الدحيح.. كيف يحاول ترمب تحويل غزة إلى بروسبيرا جديدة؟
الجزيرة.نت -

تناولت حلقة 26 أغسطس/آب 2026 من برنامج “الدحيح” أزمة الفقر العالمي التي تضع أكثر من ملياري إنسان في مواجهة خطر انعدام الأمن الغذائي، وكيف يحاول بعض المستثمرين التربح من الفقر تحت شعار محاربته.

ولفت الدحيح إلى أن العالم بإمكانه معالجة أزمة الفقر وأن الدول التي تعاني الجوع تمتلك ثروات وقدرات مالية وبشرية وطبيعية لكنها تُحكم من خلال أنظمة فاسدة، كما يقول عالم الاقتصاد الأمريكي بول رومر.

فهذه الأزمات لا تظهر في الولايات المتحدة أو أوروبا وإنما تتركز في دول أفريقيا التي تعاني بيروقراطية وتعقيدات قد تعطل مشاريع كبرى، وتفتقر إلى وجود المؤسسات القوية، حسب رومر، الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2018.

وقد أشارت الحلقة (يمكن مشاهدتها كاملة عبر هذا الرابط) إلى أن 2.5 مليار إنسان (ثلث سكان العالم) يواجهون خطر الجوع، وأن 9 ملايين إنسان يموتون سنويا بسبب الجوع، نصفهم من الأطفال. بينما تقول الأمم المتحدة إن العالم ينتج غذاء يكفي لإطعام سكان العالم لكن ثلث هذه الكمية يذهب إلى القمامة.

مدن الميثاق

لذلك، دعا رومر إلى تأسيس ما يسمى "مدن الميثاق"، التي قال إنها ستدار عبر مؤسسات مستقلة وقوية بعيدا عن المعترك السياسي وما يحيط به من مشكلات.

ولم تكن فكرة رومر حالمة، وفق حلقة الدحيح، لأن ثمة مدنا غيرت وضع دول كاملة بالفعل، مثل هونغ كونغ، التي تحولت من الفقر إلى أحد أهم مراكز المال في العالم، وسنغافورة التي كانت متأخرة ثم أصبحت من أهم الدول، ودبي التي تحولت من مدينة بسيطة إلى مركز اقتصادي عالمي.

فالنجاح لا يتطلب معجزة، والقضاء على الفقر لا يحتاج سوى إدارة جيدة للموارد وبنية تحتية قانونية تجذب المستثمرين، الذين لا يضخون أموالهم في بيئة غير مضمونة، حسب الدحيح.

برنامج الأغذية العالمي يدعو إلى توفير التمويل وإيصال المساعدات الإنسانية لتجنب المجاعة في السودان (برنامج الأغذية العالمية)

فالبنية التحتية القانونية كفيلة بنقل الدول من الفقر والجوع إلى الثراء، لكن ثمة من يطرحون مشروعات لتنمية المناطق الفقيرة وفق هذه العناوين، بينما هم يقدمون ما يعتبره خبراء صورا جديدة للاستعمار، على غرار خطة "ريفييرا غزة" التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب العام الماضي.

ففي هندوراس التي كانت من أفقر دول أمريكا اللاتينية في بداية الألفية، وكان 60% من سكانها تحت خط الفقر، تبنى الرئيس بورفيريو لوبو سوزا، فكرة بول رومر، والتي وجد فيها مخرجا لوضعه السياسي والاقتصادي المتأزم.

وكانت العقبة، التي واجهت هندوراس في تطبيق تجربة رومر، أنها تقوم على عدم خضوع هذه المدن لسلطة الدولة، لكن البرلمان الهندوراسي أقر بأغلبية ساحقة تعديلا دستوريا في فبراير/شباط 2011، بإقامة هذه المدن تحت مسمى "مدن التنمية الخاصة".

بعد ذلك، تم إنشاء لجنة الشفافية الدولية التي ضمت مجموعة من أكبر الخبراء الاقتصاديين الأجانب على رأسهم بول رومر نفسه، وذلك لتقديم الاستشارات ومراقبة الفساد لتحقيق ضمانات للمستثمرين.

