الجزيرة.نت - 8/5/2026 7:55:59 AM - GMT (+3 )
مأرب- أمام مسكنه المتواضع المشيّد من ألواح الصفيح والأحجار والطين، على أطراف مخيم السويداء غربي مأرب، جلس الخمسيني أبو عاصم محمد الفقيه يقلب بين يديه بضعة آلاف من الريالات اليمنية، أرسلها إليه نجله المجند في الجيش، مقتطعة من أول راتب يتقاضاه، ويبلغ ألف ريال سعودي (266 دولارا) شهريا.
قبل سنوات، نزح أبو عاصم مع أسرته من محافظة الحُديدة تاركا منزله ومصدر رزقه، ليستقر في مأرب مثل ملايين اليمنيين الذين دفعتهم الحرب إلى النزوح.
واليوم، وبينما يخفف الراتب الجديد شيئا من أعباء الديون وتكاليف المعيشة، يجد الرجل نفسه يتابع باهتمام التصعيد العسكري المتسارع، متطلعا إلى أن تكون هذه التطورات بداية طريق ينهي حربا طال أمدها، ويعيد النازحين إلى ديارهم.
ويقول للجزيرة نت "هذه أول مرة أشعر فيها بأن هناك أملا حقيقيا.. إذا انتهت الحرب سنعود إلى أرضنا، وهذا كل ما نريده".
مفارقة
لكن المفارقة أن مأرب، رغم التصعيد السياسي والعسكري الذي تشهده البلاد، لا تبدو أنها تستعد للحرب، فلا موجات نزوح جديدة، ولا تخزينا واسعا للمواد الغذائية، ولا مظاهر هلع جماعي. وكأنّ سكانها اعتادوا العيش على وقع احتمالاتها أكثر من وقوعها.
وبعيدا عن البيانات العسكرية والتصريحات السياسية، تبدو الحرب بالنسبة لآلاف النازحين في مخيمات مأرب حدثا لم يغادر حياتهم أصلا؛ فخيام ممزقة، ومساكن من الصفيح والطين، وخدمات شحيحة، تجعل معركتهم اليومية تبدأ من البحث عن مقومات العيش قبل التفكير في أي تصعيد جديد.
وتستضيف مأرب اليوم أكثر من 2.2 مليون نازح، بينهم أكثر من 558 ألفا داخل 214 مخيما وتجمعا للنزوح، وفق الجهاز المركزي للإحصاء والمركز الوطني للمعلومات، بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا).
في مخيم السويداء، لا يقاس الزمن بالسنوات، بل بعدد الشتاءات التي تسرب بردها إلى داخل الخيام، وعدد مواسم الأمطار التي جرفت مساكن النازحين الهشة، وعدد الأيام التي يقضيها السكان في مواجهة الحر والجوع ونقص الخدمات.
إعلان
يقول النازح صالح علي عبد الله داود، أحد قاطني المخيم، إن أسرته تعيش فيه منذ نحو 5 سنوات، مضيفا للجزيرة نت أن أكبر معاناتهم تتمثل في المأوى الهش الذي لا يحميهم من الحر والبرد.
وأوضح "نعيش هنا في ظلمات ثلاث: ظلمة النزوح، والغربة، وتغييب الحقوق". وتابع "نعيش في خيام وكناتر من الصفيح لا تصلح للسكن الآدمي. في الليل نعاني من البرد، وفي النهار من الحر، ومع كل موسم أمطار نخشى أن تغمر المياه مساكننا من جديد".
ويشير داود إلى أن المساعدات الغذائية تصل إلى بعض العائلات، لكنها لا تشمل الجميع بصورة منتظمة. أما عن التصعيد العسكري، فيقول "الناس تعرف ما يجري، لكن همّنا الأول يبقى كيف نعيش ونوفر احتياجات أسرنا".
انفراج مؤقت
كان للتطورات الأخيرة وجه آخر داخل أسواق مأرب، حيث أحدث صرف أول راتب لمنتسبي المناطق العسكرية الثالثة والسادسة والسابعة، بواقع ألف ريال سعودي (266 دولارا) شهريا، انتعاشا محدودا في الأسواق.
