عزيزة وفهد وريتال.. أطفال يتّمتهم حرب غزة وأثقل الفقد جدتهم
الجزيرة.نت -

غزة- استقبل مستشفى الشفاء في قطاع غزة 3 أطفال جرحى، تغطي الدماء أجسادهم وملابسهم، في حين أحاط الغموض بأسمائهم وتفاصيل عائلتهم، وهو ما بدا -رغم أهميته- بعيدا عن أولويات الأطقم الطبية التي سارعت لتقديم العلاج وإنقاذهم.

ريتال وفهد وعزيزة أبو شقفة، وصلوا إلى المستشفى بلا أي مرافق يعرّف بهم أو يتولى شؤونهم، وبقوا خلال الساعات الأولى مجهولي الهوية.

وخلال البحث عن ذويهم، تكشّف حجم الفراغ المحيط بهم؛ فجدّهم لأبيهم كان قد استشهد، ثم استشهد جدهم لأمهم، وكذلك عمهم أمجد وعمتهم هبة، في حين يواصل الاحتلال الإسرائيلي اعتقال عميهم محمد وعاهد.

عزيزة وريتال لا تبرحان النظر إلى صور أمهما الشهيدة عبر الهاتف (الجزيرة)
الجدة والمعيل كل شيء

حضرت جدتهم لأمهم نسرين أبو شقفة إلى المستشفى، وتعرّفت على أحفادها، ثم تولت متابعة علاجهم وإجراءاتهم الطبية. وبانتقال مسؤولية الأطفال إليها، وجدت نفسها معيلة بلا معيل؛ ترعى 3 أحفاد أيتام، وتعاني فقد زوجها وابنتها، بعد عامين من استشهاد زوج ابنتها.

في غرفة المرضى، تمسك عزيزة (5 أعوام) هاتفا محمولا بكلتا يديها، تقلب صور والدتها الشهيدة وتجلس إلى جانب شقيقتها ريتال، ذات العامين، على سرير آخر بعد عمليات جراحية خضعت لها إثر استقرار شظايا في جمجمتها ووصولها إلى الدماغ.

كلما سألنا عزيزة عن والديها تستغني عن الكلمات وترفع سبابتها نحو السماء في إشارة صامتة، وبين سؤال وآخر تنعقد أصابعها بإيقاع مضطرب عند ذكر اسميهما. وفي الأثناء، تنتقل بين الصور تقلبها واحدة تلو أخرى، ثم تنادي مراسلة الجزيرة نت فجأة: "شوفي (انظري)، هاي (هذه) ماما".

اقتربنا من عزيزة، فرأينا صورة والدتها نور عقب استشهادها في القصف الإسرائيلي الذي استهدف مستشفى اليمن السعيد في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، وتشير الطفلة إلى الصورة بحماسة من عثر على شيء عزيز ظل يبحث عنه، وكأنها تستعيد أمها للحظة من الغياب كي تقدمها إلى شخص يراها للمرة الأولى.

هكذا فُقد الأب

إلى جوار الطفلتين تقف الجدة نسرين، مائلة بجسدها نحو السرير، وقد كسا السكون ملامحها، بينما تلاحق عيناها كل حركة تصدر عن حفيدتيها؛ تنتقل بنظراتها بين الطفلتين، ريتال وعزيزة، وكلما تحرّكت إحداهما اقتربت الجدة خطوة، خشية أن يفوتها احتياج أو إشارة إلى ألم، وفي الوقت نفسه، وفي الغرفة ذاتها كانت تتابع حالة شقيقهما فهد (7 أعوام) الذي يتلقى العلاج من إصاباته في الرأس والقدم.

إعلان

كشف وصول الأطفال إلى المستشفى دون مرافق عن النتيجة المباشرة لتهاوي شبكة عائلة كاملة كانت تحيط بهم، وقد بدأت الخسارات بوالدهم، ثم أعمامهم وعمتهم وجديهم، قبل أن يفقدوا والدتهم.

ويوم 27 يوليو/تموز 2024، أخذت دائرة العائلة المحيطة بالأطفال الثلاثة تضيق عندما غادر والدهم أحمد أبو شقفة (30 عاما) بحثا عن طعام يخفف شدة الجوع عن أطفاله.

