ماذا نعرف عن مجمع الأونروا الذي أخلته إسرائيل بالقوة؟
الجزيرة.نت -

رام الله- برفقة قوة عسكرية قدَّرتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بنحو 50 عنصرا، اقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير مؤسسة تعليمية تابعة للوكالة بمدينة القدس المحتلة وطرد موظفيها وأعلن السيطرة عليها.

وبارك رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو -المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة– الخطوة، بينما أخذت الخارجية الإسرائيلية على عاتقها تبييض المشهد وتصدير روايتها.

وفي خارج المؤسسة ومحيطها، انتشر عشرات الجنود واعتلوا أسطح المنازل وشلّوا الحركة في انتظار انتهاء بن غفير من مهمته وتسجيل فيديوهات ترويجية لإنجازه في مؤسسة أممية يفترض أنها تتمتع بالحصانة والحماية.

والأونروا هي وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى، وأنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949 وفوضتها لتقديم المساعدة الإنسانية والحماية للاجئي فلسطين المسجلين في مناطق عملياتها، إلى حين التوصل إلى حل عادل ودائم لمحنتهم.

معهد قلنديا يقع شمال الجدار الذي أحاط الاحتلال به مدينة القدس (الجزيرة)
ما المؤسسة الأممية المستهدفة شمال القدس؟ وماذا تقدم من خدمات؟

يُعد التعليم هدفا جوهريا للأونروا، وتوفره لأكثر من نصف مليون طالب وطالبة من اللاجئين الفلسطينيين بمناطق عملها الخمس: قطاع غزة، والأردن، والضفة الغربية، لبنان وسوريا، من خلال نحو 700 مدرسة ابتدائية وإعدادية.

وإضافة إلى التعليم الأساسي توفر الوكالة التدريب المهني التقني والتعليم العالي في 8 مراكز لنحو 8 آلاف لاجئ.

واستهدفت العملية العسكرية، أمس الثلاثاء، الاستيلاء على "مركز قلنديا للتدريب" المحاذي لمخيم قلنديا للاجئين الفلسطينيين شمالي القدس.

تأسس المركز عام 1952 كأول مركز تدريب تابع للأونروا، ويستقبل سنويا حوالي 340 شابا لاكتساب المهارات والمؤهلات المهنية التي يمكن أن تساعدهم على دخول سوق العمل في 16 تخصصا منها: الكهروميكانيك، ميكاترونيات السيارات، النجارة، البناء، الاتصالات والتصميم الداخلي. وعادة يبدأ التسجيل للعام الدراسي في سبتمبر/أيلول من كل عام.

نحو 340 طالبا يتخرجون سنويا من مركز قلنديا (الجزيرة)
أين يقع معهد قلنديا؟ وما حساسية المكان؟

يقع المركز في جزء يتبع بلدية الاحتلال من مدينة القدس المحتلة على مساحة 80 دونما (نحو 80 ألف متر مربع) تضم ورش عمل تدريبية وغرفا صفية ومساكن داخلية ومباني إدارية.

إعلان

وتؤكد الأونروا في بياناتها أنه لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة، وأن على إسرائيل، باعتبارها دولة عضوا في الأمم المتحدة، تقديم كل المساعدة اللازمة للوكالة.

ووفق معطيات الموقع الإلكتروني للأونروا، فقد قدمت الحكومة الأردنية أراضي المركز من خلال اتفاق أُبرم في 16 أكتوبر/تشرين الأول 1952، أي قبل الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، بغرض توفير التدريب التقني والمهني للاجئي فلسطين. ولا يزال هذا الاتفاق ساريا حتى اليوم.

في المقابل، تعتبر السلطات الإسرائيلية أراضي المخيم والمعهد جزءا من حدود بلدية القدس الكبرى، بينما تؤكد الأونروا أن جميع مرافقها، ومنها مركز قلنديا، محمية بامتيازات وحصانات الأمم المتحدة بموجب القانون الدولي وغير قابلة للانتهاك.

