ماذا يفقد النص الصحفي عندما يغيب الصوت البشري؟
الجزيرة.نت -

Published On 20/8/2026

لم تعد قراءة الأخبار تعني بالضرورة الجلوس أمام شاشة أو صحيفة، فمع توسع المؤسسات الإعلامية في استخدام تقنيات تحويل النص إلى صوت، أصبح بإمكان القارئ الاستماع إلى المقال في أثناء القيادة أو المشي أو الطهي أو حتى غسل الأطباق.

لكن هذا التحول يطرح سؤالا أبعد من سهولة الاستخدام: هل يظل النص هو نفسه عندما يتوسط بينه وبين الجمهور صوت اصطناعي؟

ويناقش الصحفي جيم بارثولوميو -في مقال نشرته مجلة جامعة كولومبيا للصحافة- هذا السؤال من خلال تجربة الاستماع إلى عدد من أدوات السرد الآلي التي تستخدمها مؤسسات كبرى، مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست ووول ستريت جورنال ونيويوركر وأتلانتيك وفانيتي فير.

وقد توسعت هذه المؤسسات خلال السنوات الأخيرة في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحويل المقالات المكتوبة إلى مواد صوتية، بالتعاون مع شركات متخصصة، من أبرزها إليفن لابس، التي توفر آلاف الأصوات الاصطناعية المختلفة.

توسعت المؤسسات الإعلامية في استخدام تقنيات تحويل النص إلى صوت يُسهل تجربة القارئ (غيتي)
راحة أكبر للقارئ

تبرر المؤسسات هذا التوسع بالحاجة إلى منح الجمهور مزيدا من المرونة في استهلاك المحتوى. ففي نيويوركر، يستمع نحو 20% من المشتركين حاليا إلى القصص المروية صوتيا، بينما استخدمت خاصية "اقرأ لي" في وول ستريت جورنال نحو 5 ملايين مرة خلال العام الماضي، مع معدل إكمال بلغ 65%.

وتقول المؤسسات إن هذه الميزة تضيف طريقة جديدة لاستهلاك المحتوى من دون أن تلغي القراءة التقليدية، كما أنها توسع إمكانية الوصول إلى الصحافة بالنسبة إلى المكفوفين وضعاف البصر.

كما أظهرت تجربة أجرتها وول ستريت جورنال أن نحو 92% من المستخدمين الذين جربوا الخاصية استجابوا لها بصورة إيجابية.

صوت يشبه البشر.. لكنه ليس بشريا

ورغم التطور الكبير في تقنيات توليد الصوت، يرى بارثولوميو أن الاستماع المتكرر يكشف سريعا عن علامات الاصطناع.

إعلان

فالأصوات قد تبدو طبيعية في نبرتها، لكنها لا تعرف دائما متى تتباطأ أو تتوقف عند عبارة مهمة، وقد تشدد على كلمات غير مناسبة أو تضيف أنفاسا ونبرات صاعدة في مواضع تبدو غريبة.

ويشير الكاتب إلى أن المشكلة الأساسية ليست جودة الصوت نفسها، فالتقنيات تتحسن بسرعة، وإنما غياب ما يسميه التمييز البشري في القراءة. ولإظهار الفارق، قارن بين قراءة الكاتب الراحل مارك سينغر لمقال شهير كتبه عام 1997 عن دونالد ترمب، وقراءة آلية للنص نفسه.

وكانت النتيجة، بحسب بارثولوميو، أن الصوت الاصطناعي استطاع نطق النص بوضوح، لكنه لم يلتقط السخرية الدقيقة أو المفارقة أو الحزن الخفيف الذي حملته قراءة الكاتب لنصه، فالقراءة البشرية هنا لم تكن مجرد نقل للكلمات، بل تفسيرا لها.

رغم التطور الكبير في تقنيات توليد الصوت، فإن الاستماع المتكرر يكشف سريعا عن علامات الاصطناع (غيتي)
ليست كل المواد متشابهة

وتكشف التجربة كذلك أن بعض الأنواع الصحفية تتكيف مع السرد الآلي أكثر من غيرها، فالخبر المباشر الذي يعتمد على معلومات واضحة قد يظل مفهوما وفعالا عندما يقرأه صوت اصطناعي، بينما تخسر المقالات الأدبية والبروفايلات والقصص الطويلة جزءا من معناها عندما تقرأ بإيقاع واحد لا يميز بين السخرية والتأمل والمفارقة.

ولهذا، على سبيل المثال، لا تستخدم نيويوركر الذكاء الاصطناعي في قراءة أعمالها القصصية، التي تُقرأ بأصوات كتابها كلما كان ذلك ممكنا، باعتبار أن القراءة هنا أقرب إلى الأداء الفني.

هل نشتري الوقت على حساب التجربة؟

يرى بارثولوميو أن انتشار السرد الآلي يعكس في النهاية طبيعة العصر الذي نعيش فيه: جمهور يريد الحصول على المعلومات أثناء أداء مهام أخرى. فالذكاء الاصطناعي يمنح المستخدم فرصة استعادة الوقت، وتحويل فترات القيادة والمشي والأعمال المنزلية إلى وقت لاستهلاك الصحافة.

لكن الكاتب يطرح سؤالا أكثر عمقا: هل يؤدي هذا السعي المستمر إلى اختصار الوقت إلى تغيير علاقتنا نفسها بالنصوص؟ فالاستماع بسرعة أكبر أو أثناء القيام بأكثر من مهمة قد يجعل الصحافة أكثر سهولة في الوصول، لكنه قد يحول القراءة من تجربة تتطلب الانتباه والتأمل إلى محتوى آخر يمر في الخلفية.

وبذلك، لا يتعلق مستقبل الأصوات الاصطناعية في الصحافة فقط بمدى قدرتها على تقليد الصوت البشري، بل بالسؤال عما إذا كان الجمهور يريد الصحافة مجرد معلومات تصل إليه بأسرع طريقة ممكنة، أم تجربة تحمل أيضا نبرة الكاتب وإيقاعه وطريقته الخاصة في رؤية العالم.



إقرأ المزيد