الجزيرة.نت - 8/8/2026 9:11:07 AM - GMT (+3 )
حين يتحول شعار "الدولة الاجتماعية" إلى وهم: كيف جعلت الدولة التونسية من جيوب المرضى حلا سهلا لترقيع عجزها المالي عبر زيادات صادمة في الأدوية؟
تخيل شابة تونسية مصابة بمرض مزمن، تذهب إلى الصيدلية لتصطدم بأسعار أدوية باهظة تفوق قدراتها المالية، وبسبب التعديلات القانونية الأخيرة (قانون الشيكات) التي قيدت الدفع بالتقسيط، تجد نفسها مضطرة لاستدانة ثمن العلاج من أقاربها.
وحين تلجأ إلى الصندوق الوطني للتأمين على المرض "الكنام" لاسترجاع ما دفعته، تدخل في دوامة من الإجراءات المعقدة وتنتظر أشهرا طويلة دون نتيجة.
تقع الكارثة عندما يحين موعد اقتناء الدواء للأشهر الثلاثة الموالية قبل أن تسترجع أموالها، فتضطر للاقتراض من جديد. هكذا، وبكل بساطة وقسوة، يتحول حقها الطبيعي في العلاج إلى كابوس ودوامة من الديون العائلية التي تكبر ككرة الثلج.
لا يمكن قراءة قرار "الصيدلية المركزية" (المحتكر القانوني لتوريد الأدوية في تونس) بمراجعة أسعار مئات الأدوية في أواخر يوليو/تموز من هذا العام، كإجراء إداري معزول أو مجرد تحيين محاسبي؛ بل يجب مقاربته كمحصلة حتمية لتراكم الاختلالات الهيكلية في المالية العمومية، وكمؤشر خطير على تصدع منظومة الأمن الصحي في تونس
هذه القصة ليست حالة معزولة، بل هي انعكاس مباشر للواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه اليوم مئات الآلاف من التونسيين من مختلف الفئات العمرية، وخاصة أصحاب الأمراض المزمنة.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن قراءة قرار "الصيدلية المركزية" (المحتكر القانوني لتوريد الأدوية في تونس) بمراجعة أسعار مئات الأدوية في أواخر يوليو/تموز من هذا العام، كإجراء إداري معزول أو مجرد تحيين محاسبي؛ بل يجب مقاربته كمحصلة حتمية لتراكم الاختلالات الهيكلية في المالية العمومية، وكمؤشر خطير على تصدع منظومة الأمن الصحي في تونس.
ترحيل الأزمة لجيوب المرضىبموجب المنشور عدد 30 الصادر في 24 يوليو/تموز 2026، أقرت الصيدلية المركزية مراجعة سعرية شملت مئات الأدوية المستوردة والموجهة حصرا للأمراض المزمنة.
إعلان
تكشف القراءة الفاحصة لهذا القرار عن تحول هيكلي عميق يمتد بجذوره إلى التداعيات المباشرة للقانون الأساسي للبنك المركزي لسنة 2016.
منذ إقرار هذا القانون وانتهاج سياسة الصرف المرنة، خضع الدينار التونسي لانزلاق متواصل أمام العملات الأجنبية، مما أدى آليا إلى تضخم كلفة التوريد وتعميق العجز المالي الهيكلي للصيدلية المركزية.
ولفهم حجم هذه الصدمة المحاسبية، يكفي أن نتتبع مسار الانزلاق للدينار التونسي منذ المصادقة على استقلالية البنك المركزي.
ففي أوائل سنة 2016، كان اقتناء أدوية بقيمة 1158 دولارا يكلف الصيدلية المركزية حوالي 2200 دينار (نحو 752 دولارا).
أما اليوم، وفي عام 2026، أصبحت نفس الكمية وبنفس السعر من المصدر تكلف الخزينة العامة ما يفوق 3400 دينار (نحو 1160 دولارا)، نظرا لتجاوز اليورو عتبة 3.4 دينار. وهذا يعني بلغة الأرقام أن الدينار التونسي فقد أكثر من 50% من قيمته الشرائية في الأسواق العالمية.