ومع ذلك، أشارت إلى السلطات الإسرائيلية نفذت أكثر من 7 عمليات "دخول غير مصرح به" إلى المركز خلال 2026، في بعضها كان الطلاب وأعضاء هيئة التدريس منخرطين بشكل فعلي في الحصص الدراسية. إضافة إلى اندلاع ما لا يقل عن 10 حرائق خلال الأسابيع الأخيرة نتيجة قنابل الغاز المسيل للدموع التي أطلقتها القوات الإسرائيلية.

ما الرواية الإسرائيلية للاستيلاء على منشأة أممية؟ وكيف ترد الأونروا وفلسطين؟

بينما أعلن بن غفير السيطرة وفرض السيادة على المكان، تحدثت الأونروا في بيانات سابقة عن خطة يُزعم أن بلدية القدس أعدتها في أبريل/نيسان 2026 بشأن تطوير المرافق التعليمية والمجتمعية والاجتماعية والطبية، بالإضافة إلى محور مواصلات. موضحة أن تنفيذ المشروع سيتطلب هدم معظم مرافق المركز القائمة.

وبينما كان بن غفير يزيل شعارات الأمم المتحدة عن مباني المركز ويجلس على طاولة مديره، زعمت الخارجية الإسرائيلية -في بيان- أنه تم إخلاء مجمع الأونروا ونقل المنطقة إلى سلطة بلدية القدس لتستثمر نحو 40 مليون شيكل (نحو 13 مليون دولار) لبناء مدارس ومساجد ومنشآت رياضية وصحية في المكان.

لكن الجهات الرسمية الفلسطينية ترفض تلك المبررات. واستشهد مدير الإعلام في محافظة القدس عمر الرجوب بحالات سابقة مماثلة أُعلن فيها عن مشاريع تعليمية دون أن ترى النور.

وأضاف -في حديثه للجزيرة نت- أن الاحتلال يستغل النقص الحاد في الغرف الصفية والاحتياجات التعليمية في المدينة المقدسة كمبرر وغطاء للاستيلاء على معهد تدريب قلنديا كما دأب على استخدام هذا الأسلوب في مرات سابقة، ففي:

  • 2017: أعلن الاحتلال نيته إقامة مجمع تعليمي في منطقة جبل المكبر، ولم يكتمل هذا المشروع حتى الآن.
  • 2022: سيطر الاحتلال على منزل ومشتل لعائلة صالحية في حي الشيخ جراح بالقدس المحتلة بذريعة إقامة مجمع تعليمي ولم ير النور أيضا.

وبالتالي -وفقا للرجوب- "يسوّق الاحتلال هذه المبررات لخداع العالم والرأي العام بمخططاته، من أجل إنهاء الشاهد الحي والتاريخي على قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة من خلال الانقضاض على دور الأونروا سواء بحظرها أو إغلاق مدارسها وعياداتها الصحية".

ما تسلسل الأحداث وصولا إلى اقتحام معهد التعليم في قلنديا؟

في 14 يناير/كانون الثاني 2024، طالبت سلطات الاحتلال الأونروا بدفع "دين" بأثر رجعي بقيمة 17 مليون شيكل (أقل من 6 ملايين دولار) بادعاء إنشاء مبان واستخدامها دون تصريح أو موافقة ما تسمى "سلطة أراضي إسرائيل".

إعلان

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، صادق الكنيست الإسرائيلي على قانونين (دخلا حيز التنفيذ في يناير/كانون الثاني 2025) يقضيان بمنع الأونروا من ممارسة أي أنشطة داخل إسرائيل، وسحب الامتيازات والتسهيلات منها، ومنع إجراء أي اتصال رسمي بها.

ومطلع يناير/كانون الثاني 2025، أخلى موظفو أونروا المقر الرئيسي للوكالة في حي الشيخ جراح بمدينة القدس.

وفي 18 فبراير/شباط 2025، شنّت قوات الاحتلال حملة مداهمات على مؤسسات تعليمية تتبع للوكالة في القدس، وسلمت قرارات بإخلائها، في خطوة اعتبرتها الوكالة انتهاكا للقوانين الدولية.

