"بيت التنين" في الموسم الثالث والعرش الذي يلتهم أبناءه
الجزيرة.نت -

يعود مسلسل "بيت التنين" (House of the Dragon)، بعد عامين من عرض موسمه الثاني، إلى شاشة "إتش بي أو" (HBO) بموسم ثالث يتكون من 8 حلقات. ينتمي المسلسل إلى عالم "صراع العروش" (Game of Thrones)، وتدور أحداثه قبل وقائع السلسلة الأصلية بحوالي 200 عام، وهو مقتبس من كتاب "النار والدم" (Fire & Blood) للكاتب جورج آر. آر. مارتن. يتولى ريان كوندال مهمة العارض والكاتب الرئيسي، إلى جانب عمله منتجا تنفيذيا، فيما يشارك مارتن في الإنتاج التنفيذي.

يضم الموسم الثالث مجموعة البطولة الأساسية، من بينهم مات سميث، وإيما دارسي، وأوليفيا كوك، وستيف توسان، وريز إيفانز، وفابيان فرانكل، وإيوان ميتشل، وتوم غلين-كارني، وسونويّا ميزونو، إلى جانب عدد من الشخصيات الجديدة التي توسع طاقم المسلسل، بينما يستمر العمل في تقديم مزيج الدراما السياسية والفانتازيا الملحمية الذي ميز السلسلة منذ انطلاقها.

راينيرا: من المطالبة بالعرش إلى ممارسة السلطة

قاتلت راينيرا تارغاريان (إيما دارسي) طوال الموسمين الأول والثاني من أجل حقها الذي ترى أنه سُلب منها؛ فهي الابنة التي اختارها والدها وريثة للعرش الحديدي، ثم وجدت نفسها في مواجهة منظومة سياسية وعائلية كاملة ترفض الاعتراف بحقها. لكن الوصول إلى كينغز لاندينغ في الموسم الثالث يضع الشخصية أمام اختبار مختلف تماما: فماذا ستفعل راينيرا عندما تصبح السلطة بين يديها؟

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list

وصولها إلى الحكم لا يعني استعادة حقها فحسب، كما قد يحدث في نهاية أي مسلسل آخر، بل يمثل البداية الحقيقية لاختبارها ملكةً للممالك السبع؛ إذ تضطر إلى التعامل مع مدينة مضطربة، وخزينة أُفرغت من ذهبها، وأعداء في كل مكان، ومعارك لا تنتهي يفقد فيها أفراد من عائلتها حياتهم.

يظهر المسلسل هنا المفارقة المتمثلة في أن راينيرا، التي طالما رأت نفسها ضحية لتعسف السلطة، تلجأ تدريجيا إلى أدوات السلطة نفسها ضد خصومها، بداية من إعدام أوتو هايتاور (ريس إيفانز)، وصولا إلى قرارات قاسية تتخذها لتثبيت نفسها على العرش، والأهم لتأكيد جدارتها بالحكم في نظر من يشككون في قدرة المرأة على حكم المملكة.

إعلان

ولا يحدث هذا التحول بمعزل عن علاقتها بأليسينت (أوليفيا كوك)، فهذه العلاقة واحدة من أكثر عناصر المسلسل تعقيدا، ولم ترد بهذه الصورة في الكتاب الأصلي. في المسلسل، هما صديقتان منذ الطفولة، ثم امرأتان فرق بينهما الزواج والعرش، قبل أن تصبحا رمزين لمعسكرين متحاربين. وفي الموسم الثالث، تعود علاقتهما إلى منطقة أكثر التباسا؛ فأليسينت تساعد راينيرا على دخول كينغز لاندينغ، بينما تظل راينيرا غير مستعدة للتخلي عن شرطها الأساسي، وهو موت إيغون (توم غلين-كارني)، ابن أليسينت والأخ غير الشقيق لراينيرا، ومنافسها على العرش.

الصراع بين أليسينت وراينيرا شخصي وسياسي في الوقت نفسه؛ فكل واحدة منهما تواجه الأخرى بوصفها عدوة، لكنها تظل أيضا الصديقة السابقة التي كان يمكن أن تصبح حليفة، لولا النظام الذي وضعهما في موقعين متناقضين. وتحاول كلتاهما امتلاك قدر من النفوذ داخل نظام صممه الرجال، وتدفعان ثمن صراع بدأ حين قرر رجال المملكة تجاهل اختيار الملك لوريثته والانحياز إلى وريث ذكر. والمفارقة الأكثر قسوة هي أن الصراع الذي وُضعتا في قلبه ينتهي بتدمير العائلة نفسها، وبإجبارهما على اتخاذ قرارات تجعلهما أقرب إلى النظام الذي حاولتا مقاومته.

الحرب المؤجلة تنفجر أخيرا

بنى "بيت التنين" صراعه منذ الموسم الأول حول حرب يعرف المتفرج أنها قادمة لا محالة، وتحول انتظارها في الموسم الثاني إلى جزء أساسي من إيقاع المسلسل؛ إذ انشغلت الحلقات بالتحالفات والمفاوضات والتحركات العسكرية، وتمركز الجيوش والتنانين، بينما تأجلت المواجهة الكبرى حتى نهاية الموسم.

