الجزيرة.نت - 8/26/2026 4:56:05 PM - GMT (+3 )
لا تختبر العقوبات الأمريكية الجديدة قدرة الاقتصاد الإيراني على تحمل الضغوط فحسب، بل تطرح سؤالا أوسع عن مسار المواجهة بين واشنطن وطهران: هل تنجح في تغيير حسابات إيران، أم تدفع الطرفين إلى صراع أطول يستخدم الاقتصاد والملاحة وساحات النفوذ الإقليمي بدل المواجهة العسكرية المباشرة؟
تكشف قراءات 4 خبراء للجزيرة أن العقوبات قد ترفع كلفة التجارة مع إيران وتزيد الضغط على عملتها واقتصادها، لكنها لا تقدم وحدها ضمانة لتغيير سلوك طهران. وفي المقابل، تراهن إيران على خبرتها في التكيف مع القيود، بينما يرجح محللون أن ينتقل أثر المواجهة إلى ساحات إقليمية أخرى.
ويرى المسؤول السابق في وزارة الحرب الأمريكية ديفيد دي روش أن إدارة الرئيس دونالد ترمب تنظر إلى القوة الاقتصادية باعتبارها أداة رئيسية للنفوذ الأمريكي.
وبحسب دي روش، لن يكون أثر العقوبات الجديدة فوريا، لكنه قد يتراكم مع الوقت، لا سيما إذا اتسع نطاق الضغط ليشمل شركاء إيران التجاريين والجهات التي تسهل تبادلها التجاري، بدلا من حصره في المؤسسات الإيرانية.
"الضغط يتصاعد، لكنه لا يزال دون العودة إلى مواجهة عسكرية مباشرة"
بواسطة ديفيد دي روش- مسؤول سابق في وزارة الحرب الأمريكية
لكن هذه القراءة لا تفترض أن كل حزمة عقوبات ستحدث تحولا كبيرا تلقائيا. فالمعيار، وفق هذا المنطق، هو مدى قدرة واشنطن على تعطيل شبكات التجارة والتمويل، ورفع كلفة التعامل مع إيران، من دون أن تجد تلك الشبكات مسارات بديلة للتكيف.
وهنا تكمن إحدى نقاط الاختبار الرئيسية، فكلما اتجه الضغط نحو الأطراف التي تتعامل مع طهران، اتسعت المعركة من عقوبات على دولة إلى محاولة إعادة ترتيب كلفة التجارة معها.
رهان إيراني على الصمودفي المقابل، يقدم الباحث في مركز الدراسات الإستراتيجية بطهران علي أكبر داريني قراءة تنطلق من تجربة إيران الطويلة مع العقوبات. فهو يرى أن طهران راكمت خبرة في الالتفاف على القيود، وأن التهديدات الأمريكية الجديدة تحمل جانبا من الحرب النفسية، وتستهدف أيضا شركاء إيران، وفي مقدمتهم الصين وروسيا.
إعلان
ويصف داريني ما يجري بأنه:
"حرب استنزاف واختبار للقدرة على الصمود"
وذلك في إشارة إلى أن الرهان الإيراني لا يقوم على انتظار انفراج سريع، بل على امتصاص الضغوط وتقليل آثارها وإفشال سياسة الضغط الأقصى، عبر تنويع مسارات التبادل.
كما يعكس حديثه محدودية الرهان على المسار الدبلوماسي من وجهة نظر إيرانية. فمع استمرار تبادل الرسائل عبر الوسطاء، لا يبدو أن طهران تتوقع اختراقا سياسيا قريبا، وهو ما يجعل الأدوات الاقتصادية جزءا أكثر رسوخا من المواجهة في المدى القريب.
غير أن التكيف مع العقوبات لا يعني تجاوز كلفتها، فخبرة الالتفاف قد تخفف بعض الأضرار، لكنها لا تلغي أثر القيود على العملة والتجارة والاستثمار وحركة الاقتصاد الكلي للبلاد.
هذه المفارقة يبرزها جووي هود، نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكية السابق، الذي يرى أن العقوبات ألحقت ضررا بالعملة والاقتصاد الإيرانيين، لكنها لم تؤد حتى الآن إلى انهيار الاقتصاد أو تغيير سلوك طهران.