حينها، أعلنت مصادر طبية استشهاد 41 فلسطينيا وإصابة 103 آخرين خلال 24 ساعة، نتيجة 4 مجازر ارتكبتها إسرائيل بحق عائلات في غزة، وتوزع القصف على مناطق أخرى في القطاع، لتصبح رحلة الحصول على الطعام جزءا من مجازفة يومية يخوضها الآباء تحت الغارات الإسرائيلية.

قصد أحمد نقطة لتوزيع المساعدات بمنطقة اليمن السعيد في بيت لاهيا، وتمكّن من جمع كمية من الطعام لأطفاله، قبل أن يستهدف قصف إسرائيلي المنطقة بحزام ناري، ويردي أحمد شهيدا في المكان وفوق الطعام الذي جمعه.

وبعد استشهاده، انتقلت أعباء الإعالة والرعاية إلى زوجته نور، فتولت الأم تدبير الطعام والمتابعة اليومية لاحتياجات أطفالها الثلاثة، وحملت العبء كاملا، مستندة إلى محيط عائلي أخذ يتقلص تباعا بفعل الاستشهاد والاعتقال.

عزيزة وريتال فقدتا الأب والأم وجديهما وباتت جدتهما لأمهما تقوم على رعايتهما بلا معيل أو سند (الجزيرة)
اتساع دائرة الفقد

اتسعت فجوة الفقد التي أحدثها استشهاد أحمد إلى بقية عائلته، فتوالى غياب الأشخاص الذين كان حضورهم قادرا على مؤازرة أطفاله ومشاركة أمهم أعباء رعايتهم، حيث استشهد جد الأطفال من جهة الأب، فتراجع امتداد عائلي آخر كان يمكن أن يمنحهم الحماية والسند.

وفي 29 أكتوبر/تشرين الأول 2024، اعتقلت القوات الإسرائيلية عمّي الأطفال، محمد وعاهد، في أثناء نزوحهما من بيت لاهيا باتجاه غرب مدينة غزة، ولا يزالان معتقلين.

وتكررت رحلة البحث عن الطعام داخل العائلة مع عمهم الثالث أمجد، إذ دفعه جوع أطفاله إلى التوجه نحو نقطة المساعدات الأمريكية في رفح، بحثا عما يسد حاجتهم، وهي الضرورة ذاتها التي دفعت شقيقه أحمد إلى الخروج من قبل، وانتهت رحلتا الأخوين باستشهادهما عند نقطتين لتوزيع المساعدات، وترك كل واحد منهما خلفه أطفالا جائعين.

وفي يونيو/حزيران 2026، اتسع نطاق الفقد باستشهاد عمتهم هبة بنيران زوارق البحرية الإسرائيلية على امتداد شارع الرشيد في قطاع غزة في أثناء نومها داخل خيمتها.

مثّلت هذه الوقائع تفككا قسريا ومتدرجا لشبكة الرعاية المحيطة بالأطفال، وكان كل شخص يغيب يحمل معه حضنا كان يمكن اللجوء إليه، وانكمشت الدائرة من حول ريتال وفهد وعزيزة، حتى بقيت أمهم نور تحمل مسؤوليتهم، وإلى جوارها والداها نسرين وجميل.

رحيل الأم أثقل الحمل

بعد قرابة عامين على استشهاد والدهم، وفي الشهر نفسه، فقد الأطفال أمهم. ففي يوم الاثنين 20 يوليو/تموز 2026، كانت نور برفقة أطفالها ووالدها جميل داخل مركز إيواء في مستشفى اليمن السعيد بمخيم جباليا شمالي قطاع غزة، حين استهدفت طائرات إسرائيلية الطابق الأول من المستشفى، وقضت على سكينة المكان مخلفة 3 شهداء و16 مصابا، غالبيتهم من الأطفال.

إعلان

استشهدت نور ووالدها، في حين أصابت الشظايا أطفالها الثلاثة الذين نقلتهم طواقم الدفاع المدني إلى مستشفى الشفاء بأجساد مثخنة بالجروح وثياب تحمل آثار الدم، ليتم تسجيلهم خلال الساعات الأولى ضمن الحالات مجهولة الهوية، إلى أن تعرفت الجدة نسرين عليهم وبدأت تتولى شؤونهم.

