الجزيرة.نت - 8/26/2026 2:43:03 PM - GMT (+3 )
اللد- في حي المحطة وسط مدينة اللد، لا يبدو الخوف من الإخلاء مجرد احتمال بعيد، بل أصبح واقعا يقترب من أبواب عشرات العائلات الفلسطينية التي تعيش في المكان منذ عقود.
أكثر من 70 عائلة فلسطينية تواجه أوامر إخلاء وهدم متفاوتة، بعضها يمنح السكان مهلة لا تتجاوز أسبوعا، وسط رفض الأهالي مغادرة منازلهم، وتمسكهم بحقهم في البقاء في حي يقولون إن عائلاتهم سكنته منذ ما قبل النكبة، أو لجأت إليه بعد تهجيرها من قراها وأراضيها عام 1948.
في هذا الحي، تختلط حكاية البيت بحكاية اللجوء داخل الوطن لأناس، بعد 78 عاما، تواجه عائلاتهم خطر الإخلاء مجددا، في حين يقول السكان إن مشاريع التطوير العمراني التي يجري التخطيط لها في المنطقة لا تضمن لهم حقوقا كاملة ولا توفر بدائل واضحة قبل الإخلاء.
حي المحطة نفسه يحمل تاريخا يسبق النكبة. سمي بهذا الاسم نسبة إلى محطة القطار التي أقيمت هناك خلال فترة الحكم العثماني، وكانت من أهم محطات السكك الحديدية في فلسطين التاريخية، حيث ربطت شمال البلاد بجنوبها، مرورا بحيفا ويافا ومناطق الوسط.
ومع الانتداب البريطاني، استقرت عائلات فلسطينية في المنطقة للعمل في سكة الحديد والمحطة، قبل أن يتحول الحي بعد النكبة إلى واحد من أكبر تجمعات الفلسطينيين المهجرين داخل اللد.
ومع قيام إسرائيل عام 1948، أقيمت في المنطقة مشاريع وبنى تحتية ومرافق عامة وإسكانات، وتوسعت شبكة السكك الحديدية، ويقول السكان إن المشاريع العمرانية اللاحقة استثنت العرب إلى حد كبير، رغم إقامتها على أراض كانت مرتبطة بعائلات فلسطينية وبمنازل جرى هدمها أو إخلاؤها.
وبمرور السنوات، وجد السكان أنفسهم محاصرين بين خطوط القطارات والمباني والمشاريع الجديدة، بينما بقي حيهم يعاني الإهمال ونقص الخدمات الأساسية. وتستعد اللد لمزيد من المشاريع العمرانية والتجارية والسكنية والمؤسسات العامة، في مدينة يبلغ عدد سكانها نحو 100 ألف، بينهم أكثر من 27 ألفا و500 عربي، وفق بيانات البلدية.
يوضح عضو بلدية اللد المحامي عبد الكريم زبارقة أن معاناة الحي مع التهجير ليست وليدة اللحظة، فقبل النكبة، سكنته عائلات فلسطينية ارتبط عملها بقطاع سكة الحديد. وعقب عام 1948، استقبل الحي عشرات العائلات المهجرة من قرى اللد، إلى جانب عائلات بدوية من النقب أُجبرت على النزوح خلال سنوات الحكم العسكري التي تلت النكبة.
إعلان
ومع البلدة القديمة، أصبح "حي المحطة" أحد أكبر التجمعات السكانية للفلسطينيين الذين صمدوا في اللد بعد النكبة. ويصف زبارقة -في حديثه مع الجزيرة نت- تلك البدايات بأشكالها الشبيهة بحياة اللجوء، حيث تشاركت العائلات بناء منازل من الصفيح والزنك والأسبست ونصب الخيام على أراضٍ يوضح أن بعضها يعود للاجئين ومهجرين طُرِدوا من المدينة بقوة السلاح.
غير أن مساعي الاستقرار صادفت عراقيل متواصلة، فمع حلول سبعينيات القرن الماضي، شرعت المؤسسة الإسرائيلية -وفق زبارقة- في تنفيذ سياسة لإفراغ عدد من الأحياء العربية باللد، من بينها المحطة والسكة والتفاح والبلدة القديمة، وذلك عبر شركة الإسكان الحكومية "عميدار".