هذا الفارق الشاسع في "كلفة الصرف"، والذي ظلت الصيدلية المركزية تمتصه لسنوات وتغطيه من ميزانيتها الخاصة، قررت السلطات اليوم التخلص منه دفعة واحدة، وتمريره كاملا وبشكل قسري إلى جيب المريض التونسي الذي بات يدفع ثمن تهاوي عملته المحلية من صحته.
وأمام هذا الاختناق، اختارت السلطة الانسحاب التدريجي من دورها الحمائي والتخلي الصريح عن "الدعم الضمني" الموجه لقطاع الصحة.
فمن خلال استهداف علاجات حيوية كأدوية القصور القلبي والسكري والأمراض العصبية، تم عمليا ترحيل فاتورة انهيار قيمة العملة الوطنية مباشرة إلى جيوب المرضى.
الفارق الشاسع في "كلفة الصرف"، والذي ظلت الصيدلية المركزية تمتصه لسنوات وتغطيه من ميزانيتها الخاصة، قررت السلطات اليوم التخلص منه دفعة واحدة، وتمريره كاملا وبشكل قسري إلى جيب المريض التونسي الذي بات يدفع ثمن تهاوي عملته المحلية من صحته
وتكتسي هذه الزيادات خطورة مضاعفة بالنظر إلى الخارطة الوبائية في تونس؛ فنحن لا نتحدث عن أدوية لأمراض نادرة، بل عن علاجات تستهدف أكثر الأمراض فتكا في المجتمع التونسي.
فعلى مستوى الأمراض الأيضية، تشير تقارير الفدرالية الدولية للسكري (FID) لسنة 2024 إلى أن نسبة الانتشار في تونس تبلغ 16% (نحو 1.4 مليون بالغ).
وفيما يتعلق بأمراض القلب، تفيد إحصائيات الجمعية التونسية لأمراض القلب بأن القصور القلبي المزمن يصيب 10% من الشريحة التي تتجاوز 65 سنة. كما تؤكد الجمعية التونسية لمكافحة الزهايمر أن حوالي 12% من المسنين مصابون بالخرف.
إن تخلي الدولة عن دعم هذه الأصناف يعني عمليا رفع الغطاء المالي عن الملايين، وترك الطبقة المتوسطة والضعيفة -وأساسا المتقاعدين- في مواجهة مفتوحة مع كلفة التوريد وجشع السلسلة التجارية.
فالمريض اليوم لا يتحمل كلفة انزلاق الدينار فحسب، بل يجبر على دفع فاتورة هوامش التوزيع بأكملها، إذ تكشف الأرقام عن فجوة سعرية بين سعر الجملة للصيدلية المركزية وسعر البيع للعموم تضيف في المتوسط نحو 47% كعائدات للوسطاء، لتتجاوز في بعض الأدوية الحيوية (مثل دواء "Entresto 100 mg" الذي لامس سعره 280 دينارا ‘نحو 96 دولارا’) أكثر من 84 دينارا (نحو 29 دولارا) للعلبة كفارق ربحي بحت.
فاتورة البقاء ومقصلة "الضريبة الصحية"لا يمكن للمقاربة الاقتصادية السليمة أن تحلل تأثير هذه الأسعار بمعزل عن تدهور القدرة الشرائية للمواطن التونسي.
إعلان
فبالرغم من المنحى التنازلي للمعدلات الشهرية للتضخم المالي (من 10.3% في مايو/أيار 2023 إلى 5.1% في يوليو/تموز 2026)، إلا أن هذا التراجع لا يعكس تحسنا حقيقيا في مستوى العيش، بل يشير فقط إلى تباطؤ وتيرة الغلاء بعد أن بلغت الأسعار مستويات قياسية.
فمنذ عام 2022، أصبح التضخم التراكمي أعلى بمعدل 8% سنويا، متركزا في النفقات التي لا يمكن تأجيلها: الغذاء، السكن، النقل، والصحة.
هنا، يتحول التضخم من مجرد رقم اقتصادي إلى ضغط اجتماعي دائم يفرض على الأسر إعادة ترتيب أولوياتها نحو "مجرد البقاء".
وللبقاء على قيد الحياة، لا تمتلك الأسر رفاهية الاستغناء عن أدوية الأمراض المزمنة، ليصبح رفع أسعارها بمثابة "ضريبة صحية" قسرية تفرض على ميزانيات منهكة أصلا.
