أعجوبة التصميم.. عنكبوت صغير بقدرات هندسية استثنائية يثير فضول الباحثين
الجزيرة.نت -

ليس من السهل الإمساك بنمل الشجر الأخضر "أويكوفيللا سماراغدينا"، المعروف بشراسته الشديدة وسلوكه العدواني. فهذه المفصليات تمتلك عضة قوية، كما تستطيع رش الأحماض الدفاعية. ولذلك ليس من المستغرب أن قلة من المفترسات تجرؤ على اصطيادها، لكن العلماء اكتشفوا مؤخرا عنكبوتا شجاعا بما يكفي للقيام بذلك.

هذا النوع المكتشف حديثا في الغابات المطيرة الاستوائية شمال ولاية كوينزلاند الأسترالية، يتخصص حصريا في اصطياد هذا النوع من النمل. ويحقق ذلك عبر نسج مصيدة ذكية وقوية تعمل بآلية نابضية تخزن الطاقة ثم تطلقها لتقذف النمل مباشرة إلى داخل شباكه بسرعات هائلة.

ويعد هذا النظام من المصائد سابقة لم تُسجل من قبل لدى العناكب. وقد أُعلن عن اكتشاف هذا النوع غير الموصوف علميا بعد، والذي يُرجح أن يكون نوعا جديدا ومثيرا، في دراسة حديثة نُشرت مؤخرا في مجلة "كارنت بيولوجي" (Current Biology)، وقدمت وصفا تفصيليا لإستراتيجية الافتراس والخصائص الميكانيكية لهذه المصيدة.

أما العنكبوت نفسه، الذي لم يحصل بعد على اسم علمي رسمي، فإنه ينتمي إلى جنس "بروبوستيرا"، وأطلق عليه الباحثون اسم "عنكبوت الباليستا"، نسبة إلى آلة القذف الضخمة التي استخدمها الجنود الرومان لإطلاق المقذوفات الثقيلة أثناء حصار المدن.

هندسة فخ استثنائي

شوهد هذا العنكبوت الليلي الصغير لأول مرة على يد الباحث في العلوم الطبية الحيوية، البروفيسور غريغ أندرسون، من معهد "كيو آي إم آر بيرغهوفر" للأبحاث الطبية في مدينة بريزبن الأسترالية، والذي يعمل أيضا مصورا للحياة البرية. ففي عام 2022، وخلال عمله الميداني في الغابات المطيرة بشبه جزيرة كيب يورك الأسترالية، صادف الباحث المتخصص في تصنيف العناكب مشهدا جعله يحدق مرتين للتأكد مما رآه، إذ بدا وكأن عنكبوتا ينصب فخا لنملة شجر خضراء.

خلال النهار، يحتمي العنكبوت الصغير ذو الألوان الترابية، والذي لا يزيد حجمه على حجم قطعة نقدية صغيرة، على السطح السفلي للأوراق النباتية فوق منطقة ينشط فيها نمل الشجر الأخضر في البحث عن الغذاء. ومع حلول الظلام، يهبط من شبكته ببطء بواسطة خيط حريري، لمسافة تقارب 50 سنتيمترا، حتى يعثر على بنية مناسبة – قد تكون ورقة نبات أو غصنا أو حتى أرض الغابة – يثبت عليها نقطة ارتكاز سفلية.

إعلان

بعد ذلك يعود إلى الشبكة الرئيسية، تاركا خلفه ما يمكن وصفه بـ"خيط الشد"، ثم يكرر العملية – التي قد تستغرق ما يصل إلى 4 ساعات كاملة من البداية حتى النهاية – بدقة مذهلة لبناء شبكة مروحية الشكل من خيوط الشد الحريرية. ويؤدي ذلك تدريجيا إلى تكوين بنية مخروطية طويلة ومشدودة بإحكام يغلفها العنكبوت لاحقا بخيوط حريرية أرق ثم ينسحب بسرعة إلى أعلى.

ويقول الباحث الرئيسي في الدراسة الدكتور يوناس فولف، الباحث في كلية العلوم الطبيعية بجامعة ماكواري في سيدني بأستراليا: "كانت اللحظة الحاسمة التي أقنعتنا بأننا أمام إستراتيجية صيد غير مألوفة حقا بين العناكب، عندما رأينا شبكته للمرة الأولى. فقد احتوت على مخروط حريري صغير، وهو تركيب لم يسبق لنا أن شاهدنا مثله لدى أي عنكبوت آخر. ومنذ تلك اللحظة أدركنا أننا أمام شيء استثنائي".

