الضوء الأخضر الأسطواني.. القصة الكاملة للجسم الغامض الذي أربك سماء تونس
الجزيرة.نت -

تحول جسم غامض ظهر في سماء تونس في الثامن من أغسطس/آب الجاري إلى حديث مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما أثار الشكل الغريب لهذا الجسم حيرة بين المتابعين، لا سيما أن السلطات الرسمية لم تتدخل ببيان حاسم يزيل تلك الحيرة.

ويتخذ الجسم المرصود شكلا أسطوانيا ضخما، وينبعث منه ضوء أخضر خافت منتظم، وهو شكل بدا غير مألوف، وكان التفسير المبدئي أنه "حطام فضائي يعود إلى الغلاف الجوي".

واستند هذا الرأي إلى حادثة ليست ببعيدة، حيث رُصد أيضا في سماء تونس قبل 4 أشهر، وتحديدا يوم 20 أبريل/نيسان، جسم ساطع يعبر سماء سوسة في تونس، وذهبت التحليلات الأولية إلى أنه انفجار نيزكي، قبل أن تحلل الجمعية الأمريكية للأرصاد النيزكية هذا الحدث، وتخلص إلى أنه حطام فضائي عائد إلى الغلاف الجوي.

واستندت الجمعية وقتها في تحليلها إلى أن الجسم الذي ظهر الساعة 07:34 مساء (بالتوقيت المحلي) متحركا من الجنوب الشرقي باتجاه الشمال الغربي، كان بطيئا نسبيا، ويضاهي سرعة طائرة أو أسرع قليلا، وظل مرئيا لمدة دقيقة تقريبا، وهي مدة طويلة بشكل غير معتاد بالنسبة لانفجار نيزكي.

وخلال مسار هذا الجسم تفكك إلى عدة شظايا ساطعة، جميعها متوهجة بشدة كما لو كانت تحترق في الغلاف الجوي، ولم يُسمع أي صوت أو انفجار في أثناء التفتت أو بعده، ولم تُلاحظ ألوان مميزة، وبدا الضوء أبيض ساطعا في الغالب.

وبناء على سرعته البطيئة، ومدة بقائه الطويلة، ونمط تفتته، انتهت الجمعية الأمريكية للأرصاد النيزكية إلى أنه يكون حطاما فضائيا يعود إلى الغلاف الجوي، وليس انفجارا نيزكيا.

استدعاء لم يدم طويلا

واستدعى البعض هذا التفسير للحدث القديم، مرجحين أنه قد يكون صالحا لتفسير حادث الجسم الجديد الذي ظهر في الثامن من أغسطس/آب الجاري، غير أن ذلك لم يدم طويلا، إذ سرعان ما تمت المقارنة بين الحدثين لتستبعد هذه المقارنة سيناريو الحطام الفضائي، استنادا إلى أن الجسم المرصود بدا متصلا وحافظ على مظهر هندسي منتظم طوال فترة الرصد، بينما الحطام الفضائي يدخل الغلاف الجوي بسرعة هائلة، ويسخن بشدة، ثم يبدأ الجسم في التفكك والتوهج والانقسام إلى شظايا.

إعلان

كما أن الحدث الجديد تم رصده في مناطق واسعة من تونس، بينما الجسم الذي ظهر في أبريل/نيسان، لم يتم رصده إلا في مدينة سوسة، واستمر قرابة 45 ثانية فقط.

وبناء على هذه المقارنة، تم ترجيح أن يكون الجسم أحد أقمار "ستارلينك"، وحصل هذا التفسير على دعم من الجمعية التونسية للفلك، التي أوضحت في بيان لها أن النمط المعروف لإطلاق الأقمار الاصطناعية التابعة لشركة "سبيس إكس" والمخصصة للاتصالات، يتشابه مع ما تم رصده في سماء تونس.

