر لقواته بأن يقوموا بالهجوم ويجتاحوا المدن، ويطلقوا المسيرات بلا قيود ودون رجوع للقيادات أو التزام بأي قواعد وضوابط عسكرية أو أخلاقية. إنه "صك على بياض" للقتل والنهب والسلب والاغتصاب والحرق والاسترقاق والإبادة الجماعية، والتصفية الجسدية للأسرى والمعتقلين وتدمير الأعيان المدنية والمرافق الخدمية.
"غيروا الطريق الماشين فيه دا"
ويعني أن الخطط المتبعة السابقة هي التي أوردتهم مورد الهلاك، مما يعني أنها لم تكن بالمستوى المطلوب، وبالتالي فإن المقصود هو التصعيد للحدود القصوى، كما أنه إشارة تحمل في ثناياها تحريضا على الانتقام.
"من اليوم نوم ما في.. نكون أو لا نكون"
وهو توصيف واضح لحال قواته بأنها قد دخلت مرحلة حرجة، وأنها انتقلت من طور الهجوم لكسب أراض ومواقع جديدة لتقوية وضعها العسكري والإستراتيجي إلى طور "الدفاع الوجودي"، وهي نقلة كبرى تعني في جوهرها الهزيمة، فالحرب الوجودية يكون فيها الخطر أو المهدد قاب قوسين أو أدنى، وأنه أصبح وشيكا وفي نطاق "المسافة صفر"، بحيث يصبح احتمال الوجود مساويا للعدم.
"نضفوا الطابور الخامس"
وهي الدلالة الأكثر بؤسا في هذه الإشارات والأكثر خطورة، حيث ترك حميدتي لقادة قواته الميدانيين بأن يقوموا بتصفية من يشكون في
ولائهم ومن يظنون أنهم يتخابرون مع الجيش السوداني والقوات المساندة له، مما يفتح الباب على مصراعيه لتصفية الحسابات بين الفئات المكونة للدعم السريع وتركيبتها القبلية التي تتسم بالتعقيد الشديد.
وهي وصفة لوقوع مزيد من الشرخ والتصدع الداخلي وسط هذه القوات، خاصة أن كثيرا من العناصر داخل الدعم السريع أصبح لديها قناعة بعدم جدوى القتال، وتعيش هذه القوات منذ فترة حالة من التوهان واعترت مجموعاتها القتالية حمى الانسلاخ من صفوف الدعم السريع، والانضمام والتسليم للجيش السوداني، طواعية وبكامل عتادها العسكري.
إعلان
وقد بدأت موجة الانشقاقات منذ أكتوبر/تشرين الأول 2024 بانسلاخ القائد الميداني أبو عاقلة كيكل، ومعه قواته والذي كان له دور كبير بعد ذلك في تحرير العديد من المدن والمناطق، ومنها بارا وجبرة الشيخ، ولا يزال في الميدان.
وجاء انشقاق القائد الميداني اللواء النور القبة في أبريل/نيسان الماضي، وانضمامه للجيش السوداني ضربة قوية لقوات الدعم السريع هزت أركانها، ثم تبعه القائد الميداني "السافنا"، ولم يتوقف تدفق سيل المنشقين عن الدعم السريع حتى الأسبوع الماضي، حيث استسلم 280 عنصرا من هذه القوات بعتادهم للجيش.
القادة العسكريون لا يعطون الأوامر والتعليمات الخاصة بالمعارك عبر أثير السوشيال ميديا، ولا يلقون عليهم عبء التخطيط للمواجهات بهذه الطريقة الغريبة التي تشي بوضوح أن هذه القوات لا علاقة لها بالنظم والقواعد والتراتبية العسكرية، وأن قائدها حميدتي لا يفقه كثيرا في هذا المجال
"اللعبة ستتغير وسأكون معكم في الخطوط الأمامية"
وهو وعد لا يستطيع حميدتي الوفاء به أبدا، وهو من قبيل رفع الروح المعنوية، ويدل على إدراكه فداحة الهزيمة التي تلقتها قواته وخسارته ترسانة أسلحة متطورة ومقاتلين لا يمكن تعويضهم، بعد أن نفدت وجفت الروافد التي كانت تمده، حيث التهمتهم الحرب وقضت عليهم إما بالقتل وإما بالإعاقة والعاهات المستديمة، ومعظمهم من الشباب صغار السن، وفيهم أطفال يافعون تم تجنيدهم قسرا وعلى عجل والزج بهم في أتون الحرب.
وبخصوص تغيير اللعبة فكل المؤشرات في الوقت الراهن لا تشير إلى إمكانية إحداث تغيير داخلي إيجابي. ويبقى السؤال ملحا يا ترى ماذا يعني بتغيير اللعبة؟ هل يعني أن الجهات الداعمة له ولقواته قد تعهدت بتصعيد أكبر وأشمل؟ أم ماذا؟
عموما ليست هذه هي المرة الأولى التي يلوح بها حميدتي بالتصعيد، فهو وعيد مكرر لم يستطع تحقيقه على مر سنوات تمرده على الدولة السودانية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