وبالفعل، وضعت اللجنة قوانين مدن التنمية التي اختيرت من بين أفضل القوانين في العالم (ضرائب أقل، حوافز أكبر، ضمانات استثمارية)، لإدارة هذا المشروع غير الخاضع تماما لسلطة الحكومة الهندوراسية، والذي حقق مكاسب كبيرة وسريعة.

لكن المشروع واجه مشكلة السكان المحليين القدامى الذين كانوا يعيشون منذ عقود بل قرون في هذه المناطق.

الأمم المتحدة: نحو 2.5 مليار إنسان يعانون الجوع عالميا (غيتي)
مشروع بروسبيرا

ففي مدينة بروسبيرا، التي أقيمت بجزيرة رواتان التي تُعتبر أحد أكثر المواقع تميزا بهندوراس، لم يكن السكان المحليون مشكلة في نظر المستثمرين الذين تعاملوا معهم كأيد عاملة مهمة. لكن مع بداية المشروع، ارتفعت أسعار السكن بنسبة 100%، في حين زادت أسعار البقالة بنسبة 70%، حتى تجاوزت الأسعار في المدينة نظيرتها في العاصمة.

ولم يكن ارتفاع الأسعار مشكلة للمستثمرين ولا للموظفين العاملين في المشروع لأنهم يتقاضون رواتب كبيرة، لكنها كانت معضلة للسكان المحليين الذين لم يعودوا قادرين على مواجهة الارتفاع الجنوني للأسعار.

ولأن المدينة قائمة على الإدارة الأجنبية التي يحددها مستثمرون يسعون إلى الربح وليس إلى مصلحة السكان، فقد أصبحت الخدمات الأساسية التي يفترض أن تقدمها الدولة كالمياه والأوراق الرسمية كلها بمقابل. وما هي حتى فوجئ السكان بأن الاتفاقية تمنح المستثمرين حق الحصول على أراضيهم كجزء من المحفزات.

ووصل الأمر إلى جلب المستثمرين حراسات خاصة للتعامل مع السكان الذين واصلوا التصدي والإضراب 10 سنوات، حتى ألغى البرلمان الهندوراسي بالإجماع القانون الذي أقيمت بموجبه هذه المدن بعدما تبين له فشله.

وأمام هذا القرار الذي اعتبرته رئيسة البلاد آنذاك زيومارا كاسترو استعادة لسيادة البلاد، رفع المستثمرون دعوى أمام لجنة فض المنازعات الدولية وطالبوا بتعويض قدره 10.8 مليارات دولار، كانت تعادل ثلث الإنتاج المحلي لهندوراس.

ووفق حلقة الدحيح، فقد اعتبر خبراء علم الاجتماع هذه المدن نموذجا جديدا من الاستعمار الذي يستفيد من الموارد على حساب أصحاب الأرض.

ريفييرا غزة

فهذه المشروعات القائمة على توفير فرص للمستثمرين وفق شروطهم في دول فقيرة ليست سوى محاولة لإعادة إنتاج الاستعمار في ثوب جديد، رغم أن فيها جوانب إيجابية يمكن الاستفادة منها وتحقيق الهدف من الفكرة، وهو ما تحدث عنه بول رومر نفسه، بقوله إن هذه الانتقادات تعكس محدودية الخيال.

وهنا، ذهبت الحلقة إلى أن المدن التي يتحدث عنها رومر ربما تكون ناجحة جدا لو أنها حددت أهداف المشروع وطبيعة المستفيدين منه ومدى تعاطيه مع المشاكل الاقتصادية والاجتماعية للدول التي ستقام بها.

فهذه الفكرة هي نفسها "ريفييرا غزة" التي تحمل عنوان إنهاء الحرب والفقر، لكن بشروط المستثمرين، مما دفع أستاذ الجغرافيا الحيوية جوناثان سيلفر إلى وصف المشروع بأنه نموذج جديد من تجربة بروسبيرا، يتم الترويج له تحت شعار إنهاء الحرب.

وبناء على النموذج الذي تناوله الدحيح، فإن مشروع ترمب لمستقبل غزة، يمثل وفق منظمات حقوقية مثل ترايل إنترناشيونال، خطة لترحيل مليوني إنسان من أرضهم وإبادتهم بدعاوى التنمية.

Published On 26/8/2026

شارِكْ



إقرأ المزيد