وفي مايو/أيار 2025، أغلقت السلطات الإسرائيلية بالقوة 6 مدارس تابعة للأونروا في القدس بما في ذلك المدارس في مخيم شعفاط، مما أثر في حوالي 800 طفل.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، أكدت محكمة العدل الدولية التزامات إسرائيل بتسهيل عمليات الأونروا في الأرض الفلسطينية المحتلة، التي تشمل القدس الشرقية.

ومطلع أغسطس/آب 2026، كشف مدير شؤون الوكالة في الضفة الغربية، رولاند فريدريك، لصحفيين زاروا المعهد أنه يواجه منذ أشهر تهديدات متواصلة من سلطات الاحتلال بإغلاقه والاستيلاء عليه.

ماذا حدث يوم الثلاثاء؟ وما موقف الأونروا؟

قالت الأونروا -في بيان- إن قوات إسرائيلية دخلت بالقوة إلى مركز تدريب قلنديا. ودخلت 5 مركبات مدرعة على الأقل مقر الأمم المتحدة، برفقة أكثر من 50 من أفراد الأمن الإسرائيليين.

وأضافت أن ما يقرب من 20 موظفا من الأونروا كانوا في الموقع في ذلك الوقت. وأدلى مسؤولون إسرائيليون بعد ذلك بتصريحات عامة أشاروا فيها إلى أن السلطات الإسرائيلية استولت على المبنى.

وأدانت الأونروا "بشكل لا لبس فيه هذا التوغل غير المصرح به والمثير للقلق العميق في مركز تدريب قلنديا".

وقالت إن دخول قوات الأمن المسلحة إلى منشأة تابعة للأمم المتحدة دون الحصول على إذن أو موافقة الأمم المتحدة "أمر غير مقبول". وشددت على أن مركز تدريب قلنديا "منشأة تابعة للأمم المتحدة محمية بالامتيازات والحصانات الممنوحة للمنظمة بموجب القانون الدولي. ويجب احترام حرمتها بشكل كامل".

مساحة مركز قلنديا للتدريب تُقدَّر بنحو 80 دونما (الجزيرة)
كيف أصبح الاقتحام صفعة للسلك الدبلوماسي؟

جاء اقتحام المركز الأممي بعد أقل من 24 ساعة من زيارة نظمتها وزارة الخارجية والمغتربين للسلك الدبلوماسي المعتمد لدى دولة فلسطين إلى مخيم ومركز قلنديا، برفقة عشرات الصحفيين وممثلي وسائل الإعلام العربية والأجنبية.

وبينما دعت الرئاسة الفلسطينية مجلس الأمن الدولي إلى الانعقاد بشكل عاجل، وتحمل مسؤولياته القانونية والسياسية، واتخاذ قرارات وإجراءات ملزمة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على مقرات ومؤسسات الأمم المتحدة، اعتبرت دائرة شؤون القدس في منظمة التحرير الفلسطينية أن استهداف منشأة أممية في القدس، في أعقاب الجولة الميدانية يكتسب بعدا سياسيا إضافيا، في ظل المساعي الإسرائيلية المتصاعدة لإعادة رسم صورة المدينة ومحيطها، والتضييق على كل حضور فلسطيني أو دولي يكشف طبيعة السياسات المفروضة على سكانها.

ودعت الأمم المتحدة والدول الأعضاء فيها، والدول التي لها تمثيل دبلوماسي لدى دولة فلسطين، إلى موقف واضح ومسؤول إزاء هذه التطورات، واتخاذ خطوات عملية تكفل حماية منشآت الأمم المتحدة وموظفيها وتمكينهم من أداء مهامهم دون تدخل أو عرقلة.

كما اعتبرت الخارجية الفلسطينية أن إخلاء الاحتلال المركز يُعد انتهاكا صارخا للقانون الدولي ولحرمة منشآت الأمم المتحدة وحصاناتها وامتيازاتها، وتصعيد خطير في استهداف الوجود الأممي في القدس المحتلة. خاصة أنه يأتي بعد يوم واحد من الجولة الميدانية التي عقدتها وزارة الخارجية للسفراء المعتمدين لدى دولة فلسطين إلى مخيم قلنديا.

إعلان



إقرأ المزيد