واعتمدت هذه السياسة عرض الإخلاء وإعادة الإسكان على الأسر التي استطاعت إثبات "حقوقها القانونية"، في حين بقيت مئات العائلات اللاجئة والمهجرة التي رفضت الإخلاء، أو لم تتوافر لها حلول سكنية تحمي استقرارها. وفي المقابل، يؤكد زبارقة أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة استمرت في توطين اليهود في اللد، ومنحهم تسهيلات وحقوقا على أراض وعقارات يقول الفلسطينيون إنها تعود في الأصل إليهم.
ما أحدثته النكبةوهكذا، تراكمت عبر العقود مفارقة يكتوي بسعيرها سكان الحي حتى اليوم، أراض فلسطينية مُصادرة أو مُسجَّلة باسم "الدولة"، ومشاريع إسكان وتطوير حثيثة التوسع، في مقابل معاناة يواجهها أصحاب الأرض الأصليون لتثبيت حقوقهم القانونية والسكنية.
ولا تبتعد هذه التغريبة عن الذاكرة العائلية لزبارقة (54 عاما)، إذ ينحدر والده من قرية أبو شوشة المهجرة قضاء اللد -التي أقيم على أنقاضها حي "كرمي يوسف"- فضلا عن جذور العائلة وأراضيها الواسعة في النقب. وكان والده يتنقل بين النقب واللد بحكم عمله في ثلاثينيات القرن الماضي، قبل أن تعصف النكبة بأحلامه وتقطع طريق العودة إلى دياره.
ومن رحم هذه الذاكرة، يقرأ زبارقة أوامر الإخلاء الأخيرة التي طالت نحو 70 عائلة في حي المحطة، مؤكدا أن ما يجري ليس حدثا معزولا عن سياقه، بل حلقة جديدة في سلسلة مخططات التهجير والتفريغ التي لم تتوقف ضد الأحياء العربية باللد منذ النكبة.
ويردف زبارقة موضحا أن ما تُسمى "دائرة أراضي إسرائيل" استحدثت مؤخرا وحدة خاصة لمتابعة الأراضي المسجلة باسمها وتسريع إخلاء قاطنيها. وينبه إلى أن حي المحطة كان قد قطع شوطا في مسار تخطيطي لتسوية أوضاع البناء والإسكان للعائلات العربية، غير أن "دائرة الأراضي" سارعت -في المقابل- إلى استباق الخطة بإصدار إخطارات الإخلاء.
تتجلى المفارقة -كما يطرحها زبارقة- في أن العائلات باتت تواجه شبح الإخلاء دون إتاحة بدائل سكنية واضحة، إذ إن الغالبية العظمى من قاطني الحي لا تملك وثائق ملكية مسجلة أو معترفا بها رسميا لدى الدوائر الحكومية الإسرائيلية، على الرغم من أن كثيرا منها يقطن المكان منذ النكبة، إثر تهجيره من قراه ومصادرة ملكياته الأصلية.
ويوضح زبارقة أن هذا الوضع يهدد بحرمان بعض العائلات حتى من الاستفادة من مشاريع "الإخلاء والإسكان" التي تنفذها شركة "عميدار"، ففي أفضل السيناريوهات، قد تمنح الشركة شقة واحدة لرب الأسرة، بينما تُستثنى أسر الأبناء الذين تزوجوا واستقلوا في منازل داخل الحي ذاته من أي حقوق مماثلة.
إعلان
ومع ارتفاع أسعار العقارات في اللد، التي يقول إنها قد تصل إلى نحو مليون دولار، تصبح فكرة شراء مساكن بديلة أمرا بعيد المنال بالنسبة إلى كثير من العائلات الشابة.