وما إن يكتمل وضع هذا الغلاف الحريري الرقيق حتى تنجذب إحدى عاملات نمل الشجر الأخضر إلى المصيدة خلال ثوان معدودة. وبمجرد إلقاء نظرة فاحصة على الخيط، تبدي النملة سلوكا عدوانيا تجاهه، وتبادر إلى مهاجمته بعضاتها العدوانية دون أن تدرك أنها على وشك مواجهة مصيرها.

وفي لحظة خاطفة، وأثناء محاولة النملة تحرير نفسها، ينفصل الخيط عن نقطة الارتكاز التي كان مثبتا عليها، فتنطلق النملة مقذوفة مباشرة إلى أعلى لمسافة تزيد على 30 سنتيمترا حتى تصل إلى شبكة العنكبوت الرئيسية خلال نحو 42 ميلي ثانية فقط.

ويوضح يوناس في حديثه إلى الجزيرة نت أن "هذه العملية تستغرق أجزاء من الألف من الثانية، وهي مدة أقصر من أن تتمكن العين البشرية من تمييز تفاصيلها زمنيا. فعند مشاهدة الحدث مباشرة، ترى النملة على الأرض في لحظة، ثم تراها في اللحظة التالية معلقة داخل الشبكة، من دون أن تتمكن من رؤية ما حدث بين هاتين اللحظتين".

وبينما تكافح النملة للتحرر، يزداد تشابكها في خيوط الشبكة، ليقترب العنكبوت منها ويغلفها بخيوط الحرير، لتتحول في النهاية إلى وجبة شهية لهذا المفترس المتخصص.

طور "عنكبوت الباليستا" آلية فريدة تمكنه من اصطياد نمل الشجر الأخضر المعروف بشراسته الشديدة (الفريق البحثي)
فيزياء المصيدة الحريرية

حدث كل ما سبق بسرعة كبيرة لدرجة أن أندرسون لم يتمكن من تمييز ما جرى بدقة. لذلك عاد بعد بضع سنوات لمعرفة المزيد، وتواصل مع عدد من الباحثين المشاركين لاحقا في الدراسة، الذين اتفقوا جميعا على أن ما شاهده يمثل سلوكا غير مألوف يستحق الدراسة المتعمقة.

وبعد العثور على هذه الكائنات المبتكرة قرب مدينة كوكتاون في أقصى شمال كوينزلاند، نصب الباحثون كاميرات عالية السرعة حول شباكها، واستخدموا كاميرات تعمل بالأشعة تحت الحمراء لتسجيل سلوكها وتوثيق أسلوب الصيد الذكي الذي تمارسه، وانتظروا حلول الليل، وهو الوقت الذي تنشط فيه هذه العناكب للصيد.

وعلى الرغم من أن المشهد الدرامي ظهر في تسجيلات الكاميرات فائقة السرعة في ومضة عابرة، فإن العلماء تمكنوا من تحليله إطارا بإطار، ما كشف تفاصيل لم يكن من الممكن رؤيتها بالعين المجردة.

وكان يوناس، المتخصص في دراسة الخصائص الميكانيكية الحيوية لحرير العناكب، قد سافر إلى أستراليا لمراقبة العنكبوت في بيئته الطبيعية، قبل أن يجمع عينات من الحرير وينقلها إلى مختبره في جامعة غرايفسفالد بألمانيا لإجراء تحليلات فيزيائية دقيقة عليها، شملت فحوصا باستخدام المجهر الإلكتروني الماسح بهدف فهم البنية الميكانيكية التي تمنح هذا الفخ الحريري أدائه الاستثنائي.

إعلان

ويقول الباحث: "كان التحدي الحقيقي أن هذه الحركة سريعة إلى درجة أن معدلات التصوير المستخدمة عادة في دراسة حركة الحيوانات لم تكن كافية لتسجيلها. ولذلك كان لا بد من دفع تقنيات التصوير إلى حدودها القصوى لجعل هذه العملية مرئية".

وبعد تحليل التسجيلات المصورة، التي جُمعت على مدى 10 أيام، كشف تصميم شبكة عنكبوت الباليستا مستوى استثنائيا من الكفاءة الطاقية يفوق جميع الأنظمة المنجنيقية الأخرى المعتمدة على الحرير.