واعتمد المسلسل على تصوير الاستعدادات للحرب مدة طويلة، مما جعل عددا كبيرا من حلقات الموسم الثاني، على وجه الخصوص، يبدو مجرد تمهيد لما سيأتي، أكثر من كونه حكايات قائمة بذاتها، وهو ما أفقد الموسم قدرا من زخمه.

لذلك، يبدو افتتاح الموسم الثالث بمعركة الخليج تصحيحا مباشرا لهذا المسار؛ إذ أوضح المسلسل، منذ الحلقة الأولى، أن هذا لن يكون موسما آخر من التحركات الإستراتيجية وحدها، بل إن الحرب بدأت بالفعل، بينما تتحول الخطط التي تابع المتفرج إعدادها سابقا إلى مواجهات ونتائج وخسائر فعلية. ومنحت هذه المعركة الموسم إيقاعا أسرع، نتيجة لضخامة الاشتباك من ناحية، ولأنها تغير مسارات بعض الشخصيات من ناحية أخرى.

وتعلن هذه المعركة كذلك اتساع نطاق الصراع؛ إذ تتزامن المواجهات البحرية والبرية مع تدخل التنانين. وتربط الحلقة الأولى الحدث العسكري بالخسارة الشخصية داخل عائلة تارغاريان، وهو الأمر الذي يستمر طوال الموسم؛ فكل انتصار لأي من جانبي الحرب يحمل في داخله خسارة، حتى بالنسبة إلى المنتصر.

ومع ذلك، لا ينقل المسلسل كل معركة وردت في كتاب "النار والدم"، بل يتجاوز بعضها مكتفيا بإظهار آثارها، ويركز، في المقابل، على معارك أخرى مر عليها الكتاب مرور الكرام، ليقدم مشاهد مبهرة بصريا. والأهم أن الحرب في هذا الموسم لم تعد وعدا مؤجلا كما كانت في الموسم الثاني، بل أصبحت المحرك الرئيسي للأحداث، كاشفة أن الصراع الذي خاضه الجميع من أجل السلطة أصبح وبالا على كل من سعى إلى الاستحواذ على العرش الحديدي.

من "صراع العروش" إلى "بيت التنين"

يُلاحظ في الموسم الثالث أن "بيت التنين" اقترب أكثر من روح "صراع العروش"، خصوصا بعد نقل الصراع من غرف الاجتماع إلى ساحات الحروب، ووسّع عالمه خارج حدود عائلة تارغاريان، لكن التشابه بين العملين يظل محدودا، فـ"صراع العروش" بنى جاذبيته على تعدد القوى والشخصيات والمناطق، بينما يظل "بيت التنين" في جوهره حكاية عائلية عن أسرة واحدة تتمزق من الداخل بسبب صراعها على السلطة، وهذا الاختلاف ما يمنح العمل هويته الخاصة، وفي الوقت نفسه يجعله أصغر من المسلسل الأصلي، الذي انتقل بشكل متكرر بين الصراعات السياسية والاجتماعية والشخصية في الوقت نفسه.

إعلان

نجح الموسم الثالث في استعادة بعض العناصر التي صنعت شعبية "صراع العروش"، لكنه في الوقت نفسه يعاني من الازدحام، فزيادة الشخصيات والعائلات والمواقع تجعل متابعة الخطوط المختلفة أكثر صعوبة.

في المقابل، أحد أبرز أسباب تحسن الموسم الثالث هو المساحة التي حصل عليها بعض الممثلين لتقديم شخصيات أكثر تعقيدا، تأتي إيما دارسي في المقدمة، بالتغيرات التي حدثت في شخصية راينيرا خلال المسلسل، وثكلها المتكرر، وتحولها إلى المرأة الغاضبة المتعطشة للسلطة والانتقام على عكس طبيعتها الأولى، بينما تقدم أوليفيا كوك انهيار أليسينت السياسي والنفسي بصورة تمزج الحزن باليأس. ويواصل مات سميث تقديم ديمون كشخصية تتأرجح بين الطموح والندم، فيما يمنح توم غلين-كارني إيغون هشاشة لم تكن واضحة بالقدر نفسه في السابق، بعدما انتهى من مرحلة الملك العابث في الموسمين الأول والثاني، ويجعل إيوان ميتشل من إيموند إحدى أكثر شخصيات المسلسل اضطرابا وخطورة.

كما برزت فيا سابان في الحلقات الأخيرة بدور هيلينا، خصوصا مع انتقال الشخصية من موقع المتفرج على الحرب إلى واحدة من أبرز ضحاياها، بينما أضاف جيمس نورتون حضورا لافتا في دور أورموند هايتاور، رغم انضمامه حديثا إلى المسلسل. وهكذا منح الموسم الثالث ممثليه ما افتقده الموسم السابق جزئيا: مساحات أكبر للتفاعل والتطور بدلا من إبقاء كل شخصية داخل مسار منفصل.



إقرأ المزيد