وأمام هذا الواقع، يرفض الأهالي أن تكون مفردة "التطوير" مرادفا للإخلاء، إذ يؤكد زبارقة أن السكان لا يعارضون تحسين الخدمات أو تشييد مجمعات سكنية حديثة، بل يرفضون المخططات التي تستثني المكون العربي وتلزم العائلات بالرحيل دون ضمان مستقبلها. ويتمسك الأهالي بشرط توفير بدائل ملائمة تستوعب كافة أفراد العائلة، وتضمن حقوقهم السكنية والمالية، إلى جانب التمسك بالمطالبة بتعويضات عادلة عن أراضيهم وممتلكاتهم المُصادرة.
وفي قلب هذه المواجهة، تبرز قصص إنسانية تختزل تاريخ الحي، الشيخ إبراهيم النصاصرة (80 عاما) -وهو متزوج وأب لـ24 ولدا- استقر في حي المحطة قبل نحو 6 عقود، بعد تهجير عائلته من النقب ومصادرة أراضيها، ليجد والده -الذي عمل بالمنطقة قبل النكبة- في الحي ملاذا آمنا له بعد التهجير.
وعلى مدى عقود، أرست العائلة جذورها في الحي، حيث شيد النصاصرة مسجدا يمتد على مساحة نحو 3 دونمات (الدونم يعادل ألف متر مربع). غير أن مسار هذه الحياة انقلب قبل نحو ربع قرن، حين تلقى عرضا من المؤسسة الإسرائيلية يتضمن إخلاء منزله والمسجد مقابل منحه 5 قسائم أراض في حي "واحة السلام" باللد، وتشييد 5 منازل للعائلة.
وافق النصاصرة على التسوية وانتظر تنفيد ما وُعد به، بيد أن 25 عاما انقضت دون أن يلمس أثرا للاتفاق على الأرض. ومُنذئذ، يواصل الشيخ الثمانيني خوض سجال قضائي في المحاكم الإسرائيلية لإلزام شركة الإسكان "لوريان" بتنفيذ التزاماتها، متمسكا برفض إخلاء المنشآت المهددة بالهدم قبل تسلم البديل المُتفق عليه.
وخلال عقود الانتظار هذه، كبرت عائلته، إذ تزوج أبناؤه وأسسوا أسرا مستقلة، غير أنهم اضطروا إلى استئجار منازل في اللد بكلفة تصل -بحسبه- إلى نحو ألفي دولار شهريا للمنزل الواحد. وفي المقابل، حُظِر على العائلة إجراء أي توسيعات أو ترميمات في المنزل القديم منذ توقيع الاتفاق، ليبقى البيت معلقًا في دائرة انتظار مفتوحة بين تهديد بالإخلاء يتجدد، وبديل مسلوب لم يُبنَ بعد.
التهجير.. نكء الجرحيرفض النصاصرة الطرح الذي يدّعي تبعية الأراضي لـ"دائرة أراضي إسرائيل"، مفردا ذاكرة المكان التاريخية ليؤكد أن المنطقة كانت تنبض بالحياة ومأهولة بالعائلات الفلسطينية، إلى جانب ضمها معسكرًا للجيش البريطاني، وذلك قبل أن تشرع شركة "عميدار" عقب النكبة في الاستيلاء على الأراضي وتفريغها من قاطنيها لإقامة مشاريع إسكانية لليهود.
وتتشابك في رواية النصاصرة الجذور الأقدم لعائلته، إذ يوضح في حديثه للجزيرة نت أن والده ينحدر من أصول مصرية، لكنه قدم إلى فلسطين واستقر وعمل فيها، وتنقل بين النقب واللد ووادي حنين، القرية الفلسطينية المهجرة التي أقيمت على أراضيها لاحقا مدينة ريشون لتسيون. وبعد النكبة، جردت العائلة من أملاكها وأراضيها في النقب، لتتخذ من حي المحطة مستقرا لها.
وأمام ذلك، يبدو الحديث عن إخلاء جديد بعد 78 عاما وكأنه نكء لجرح قديم. فالشيخ الثمانيني لا يرى في الأمر مجرد نزاع على منزل، وإنما يخشى أن تكون العائلة أمام تهجير آخر. الاتفاق الذي كان يفترض أن يوفر لها الاستقرار لم ينفذ، والبيت الذي بقيت فيه طوال هذه السنوات لا يزال مهددا بالهدم.