وخلص الباحثون إلى أن هذه المصائد، مقارنة بكتلتها، تخزن طاقة أكبر وتولد قدرة أعلى من أي منجنيق حيوي معروف حتى الآن، بما في ذلك عناكب المقلاع التي تستخدم شباكها المخروطية كمجانِيق، مطلقة نفسها مع الشبكة اللاصقة باتجاه الفرائس القريبة، وعناكب رمي الشباك والمعروفة بـ "وجه الغول" أو "المصارعين" التي تقذف شبكات حريرية صغيرة على فرائسها لتقييدها.

ويشرح يوناس هذه العملية بقوله "عندما يبني العنكبوت المصيدة، فإنه يضيف الخيوط واحدا تلو الآخر، ويشد كل خيط منها قبل تثبيته بالسطح المحيط. وبهذه الطريقة تُحمل المصيدة بمزيد من الطاقة المرنة. وعندما تُفعل المصيدة، تُطلق هذه الطاقة كلها دفعة واحدة".

ويضيف: "بما أن انكماش الحرير يحدث بسرعة تفوق سرعة انقباض العضلات، فإن كثافة القدرة الناتجة تتجاوز قدرة عضلات العنكبوت بنحو 3 مراتب أسية". وهذا يعني – بحسب قوله – أن العنكبوت يستخدم جهازا بالستيا حقيقيا لانتزاع النملة بالقوة من السطح الذي تقف عليه. ومن دون هذه الحيلة،  لم يكن قادرا على السيطرة على هذه الفريسة الخطرة.

أداء ميكانيكي حيوي استثنائي

وفقا لحسابات الباحثين، فإن كيلوغراما واحدا من هذه المصيدة الحريرية يمكن أن يخزن 78.17 كيلوجولا من الطاقة الحركية، ويولد قدرة لحظية تقارب 12 ميغاواطا عند تفعيلها، وهي كمية من الطاقة تكفي لتشغيل آلاف المنازل للحظات وجيزة.

ويمكن للنملات المقذوفة أن تصل إلى سرعات تبلغ نحو 4.4 أمتار في الثانية، أي ما يصل إلى نحو 16 كيلومترا في الساعة.

أما التسارع الذي تتعرض له النملة أثناء القذف فيصل إلى 1367 مترا في الثانية المربعة، وهو ما يعادل تقريبا 140 ضعف تسارع الجاذبية الأرضية، كما يفوق ذلك بنحو 15 مرة أقصى قوى التسارع التي يتحملها طيارو الطائرات النفاثة أثناء المناورات العنيفة، أو مرة ونصف مرة سرعة الرصاصة المنطلقة من بندقية.

ومن المرجح أن هذه القدرة الاستثنائية قد ظهرت لتمكن العنكبوت من انتزاع النمل بسرعة كبيرة من محيط الأعشاش والمسارات التي تسلكها المستعمرة، قبل أن تتمكن الأفراد الأخرى من التدخل للدفاع عنه، حيث يستخدم إشارات إنذار كيميائية تسمح باستدعاء مئات أو حتى آلاف الأفراد بسرعة لمواجهة أي مفترس محتمل.

تخصص مفرط محفوف بالمخاطر

ما أدهش العلماء لم يكن سرعة المصيدة فحسب، بل درجة تخصصها الفائقة أيضا في اصطياد نوع واحد فقط من النمل الفرائس (نملة واحدة في كل مرة). ففي جميع مقاطع الفيديو، كانت نملات الشجر الخضراء هي الحشرات الوحيدة التي أبدت اهتماما بآلية تشغيل المصيدة، وكانت كذلك النوع الوحيد الذي وقع ضحية لهذه العناكب.

ويوضح يوناس أن "التخصص في هذه الفريسة لا يخلو من الخطورة، لأن النمل يعيش بأعداد ضخمة، ويتعاون أفراده مع بعضهم البعض، كما يمتلك فكوكا قوية قادرة بسهولة على قتل العنكبوت، ولهذا يتعين على العنكبوت أولا عزل نملة منفردة عن مسار البحث الجماعي عن الغذاء، وسحبها بعيدا بسرعة قبل أن تنتبه بقية المستعمرة إلى الخطر أو تتدخل للدفاع عنها، ثم شل حركتها قبل الاقتراب منها".