وتتجلى خطورة هذه الزيادات حين نضعها في سياق المؤشرات الصحية الدولية.
للبقاء على قيد الحياة، لا تمتلك الأسر رفاهية الاستغناء عن أدوية الأمراض المزمنة، ليصبح رفع أسعارها بمثابة "ضريبة صحية" قسرية تفرض على ميزانيات منهكة أصلا
فوفقا للمعايير المعتمدة من قبل منظمة الصحة العالمية، يعتبر النظام الصحي عادلا وناجعا إذا لم تتجاوز مساهمة المريض المباشرة من ماله الخاص نسبة 20% من إجمالي الإنفاق الصحي، لتجنب ما يعرف بـ "النفقات الصحية الكارثية" التي تفقر العائلات.
إلا أن الوضع في تونس يطلق جرس إنذار حقيقي، حيث تشير البيانات الهيكلية لمرصد الأمراض الجديدة والمستجدة والدراسات الصحية الوطنية إلى أن المواطن التونسي بات يتحمل ما يقارب 40% من إجمالي نفقات علاجه من جيبه الخاص، وهي نسبة تمثل ضعف السقف التحذيري العالمي.
ومع المراجعة السعرية الأخيرة للأدوية، من المتوقع أن تقفز هذه النسبة إلى مستويات قياسية جديدة، مما يعني تحولا مرعبا نحو خصخصة خفية للصحة، حيث يصبح العلاج امتيازا لمن يملك القدرة على الدفع، وليس حقا يكفله الدستور.
تأثير "الدومينو المالي" ووهم التكفل الشامللا تمثل أزمة الصيدلية المركزية اليوم حالة معزولة، بل هي التجلي الأبرز لأزمة "الديون المتقاطعة" بين هياكل الدولة، والتي تخلق تأثير "دومينو مالي" يأكل الأخضر واليابس.
فالصيدلية المركزية (بصفتها المحتكر القانوني للتوريد) ليست مؤسسة خاسرة تجاريا بطبيعتها، بل ضحية أزمة سيولة خانقة.
تبدأ الدائرة المفرغة من الصناديق الاجتماعية (الضمان الاجتماعي والتقاعد) التي تعاني عجزا هيكليا مزمنا يمنعها من تحويل مستحقات الصندوق الوطني للتأمين على المرض، ليعجز هذا الأخير بدوره أمام شح السيولة عن سداد ديونه المتراكمة للمستشفيات العمومية والصيدلية المركزية.
وتشير البيانات الرسمية المفصلة لنهاية سنة 2025 (والمرفقة بقانون مالية 2026)، إلى أن مستحقات الصيدلية المركزية لدى الهياكل العمومية تتجاوز 1200 مليون دينار (نحو 700 مليون دينار للمستشفيات، و400 مليون دينار للصندوق الوطني للتأمين على المرض).
وفي نهاية هذه السلسلة الكارثية، تجد الصيدلية نفسها مجبرة على التخلف عن السداد، لتتراكم ديونها تجاه المخابر ومزودي الأدوية الأجانب متجاوزة 700 مليون دينار مع بداية العام الجاري.
في مواجهة هذه الأرقام، قد يطرح نظام التكفل (APCI) الذي يديره الصندوق الوطني للتأمين على المرض كدرع يحمي المريض.
لا تمثل أزمة الصيدلية المركزية اليوم حالة معزولة، بل هي التجلي الأبرز لأزمة "الديون المتقاطعة" بين هياكل الدولة، والتي تخلق تأثير "دومينو مالي" يأكل الأخضر واليابس
لكن هذا الطرح يخفي وهما كبيرا لا يحمي المواطن كليا من صدمة الزيادات، إذ يعتمد النظام على آلية "التعريفة المرجعية" التي لا تُحيَّن بنفس سرعة ارتفاع أسعار الأدوية في الصيدليات، مما يوسع الفجوة بين السعر الفعلي للدواء وقيمة التعويض. ليجد المريض نفسه مجبرا على دفع الفارق المتزايد من ماله.