وتساعد هذه الخلاصة في تجاوز صورتين متقابلتين: الأولى تفترض أن العقوبات عديمة الأثر، والثانية تراهن على أنها ستقود سريعا إلى حسم سياسي. فالأقرب، وفقا لهود، هو أن الضغوط الاقتصادية تضيق هامش الحركة تدريجيا، من دون أن تفرض بالضرورة نتيجة فورية.
وفي البعد البحري، يرى هود أن وضع مضيق هرمز يتلخص في أنه "ليس مفتوحا تماما، ولا مغلقا تماما"، مما يعكس حالة الضبابية الميدانية في المنطقة.
فبحسب تقديره، تفرض التهديدات والمخاطر التي تواجه السفن قيودا فعلية على الملاحة، ما يضيف إلى العقوبات بعدا ميدانيا يؤثر في الحسابات التجارية والأمنية.
لكن هذا البعد لا ينبغي أن يفهم بوصفه حسما للسيطرة على المضيق لصالح طرف بعينه، بل بوصفه جزءا من بيئة ضغط متبادل، تتداخل فيها المخاطر البحرية مع العقوبات الاقتصادية ورسائل الردع.
من العقوبات إلى ساحات الوكالةأما روب غايست بينفولد، محاضر الأمن الدولي في كلية كينغز لندن، فيضع العقوبات ضمن إطار أوسع، ويرى أن الطرفين يتجهان إلى ما يشبه حربا باردة إقليمية أو حرب المنطقة الرمادية.
في هذا النموذج، لا تكون العقوبات أداة منفصلة عن بقية عناصر الصراع، بل تصبح جزءا من ضغط متبادل يستخدم الاقتصاد والملاحة والنفوذ الإقليمي. وتعود واشنطن، بحسب بينفولد، إلى أدوات الضغط الاقتصادي لدفع إيران إلى تعديل سلوكها الإقليمي، بينما تحاول طهران الحفاظ على قدرتها على الردع ورفع كلفة الضغط عليها.
ويحذر بينفولد من أن غياب أفق سياسي واضح قد يدفع التنافس أكثر نحو ساحات الوكالة. ويشير إلى العراق ولبنان واليمن بوصفها ساحات مرشحة لتلقي آثار هذا الصراع، بما يوزع كلفته ومخاطره على دول المنطقة بدل بقائه محصورا في العلاقة المباشرة بين واشنطن وطهران.
هذه القراءة تجعل سؤال العقوبات أبعد من قياس أثرها على سعر العملة أو صادرات النفط. فالمسألة تتعلق بما إذا كانت الضغوط الاقتصادية ستقرب الطرفين من تفاوض جاد، أم ستدفعهما إلى إدارة صراع طويل بأدوات أقل من الحرب المفتوحة، لكنها لا تقل عنها خطورة على استقرار المنطقة.
هل تتغير الحسابات؟لن تقاس فاعلية العقوبات الجديدة بعدد الجهات التي تطالها أو بحجم العقوبات المعلنة، بل بقدرتها على إرباك شبكات التجارة والتمويل التي ساعدت إيران على تخفيف آثار الضغوط السابقة، وبمدى استعداد شركائها لتحمل مخاطر التعامل معها.
إعلان
لكن آراء الخبراء الأربعة تشير إلى أن الحزمة الجديدة، حتى إذا رفعت كلفة الصمود على طهران، لن تقود وحدها إلى تحول سريع في موقفها. فواشنطن تراهن على أثر تراكمي يمتد إلى الشركاء، وإيران تراهن على التكيف والقدرة على الاحتمال، فيما يبقى الضرر الاقتصادي قائما من دون أن يتحول إلى حسم سياسي.
لذلك، تبدو النتيجة الأقرب في المدى المنظور ليست انهيارا سريعا ولا تسوية قريبة، بل مواجهة طويلة في المنطقة الرمادية: ضغط اقتصادي متبادل، ومخاطر بحرية، وتنافس على النفوذ في ساحات إقليمية، مع بقاء باب التفاوض مفتوحا من دون ضمانة لاختراق سياسي.
إقرأ المزيد