يقول الحاج مراد، وهو تاجر جملة في مأرب، إن الحركة التجارية تحسنت خلال الأيام الأخيرة، وأضاف للجزيرة نت "شهدنا حركة شراء لم نرها منذ أشهر، لكن الناس يركزون على المواد الأساسية، وكثير منهم يستغل الراتب لسداد ديونه القديمة أكثر من شراء سلع جديدة".
ورغم هذا التحسن، لا يرى التجار أنه يعكس تعافيا اقتصاديا حقيقيا، بقدر ما يمثل انفراجا مؤقتا في القوة الشرائية.
أما الموظف الحكومي مسعد عكيزان، فيعتقد أن التحركات الحكومية الأخيرة تعكس استعدادا لمرحلة مختلفة، لكنه يرى أن أغلب الأسر اليمنية لا تملك القدرة على الاستعداد لأي طارئ. وقال للجزيرة نت إن "الدخل بالكاد يغطي الاحتياجات الأساسية، لذلك لا يملك الناس ترف التخزين أو تجهيز أنفسهم لأي تطورات".
وأضاف أن كثيرا من المواطنين، خصوصا النازحين، يشعرون بالقلق من تكرار تجربة النزوح، حتى وإن لم تظهر مظاهر هلع واضحة في المدينة.
ورغم التصعيد الأخير، يؤكد مدير الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين بمحافظة مأرب سيف مثنى أن فرق الرصد لم تسجل حتى الآن أي موجات نزوح جماعية أو نزوح عكسي، وأفاد للجزيرة نت بأن الوحدة تعمل وفق خطط طوارئ بالتنسيق مع السلطات المحلية والشركاء الإنسانيين.
في المقابل، يحذر مثنى من أن الاحتياجات الإنسانية لا تزال مرتفعة، وفي مقدمتها المأوى، والأمن الغذائي، ومياه الشرب، والخدمات الصحية والتعليمية، لافتا إلى أن تراجع التمويل الإنساني يزيد من هشاشة أوضاع آلاف الأسر النازحة.
ويتفق معه الناشط الحقوقي أمين الخديري، الذي أكد للجزيرة نت أن مأرب لم تشهد نزوحا عكسيا رغم التصعيد، بل لا تزال تستقبل نازحين من مناطق أخرى، مضيفا أن الحرب بالنسبة للمحافظة "لم تتوقف أصلا"، في ظل استمرار القصف المتقطع ومعاناة المخيمات من نقص الاحتياجات الأساسية.
محطاتوفيما يلي أبرز محطات التصعيد العسكري في اليمن:
- أكتوبر/تشرين الأول 2022: جماعة الحوثي توقف بالقوة صادرات النفط اليمنية عبر استهداف موانئ التصدير، ما أدى إلى تجميد أهم مورد مالي للحكومة.
- نوفمبر/تشرين الثاني 2023: بدء الهجمات الحوثية على الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن، وربطها بالحرب في قطاع غزة، لتدخل الأزمة اليمنية مرحلة إقليمية جديدة.
- يناير/كانون الثاني 2024: تصاعد المواجهة البحرية مع الولايات المتحدة وبريطانيا، وصدور قرار مجلس الأمن 2722 المطالب بوقف الهجمات على السفن التجارية.
- 20 يوليو/تموز 2026: الحوثيون يعلنون فرض حظر على الملاحة البحرية المرتبطة بالسعودية، مهددين باستهداف السفن المخالفة.
- 22-21 يوليو/تموز 2026: رصد استدارة ناقلات نفط وسفن تجارية عن البحر الأحمر، وسط تحذيرات أممية وتصريحات أمريكية وسعودية تنذر باتساع التصعيد.
- مجلس القيادة الرئاسي اليمني يعلن استئناف تصدير النفط وتخصيص عائداته لصرف الرواتب وتحسين الخدمات، مع رفع الجاهزية العسكرية وإرسال تعزيزات إلى جبهات مأرب والجوف.
- ميدانيا: بدء صرف أول راتب لمنتسبي عدد من المناطق العسكرية بواقع 1000 ريال سعودي للجندي، في خطوة تهدف إلى تعزيز جاهزية القوات المسلحة وتحسين أوضاع منتسبيها.
إعلان
إقرأ المزيد


