مفاجأة علمية.. صخور هندية قد تحمل أقدم بصمة للحياة على وجه الأرض
الجزيرة.نت -

كشفت دراسة جديدة عن دليل نادر على احتمال وجود حياة ميكروبية قديمة في صخور من شرق الهند، يعود عمرها إلى نحو 3.5 مليار سنة.

وتقول الدراسة التي نشرت يوم 17 أغسطس/آب في دورية "بروسيدنجس أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسز" (Proceedings of the National Academy of Sciences) إن هذا الدليل قد يمثل، بحسب معرفة الباحثين، أقدم صخر مؤرخ مباشرة يحتوي على بصمة حيوية قوية، أي علامة كيميائية يمكن ربطها بنشاط كائنات حية قديمة.

ويوضح الباحثون أن أهمية هذا الاكتشاف لا تكمن فقط في العثور على كربون قديم، بل في القدرة على تأريخ الصخر نفسه تأريخا مباشرا، وربط هذا العمر بالمادة الكربونية الموجودة داخله.

جاءت العينة من صخر صوان أسود وأبيض مخطط في منطقة بهيتارداري، ضمن حزام صخري قديم يعرف باسم مجموعة خام الحديد الشرقية في كراتون سينغبهوم. والصوان صخر صلب غني بالسيليكا، وهي المادة نفسها التي يُصنع منها الزجاج والرمل في صور مختلفة، ويستطيع هذا النوع من الصخور أحيانا حفظ مواد عضوية دقيقة داخل طبقاته، كما لو كانت محفوظة في صندوق حجري شديد الصلابة.

يمكن لتلك الصخور القديمة أن تكشف الكثير عن تاريخ الحياة على الكوكب (بيكسابي)
ساعات جيولوجية داخل الصخر

تقول المؤلفة الرئيسية للدراسة تريسروتا تشودري، الباحثة في مختبر مطياف الكتلة الأيوني الثانوي بهيئة المسح الجيولوجي الهندية، إن الدراسات الميدانية أظهرت نوعين من الطبقات: طبقات الصوان المطوية والمرافقة لتكوينات حديدية قديمة وصخور تعرضت للتشوه، وطبقات دقيقة متبادلة من طبقات غنية بالكوارتز، وهو معدن شفاف غني بالسيليكا، وأخرى داكنة غنية بالمادة الكربونية.

وتوضح تريسروتا في تصريحات للجزيرة نت أن هذا النمط يشبه بقايا حصائر ميكروبية قديمة، أي تجمعات من كائنات دقيقة كانت تعيش في طبقات رقيقة فوق بعضها، في بيئة بحرية غنية بالسيليكا والحديد. ولتحديد العمر، بحث الفريق عن بلورات زركون صغيرة داخل الصخر؛ وهو معدن شديد المقاومة للتغيرات الجيولوجية، ويستخدم في التأريخ لأنه يحتفظ بنسب من اليورانيوم والرصاص تكشف زمن تكونه. ومن بين ثماني بلورات حللها الباحثون، أعطت أربع بلورات عمرا موثوقا بلغ 3497 مليون سنة، بهامش خطأ خمسة ملايين سنة.

إعلان

لكن العمر وحده لا يكفي لإثبات وجود الحياة، حسب الباحثة، التي تلفت إلى أن الفريق حلل بصمة الكربون داخل الصخر. وكانت النتيجة أن المادة الكربونية أعطت قيمة كربونية خفيفة بلغت نحو ناقص 30.9 في الألف.

تشرح تريسروتا معنى هذه النتيجة بأن الكربون الموجود في العينة يميل إلى النوع الأخف من الكربون، وهي سمة يمكن أن تنتج عن عمليات حيوية، لأن الكائنات الدقيقة تميل في كثير من الأحيان إلى استخدام الكربون الأخف أثناء بناء مادتها العضوية.

وتوضح أن هذه القيمة تقع ضمن النطاق المعروف للكربون الناتج من عمليات حيوية قديمة، وتشبه بصمات مسارات أيضية تستخدمها كائنات دقيقة في تثبيت الكربون.

وبحسب الدراسة، فإن هذه الإشارة قد تكون متسقة مع وجود آليات أيضية متطورة نسبيا بحلول ذلك الزمن المبكر من تاريخ الأرض، مثل مسارات تثبيت ثاني أكسيد الكربون. أي أنه قبل 3.5 مليار سنة، ربما كانت ميكروبات قادرة بالفعل على تحويل الكربون غير العضوي الموجود في البيئة إلى مادة عضوية داخل أجسامها.

وجدت الدراسة دليل نادر على احتمال وجود حياة ميكروبية قديمة في صخور من شرق الهند (شترستوك)
كربون قديم أم تغيرات لاحقة؟

استخدم الباحثون أيضا تحليل رامان، وهو أسلوب يعتمد على تسليط ضوء ليزري على المادة وقراءة الطريقة التي يتفاعل بها الضوء معها، ما يساعد على فهم بنيتها الداخلية. ووجدوا أن الكربون الموجود داخل الطبقات الأصلية للصخر ظل أقل ترتيبا، كما هو متوقع من مادة عضوية قديمة تعرضت لحرارة وضغط منخفضين نسبيا.

في المقابل، كان الكربون الموجود في عروق كوارتز لاحقة أكثر تحولا إلى غرافيت، وهو شكل أكثر ترتيبا من الكربون، ما يشير إلى أنه تأثر بعمليات حرارية أو مائية حدثت بعد تكون الصخر.

تقول الباحثة: "هذا الفرق ساعد الفريق على التمييز بين المادة الأصلية القديمة والتغيرات اللاحقة التي طرأت على الصخر عبر الزمن".

ومع ذلك، لا تخلو الدراسة من حدود؛ فالباحثون لا يقدمون حفريات خلوية واضحة، بل يعتمدون على مجموعة أدلة كيميائية وجيولوجية ونسيجية، وفقا للدراسة نفسها. كما أن تفسير بصمات الحياة في صخور بهذا العمر يبقى حساسا، لأن بعض العمليات غير الحيوية قد تنتج إشارات تشبه إشارات الحياة.

كذلك كان عدد بلورات الزركون المؤرخة صغيرا، رغم اتساق النتائج الجيدة منها. ولم يعتمد الفريق على إشارة النيتروجين لأنها كانت ضعيفة وغير موثوقة.

وعن التمويل، أشار الفريق إلى أن الدراسة مولت جزئيا من منحة بحثية من الجامعة الألمانية للتكنولوجيا في عمان ومن مجلس البحث العماني، كما تلقى مختبر المسبار الأيوني في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس دعما جزئيا من برنامج الأجهزة والمرافق التابع لمؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية. وأقر الباحثون بعدم وجود تضارب مصالح.



إقرأ المزيد