الجزيرة.نت - 8/20/2026 11:13:48 AM - GMT (+3 )
تتعالى أصوات عشرات الأطفال وهم يرتلون آيات من القرآن الكريم في حلقة تتوسط ساحة خلوة "الفكي الأمين" بمنطقة الجزيرة إسلانج، شمال مدينة أم درمان. يجلس الصغار في صفوف متقابلة، يحمل كل منهم لوحه الخشبي، بينما يتابع الشيخ تلاوتهم، مصححا مخارج الحروف وآيات الحفظ، في مشهد إيماني مهيب يتكرر مع إشراقة كل صباح.
من بين هؤلاء الطلاب يجلس أحمد عبد الرحمن، الذي قدم من ولاية شمال كردفان ليلتحق بالخلوة أملا في إكمال حفظ القرآن الكريم. يبدأ أحمد يومه قبل شروق الشمس، متنقلا بين حلقات الحفظ والمراجعة؛ يكتب ما يُملى عليه على لوحه الخشبي، ثم يردده مرات متتالية، حتى يطمئن الشيخ إلى إتقانه.
في هذه الخلوة، كما في كثير من الخلاوى السودانية، لا يزال اللوح الخشبي والكتابة بالحبر التقليدي والمشافهة تشكل أساس العملية التعليمية والتربوية.
على مقربة من حلقة التلاوة، يجلس الطيب محمد الطيب، أحد خريجي خلوة الفكي الأمين وإمام المسجد، وقد أتم حفظ القرآن الكريم بروايتي حفص عن عاصم والدوري عن أبي عمرو، وبين يديه لوح خشبي و"دواية". يشرح الطيب للجزيرة أن هذه الأدوات ليست مجرد وسائل تقليدية للكتابة، بل تمثل جزءا أصيلا من منهج تعليمي توارثته الخلاوى عبر الأجيال.
ويوضح أن "الدواية" هي الوعاء الذي يُحفظ فيه الحبر المستخدم في الكتابة على اللوح، وهي ترتبط ارتباطا وثيقا بطريقة التحفيظ؛ إذ يكتب الطالب الآيات بيده، ثم يكرر قراءتها وحفظها، قبل أن يقوم بغسل اللوح لتهيئته لكتابة درس جديد.
هذه الدورة اليومية من التدوين والمحو، يرى الطيب أنها تساعد على ترسيخ الحفظ، وتنمي ملكات التركيز والانضباط العميق، وتجعل الطالب أكثر ارتباطا جسديا وروحيا بما يكتبه ويقرؤه، وهو ما ينعكس جليا على إتقان الحفظ والمراجعة.
ويضيف الطيب في حديثه أن اليوم الدراسي في الخلوة يبدأ منذ الساعات الأولى من الصباح؛ حيث يجتمع الطلاب بعد صلاة الفجر فيما يُعرف محليا بـ"وقت الدغش" للحفظ، ثم تتواصل الحلقات في فترة "الضحوية" التي تبدأ بعد شروق الشمس.
إعلان
ومع حلول المساء، يلتف الطلاب حول شيخهم لعرض ما حفظوه خلال اليوم، فيستمع إلى تلاوتهم، ويصحح الأخطاء، ويدون ملاحظاته على الألواح الخشبية، قبل أن ينتقل كل طالب إلى درس جديد في اليوم التالي.
ويؤكد الطيب أن الكتابة على اللوح تمثل ركنا أساسيا؛ فالجمع بين الكتابة والتكرار والمشافهة يمنح الطالب قدرة أكبر على استرجاع الآيات. ويشير إلى أن دور الخلاوى لا يقتصر على التعليم، بل يمتد إلى بناء شخصية الطالب، وغرس قيم الانضباط والصبر والاعتماد على النفس. الأجواء الإيمانية التي تسود الخلوة تمنح الطلاب والزائرين شعورا بالطمأنينة، ما يجعل كثيرين يحرصون على ارتيادها حتى بعد إكمال حفظهم.
وتُعد خلوة "الشيخ الفكي الأمين ود أم حقين"، التي أُسست قبل نحو 150 عاما، واحدة من أعرق الخلاوى في السودان. وعلى مدى عقود، استقبلت طلابا من مختلف الولايات، لتخرج أجيالا من حفظة القرآن والعلماء والدعاة، محافظة على منهجها القائم على التلقي المباشر.
ورغم تمسك الخلوة بهذا الإرث، فإن تجربة تعليم القرآن في "الجزيرة إسلانج" شهدت تطورا طبيعيا مع ظهور معاهد ومراكز اعتمدت وسائل حديثة، في محاولة للجمع بين المحافظة على جوهر الإرث التعليمي ومواكبة ظروف العصر.
في "مركز إسلانج للدعوة"، يقول معلم القرآن محمد الفاتح النور أحمد، إن طرق التعليم شهدت تطورا ينظم عملية الحفظ والمراجعة، لكنْ دون التخلي عن "مبدأ الكتابة" الذي يمثل قلب العملية التعليمية.
ويوضح النور للجزيرة نت أن القاسم المشترك بين المركز والخلاوى التقليدية هو اعتماد "الكتابة" كوسيلة لترسيخ الحفظ، غير أن الاختلاف يكمن في الأداة. ففي حين يعتمد طلاب الخلاوى على اللوح الخشبي، يستخدم طلاب المركز ما يُعرف بـ "مصحف الشرافة"؛ وهو كُرّاس تعليمي مقسم وفق أجزاء القرآن، يتضمن أسماء السور وترقيم الآيات، ليقوم الطالب بنقل الآيات إليه كتابةً بخط يده، ثم يراجعها مع المعلم.
ولا تقتصر عملية الحفظ على الجلوس؛ إذ تُخصص فترة تُعرف بـ "حلقة المراجعة"، يسير خلالها الطلاب في مسار دائري داخل الساحة، يردد كل منهم ما حفظه بصوت مسموع، لتعويد الطالب على التلاوة دون تردد.
من جهته، يؤكد مدير مركز إسلانج للدعوة، محمد الفاتح عبد الوهاب، أن إنشاء المركز لم يكن بديلا عن الخلاوى التقليدية أو انتقاصا من دورها التاريخي، وإنما جاء لتوسيع دائرة المستفيدين، والوصول إلى شرائح قد لا تتمكن من الالتحاق بنظام الخلوة الداخلي، مثل طلاب الجامعات والمدارس وربات المنازل.
ويشير عبد الوهاب إلى أن المركز، الذي نفذ منذ تأسيسه 76 دورة استفاد منها أكثر من 7600 طالب وطالبة، يقدم مشروعا تربويا يراعي ظروف هذه الفئات، بما يتيح لهم حفظ القرآن دون الانقطاع عن مساراتهم الحياتية الأخرى.
ومع انقضاء يوم طويل من الحفظ والمراجعة، تخفت أصوات التلاوة شيئا فشيئا، لكنّ السكينة التي تبثها أجواء الخلوة تظل حاضرة ومستقرة في نفوس طلابها. وبين الألواح الخشبية العتيقة التي لا تزال تنبض برائحة الحبر، ووسائل التعليم التي تتطور بهدوء، تواصل خلاوى ومراكز السودان أداء رسالتها الهادئة؛ حارسة لإرث معرفي يصوغ وجدان الأجيال، عصيا على المحو والنسيان.
إعلان
إقرأ المزيد