إعلان
هكذا، يتم نقل عبء عجز المنظومة بصمت تام من دفاتر المحاسبة الحكومية إلى الميزانية اليومية للمواطن.
الصناعة المحلية ومأزق العملة الصعبةتكتمل صورة التشخيص بالنظر إلى قطاع الصناعة الدوائية المحلية، فرغم أن تونس تمتلك نسيجا صناعيا يغطي أكثر من نصف الاحتياجات الوطنية من حيث الكميات، إلا أن هذا القطاع يعيش أزمة صامتة.
فالمصانع المحلية تضطر لاستيراد المواد الأولية الفعالة بالعملة الصعبة، وتواجه تكاليف إنتاج متصاعدة (طاقة، أجور، لوجستيك)، وفي المقابل، تفرض الدولة سياسة تسعير جبرية صارمة عليها.
هذه المفارقة -تحرير أسعار بعض الأدوية الموردة مقابل تجميد أسعار الأدوية المحلية- تدفع العديد من المخابر لإيقاف تصنيع أدوية حيوية تكبدها خسائر.
فيختفي الدواء المحلي الرخيص، وتضطر الدولة لتوريد بديله الأجنبي بأضعاف الثمن بالعملة الصعبة، مما يعمق العجز التجاري ويزيد من الضغوطات على المدخرات من العملة الأجنبية.
هذا المأزق يقودنا إلى السياق النقدي الأشمل: أزمة السيولة بالعملة الأجنبية. فمع استمرار الضغوط لسداد الديون السيادية (على غرار خلاص قرض الـ "أوروبوند" بقيمة 700 مليون يورو مؤخرا ‘نحو 810 ملايين دولار’)، تجد الحكومة نفسها أمام حتمية وقف نزيف ما تبقى من الرصيد الأجنبي.
وبناء عليه، يبدو أن خيار الترفيع في أسعار الأدوية لم يكن مجرد استجابة لارتفاع الكلفة، بل هو "أداة مبطنة" للحد من نسق التوريد وترشيد الاستهلاك للحفاظ على ميزان المدفوعات.
يختفي الدواء المحلي الرخيص، وتضطر الدولة لتوريد بديله الأجنبي بأضعاف الثمن بالعملة الصعبة، مما يعمق العجز التجاري ويزيد من الضغوطات على المدخرات من العملة الأجنبية
خطورة هذه المقاربة النقدية البحتة أنها تنذر بأزمة فقدان تام للأدوية، منتقلين بخطى متسارعة، وبفعل فاعل اقتصادي، من أزمة "غلاء دواء" إلى كارثة "انعدام الدواء".
ومن المفهوم والمطلوب سياديا ترشيد استيراد السلع الكمالية، لكن استخدام سلاح "الأسعار" و"الحد من التوريد" في قطاع الأدوية يعكس خللا فادحا في ترتيب الأولويات؛ فالدواء مقوم من مقومات الأمن القومي، ولا ينبغي بأي حال إجبار المريض التونسي على "ترشيد" علاجه ليدفع ضريبة سداد الديون الخارجية أو فشل السياسات المتعاقبة.
نحو سياسة وطنية للأمن الدوائييضعنا المشهد الراهن أمام منظومة متهالكة تتطلب إصلاحا جذريا وشاملا، بعيدا عن الحلول الترقيعية وسياسة الهروب إلى الأمام المتمثلة في تمرير كلفة الأزمة من ميزانية الدولة إلى جيب المواطن.
المطلوب اليوم إقرار خطة طوارئ اقتصادية لتصفية الديون المتقاطعة عبر آليات تمويل مبتكرة أو تسويات محاسبية سيادية.
كما يتوجب إطلاق إستراتيجية لدعم الصناعة الدوائية المحلية بامتيازات ضريبية وتسعيرية تحفز الإنتاج، إلى جانب التحيين الدوري والعادل للتعريفات المرجعية لمنظومة التأمين الصحي بما يحمي المقدرة الشرائية للمريض.
باختصار، تونس بحاجة عاجلة إلى "سياسة وطنية للأمن الدوائي" تحصن الصحة العامة من تقلبات التوازنات المالية العابرة، وتضع حق المواطن في العلاج فوق أي اعتبار محاسباتي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