وبينما استعاد الأطفال أسماءهم، وجدت نسرين نفسها أمام خسارات متعددة، عبرت في تلك اللحظة من مقام الأم الثكلى إلى موقع الحاضنة الأخيرة، وصارت صاحبة القرار الطبي، ومتابعة الأوراق، ورفيقة العمليات، وحاملة تفاصيل 3 أطفال انتزع القصف الإسرائيلي أبويهم.

وباتت تقضي يومها داخل مستشفى الشفاء موزعة بين 3 مسارات علاجية؛ تتابع تعليمات الأطباء بشأن ريتال وعملياتها، ثم تنتقل إلى فهد وعزيزة، وأضحت وحدها تتولى متابعة الأوراق والموافقات والمراجعات التي كان يتقاسمها أفراد عائلة كاملة.

تقول نسرين التي تحتاج هي إلى من يؤمّن طعامها واحتياجاتها للجزيرة نت: "أصبح وضعنا اليوم أسوأ بكثير، فلا معيل لنا ولا مصدر مال، والمسؤولية على كاهلي صعبة جدا، وأتحمل رعاية 3 أطفال أيتام وجرحى، ولا أعرف كيف سأستمر في تأمين احتياجاتهم داخل المستشفى وخارجه".

عزيزة الكحلوت: حالة نسرين وأحفادها ضمن مشهد أوسع خلّفته الحرب داخل آلاف العائلات في غزة (الجزيرة)
أيتام دون كفالة مؤسسية

تضع المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، عزيزة الكحلوت، حالة نسرين وأحفادها ضمن مشهد أوسع خلّفته الحرب داخل آلاف العائلات، إذ تشير بيانات الوزارة إلى تسجيل نحو 65 ألف يتيم، بينهم 54 ألفا و468 طفلا فقدوا أحد الوالدين أو كليهما، في حين يعيش 16 ألفا و798 طفلا في رعاية أجدادهم بعد فقدان أو غياب آبائهم وأمهاتهم.

وتقول الكحلوت للجزيرة نت إن أيتام الحرب منذ عام 2023 لم ينتقل أي منهم حتى الآن إلى كفالة مؤسسية كاملة، بينما يعتمد بعضهم على كفالات شخصية أو على أقارب تولوا مسؤولية رعايتهم.

وتوضح أن منظومة الحماية تعطي الأولوية، متى توفرت شروط الأمان والقدرة على الرعاية، للوالد المتبقي، ثم للجد أو الجدة والأقارب المؤهلين، يليهم أفراد الأسرة الممتدة بعد تقييم أوضاعهم، في حين يجري اللجوء إلى أسرة بديلة عند غياب قريب قادر على الرعاية، وتبقى مؤسسة الرعاية الاجتماعية الخيار الأخير عند تعذر إيجاد بيئة أسرية مناسبة.

من يرعاهم؟

وترى الكحلوت أن التحدي يتجاوز نقص مقدمي الخدمات، فالفجوة الأساسية -بحسبها- تكمن بين حجم وتنوع احتياجات عشرات آلاف الأطفال وبين قدرة المؤسسات الحالية على توفير رعاية متكاملة ومستدامة تشمل إدارة الحالات والكفالات والرعاية البديلة والدعم النفسي والاجتماعي والتعليم والصحة والحماية.

وفي حالات مثل أحفاد نسرين، يصبح الجد أو الجدة آخر حلقة في شبكة الحماية الأسرية، رغم أن هؤلاء الأجداد قد يكونون بدورهم فاقدين للمعيل ويحتاجون إلى الرعاية والدعم.

حين غادرت الجزيرة نت غرفة المرضى، بقيت عزيزة ممسكة بالهاتف، تتصفح صورة أمها وتطيل النظر إلى ملامحها، وإلى جوارها، كانت ريتال تبكي من الألم عقب العملية الجراحية، والضماد الأبيض يطوّق رأسها.



إقرأ المزيد