من جانبها، ترى عالمة الحشرات في أكاديمية كاليفورنيا للعلوم، سارة كروز، والتي لم تشارك في الدراسة أن "تخصص مفترس في صيد نوع واحد فقط من الفرائس يعد سلوكا غير مألوف، لأنه ينطوي على مخاطرة كبيرة. فإذا حدث أي شيء لهذا النوع من الفرائس، مثل انقراضه، فمن المرجح أن يواجه المفترس المتخصص عليه المصير نفسه".

إعلان

ورغم هذه المخاطر، يبدو أن المكاسب التي يجنيها عنكبوت الباليستا تفوق كلفتها. ويعتقد الباحثون أن العناكب طورت هذه الإستراتيجية شديدة التخصص للاستفادة من وفرة نمل الشجر الأخضر، الذي يعيش في مستعمرات ضخمة على السواحل الأسترالية، لكن هذا النمل يتميز أيضا بعدوانيته الشديدة ودفاعه المستميت عن مستعمراته، مما يفرض على العنكبوت قدرا كبيرا من الحيلة والابتكار لاصطياده بأمان.

ويوضح يوناس أن "نمل الشجر الأخضر يمثل مصدرا غذائيا موثوقا للغاية. فالنملة الواحدة تقارب العنكبوت حجما، بينما تضم المستعمرة الواحدة آلاف الأفراد. كما أن هذه المستعمرات تبقى عادة في الموقع نفسه، ما يوفر للعناكب قدرا كبيرا من الغذاء طوال حياتها، ولهذا السبب تكيفت عدة أنواع مختلفة من العناكب لتتخصص في التغذي على هذا النوع تحديدا من النمل. لكن عنكبوت الباليستا هو الوحيد الذي يحقق ذلك بهذه الطريقة المدهشة والفريدة".

أسئلة بلا إجابة

يبرز هذا الاكتشاف الاستثنائي كيف يمكن للتخصص الشديد في نوع واحد من الفرائس أن يقود إلى إنتاج أداءات ميكانيكية حيوية استثنائية تسمح لمفترس صغير الحجم بالتغلب على واحدة من أكثر الفرائس تنظيما وعدوانية في عالم الحشرات.

وتوضح سارة في حديثها للجزيرة نت أن "هذه هي المرة الأولى التي يُوثق فيها مزيج بين الأداء البيوميكانيكي الفائق والتخصص البيئي الشديد. فهناك عدة عناصر تعمل معا في هذا النظام، إذ إن العنكبوت متخصص في فريسة بعينها، ويستخدم شبكته للإيقاع بها".

ومع ذلك، لا يزال الغموض يكتنف الكيفية التي تستدرج بها العناكب هذا النمل فقط دون غيره من الأنواع لتفعيل مصائدها، لكن لدى الباحثين بيانات رصدية تدعم فرضية مبدئية تشير إلى أن العناكب قد تضع على شبكاتها فيرومونات خاصة أو مواد كيميائية تجذب نمل الشجر الأخضر دون غيره، وتستثير لديه استجابة الهجوم، ما يدفعه إلى مهاجمة الخيط الحريري وقطعه في النهاية، وهو ما يؤدي إلى تفعيل المصيدة.

ويشير يوناس إلى أن "بعض مجموعات العناكب طورت شبكات يمكن قذفها أو إطلاقها نحو الفريسة. لكن في مثل هذه الحالات يكون العنكبوت هو من يفعّل الإطلاق. أما في حالة عنكبوت الباليستا، فإن ما يجعله فريدا هو أن سلوك الفريسة نفسها هو الذي يؤدي إلى تشغيل المصيدة". ومع ذلك، لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لاختبار هذه الفرضية بشكل مباشر، كما يقول.

ويوضح الباحث أن "الأولوية البحثية الأهم بعد الوصف العلمي الرسمي لهذا النوع، هي تحديد ماهية الفيرومون الذي يستخدمه العنكبوت لاستدراج النمل والتلاعب بسلوكه، لأن فهم هذه الإشارة الكيميائية سيكون مفتاحا لفهم آلية المصيدة بأكملها".

وتأمل سارة أن يشجع هذا الاكتشاف الباحثين على إجراء المزيد من الدراسات القائمة على الملاحظة المباشرة، وليس الاقتصار على الدراسات المبنية على فرضيات مسبقة، وأن يدفعهم إلى البحث عن سلوكيات مشابهة في الأنظمة الأخرى التي تضم العناكب والنمل.



إقرأ المزيد