يحمل فريد أبو عبيد (43 عاما) -وهو متزوج وأب لـ7 أطفال- رواية تتكامل مع سابقاتها لتنتهي إلى النتيجة ذاتها. تنحدر عائلته من النقب، وكان والده قد قدم إلى اللد عقب حرب عام 1967، حيث اشترى قطعة أرض في حي المحطة وشيد عليها منازل تحتضن اليوم 4 عائلات باتت جميعها مهددة بالإخلاء والهدم.
إعلان
ويؤكد أبو عبيد -في حديثه للجزيرة نت- أن عائلته تمتلك حقوق سكن ووثائق ملكية مثبتة وفق القانون الإسرائيلي ذاته، ورغم ذلك تلقت إخطارات بالإخلاء دون طرح بدائل جادة، موضحا أن جوهر الأزمة يكمن في مسعى سلطات الاحتلال لتفريغ المنطقة وهدم منازلها تمهيدا لتشييد مشاريع عمرانية وتجارية، مع تجاهل حقوق العائلات العربية التي استقرت في الحي منذ عقود.
وحتى الحديث عن منح شقق بديلة في الأبراج السكنية المزمع إقامتها مكان المنازل الحالية، لا يبعث على الطمأنينة بين السكان، ما لم يتحول إلى التزام قانوني رسمي يحدد بوضوح حقوق الملكية والبديل السكني والتعويض المالي.
وتغذّي هذه المخاوفَ -وفق أبو عبيد- تجاربُ سابقة لعائلات وقعت على اتفاقيات إخلاء وإعادة إسكان، ثم تبخرت الوعود ولم تحصل على شيء. وأمام هذا الواقع، يتمسك أبو عبيد بموقف صارم، إذ يؤكد أن العائلات لن تغادر منازلها قبل استيفاء كامل حقوقها وضمان البدائل الملائمة، مشددا على أنه حتى لو زحفت الجرافات لهدم البيوت، فإن الأهالي سينصبون خيامهم فوق الأنقاض وسيواصلون الصمود على أراضيهم إلى حين انتزاع حل عادل.
بين حكايا عائلات زبارقة والنصاصرة وأبو عبيد، تتجلى سيرة حي "المحطة" بوصفه مساحة تختزل تاريخا فلسطينيا ممتدا من الاقتلاع، وإعادة التوطين، والصراع المستمر على الأرض. فالعائلات التي تقطنه اليوم لا تنتمي إلى جيل واحد، فمنها من يضرب جذوره في المكان قبل النكبة، ومنها من هُجِّر إليه، ومنها من لجأ واستقر فيه.
لكن القاسم المشترك بينها جميعا هو أن البيت لم يكن يوما مجرد عقار، بل كان بالنسبة إلى اللاجئ والمهجّر داخل وطنه محاولة لاستعادة شيء من الاستقرار بعد إيقاع الفقد الذي طال القرية والأرض. ولذا، فإن اقتلاع العائلة من منزلها اليوم لا يمكن قراءته بمعزل عن سياقها التاريخي، إذ يشكل الإخلاء لدى كثير من السكان تهجيرا ثانيا من المكان ذاته الذي لاذوا به بعد التهجير الأول.
قد يبدو حي المحطة من الخارج مجرد مساحة تنتظر مشروعا عمرانيا جديدا، غير أن خلف تلك الجدران المهددة بالهدم تقبع قصة أخرى: عائلات تجاهد لتثبت أن البقاء ليس مخالفة قانونية، وأن البيت ليس مجرد حجارة تُستبدل بشقة، وأن الأرض ليست صفحة بيضاء تبدأ ملكيتها لحظة تدوينها في سجلات رسمية.
ومن هنا، حين يشدد أهالي الحي على أنهم سينصبون الخيام فوق أنقاض منازلهم إن هُدمت، فهم لا يعبرون عن مجرد رفضٍ للإخلاء، بل يعلنون تمسكا أبديا بالملاذ الذي انتهوا إليه بعد النكبة الأولى، ويرفضون أن يتحول الحي إلى محطة أخرى في رحلة تهجير جديدة.
إقرأ المزيد