وأوضحت الجمعية أنه لدى إطلاق تلك الأقمار الاصطناعية تكون هذه الأقمار متجمعة في سرب أو في مجموعات من الأسراب لفترة زمنية محددة، قبل أن يجري توزيعها على ارتفاعات مختلفة وفقا للمدارات المبرمجة، لتتفرق لاحقا في الفضاء، وهو ما يتوافق مع الصور المرصودة في تونس، والتي أظهرت أن الجسم المرصود ليس جسما متماسكا، بل يتكون من عشرات النقاط المضيئة التي تتحرك في سرب وبسرعة كبيرة، بما يتطابق مع خصائص دفعة من الأقمار الاصطناعية التي تم إطلاقها حديثا.

جدل حول سيناريو أقمار "ستارلينك"

وفي حين حظي سيناريو أقمار "ستارلينك" بتأييد البعض رفضه آخرون، ومنهم الدكتور شكري يعيش، الأستاذ في العلوم الجيولوجية بجامعة صفاقس، الذي قدم تحليلا علميا وميدانيا وقراءة مختلفة للحدث، تستند إلى بيانات مدارية مفتوحة، من بينها قاعدة بيانات "سيلس تراك" (CelesTrak)، و"ساب جي بي" (SupGP) المدارية، إلى جانب مقارنة الخصائص البصرية والهندسية للجسم المرصود بالخصائص المعروفة لأقمار "ستارلينك" في أثناء مرورها في السماء.

وتشير البيانات المتعلقة ببرنامج "ستارلينك" إلى أن شركة "سبيس إكس" أطلقت بالفعل دفعة من 24 قمرا صناعيا في الثامن من أغسطس/آب 2026، من قاعدة فاندنبرغ في ولاية كاليفورنيا الأمريكية.

وحسب التحليل الذي قدمه شكري على صفحته بموقع فيسبوك، وقع الإطلاق عند الساعة 16:35 بالتوقيت العالمي، أي 17:35 بتوقيت تونس، بينما ظهر الجسم الذي أثار الجدل نحو الساعة 20:30 بالتوقيت المحلي، أو 19:30 بالتوقيت العالمي، أي بعد نحو 3 ساعات من الإطلاق.

ويشير التحليل إلى أن الأقمار التابعة للدفعة الجديدة، كانت في مراحلها الأولى، وفق الحسابات المدارية، فوق مناطق من المحيط الهادي والنصف الغربي من الكرة الأرضية، بما لا يتوافق مع وجودها ضمن مجال الرؤية من تونس في توقيت رصد الظاهرة.

كما أن التسجيلات والشهادات المتداولة من مناطق تونسية مختلفة، ومنها الحمامات وقمرت وعين دراهم وصفاقس وجربة، تصف جسما يبدو متصلا أو ذا بنية ضوئية موحدة، مع ميل لونه إلى الأخضر، وهو ما قد يختلف بصريا عن الصورة التقليدية لسلسلة من النقاط الضوئية المنفصلة.

وبناء على ما سبق، يرى شكري أن تفسير الظاهرة باعتبارها مجرد "قطار من أقمار ستارلينك" يحتاج إلى أدلة أكثر قوة ومطابقة مباشرة للبيانات المدارية، ويضعها في نطاق الظواهر غير محددة الهوية.

لماذا لا تكون طائرة مسيرة؟

ويتفق الدكتور أشرف شاكر، رئيس قسم الفلك بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية بمصر، مع ما ذهب إليه شكري من أنها ظاهرة غير محددة الهوية.

وقال للجزيرة نت إن مثل هذه الظواهر من المفترض ألا يقع عبء تفسيرها على علماء الفلك والفضاء، مشيرا إلى أنها تحتاج إلى تفسير من الجهات الأمنية المهتمة بمراقبة السماء كأجهزة الدفاع الجوي والمطارات.

إعلان

وأضاف أن مثل هذه الظواهر معتادة وسبق أن تم رصدها في محافظات مصرية، ورجح أن يكون مصدرها ألعاب نارية أو مسيرات.

وغالبا تتجنب تلك الجهات إصدار بيانات رسمية تفسر تلك الظواهر، لتبقى كل الاحتمالات مفتوحة، ويظل الوصف الدقيق للظاهرة ما أشار إليه شكري من أنها "ظاهرة غير محددة الهوية".



إقرأ المزيد