50 ألف قتيل و3 ملايين نازح.. كيف وصلت حرب تركيا وحزب العمال إلى نهايتها؟
الجزيرة.نت -

Published On 26/8/2026

بعد نحو 5 عقود من الصراع المسلح، تبدو تركيا أمام لحظة تاريخية قد تطوي واحدة من أطول وأكثر حروبها دموية، بعدما صوت البرلمان، في 10 أغسطس/آب الجاري، بأغلبية 468 من أصل 562 نائبا حاضرا، على قانون يتعلق بنزع سلاح حزب العمال الكردستاني، في خطوة اعتبرت إعلانا سياسيا لنهاية مرحلة طويلة من المواجهة بين الدولة التركية وهذا الحزب.

لكن نهاية الحرب لم تأت فجأة، بل كانت حصيلة مسار طويل بدأ في سبعينيات القرن الماضي، حين كانت الهوية الكردية في تركيا تواجه قيودا واسعة، شملت حظر استخدام اللغة والملابس والأسماء الكردية، فيما وصفت السلطات الأكراد في عقود سابقة بأنهم "أتراك جبليون".

وفي تلك البيئة نشأت لدى طالب العلوم السياسية في جامعة أنقرة عبد الله أوجلان فكرة تأسيس تنظيم يساري يتبنى الماركسية ويدافع عن الفئات الكردية المهمشة. وعام 1978، اجتمع أوجلان مع عدد من رفاقه في قرية فيس قرب مدينة ليجه في محافظة ديار بكر، ليعلن تأسيس حزب العمال الكردستاني الذي استقطب لاحقا أعدادا كبيرة من أبناء الطبقات الفقيرة في المناطق الكردية.

من الفكرة الثورية إلى الحرب

يشير التقرير -الذي أعده القطاع الرقمي بالجزيرة- إلى أن انقلاب الجيش التركي عام 1980 كان نقطة تحول رئيسية، إذ حلت الأحزاب وقمعت مختلف التيارات السياسية، بينما أعيد تنظيم حزب العمال خارج تركيا، وانتقلت قيادته إلى سوريا، حيث وجد أوجلان ملاذا في دمشق، فيما بدأ مقاتلو الحزب تدريبات عسكرية في مخيمات البقاع اللبناني.

وفي 15 أغسطس/آب 1984، دخل الصراع مرحلته المسلحة رسميا، عندما هاجمت وحدات تابعة للحزب مراكز عسكرية وشرطية في إروه بمحافظة سيرت وشميدينلي بمحافظة هكاري. ورغم محدودية الهجمات عسكريا، فإن دلالتها السياسية كانت كبيرة، إذ أعلن الحزب عمليا انتقاله إلى العمل المسلح سعيا إلى إقامة دولة كردية مستقلة جنوب شرق تركيا.

إعلان

ومع اندلاع حرب الخليج عام 1990 وضعف الدولة العراقية، وجد حزب العمال مساحة أوسع للتحرك شمال البلاد، بالتزامن مع صعود إقليم كردستان العراق. وردت تركيا بتوسيع عملياتها العسكرية عبر الحدود. ومنتصف التسعينيات، حشدت أنقرة أكثر من 300 ألف جندي جنوب شرق البلاد، وشنت عمليات واسعة داخل الأراضي العراقية، بينها عملية "الفولاذ" عام 1995 وعمليتا "المطرقة" و"الفجر" عام 1997.

ولكن الحرب لم تقتصر على المواجهة العسكرية. فقد أخلت القوات التركية آلاف القرى الكردية جنوب شرق البلاد خلال سنوات الصراع، وفق ما أورده التقرير السنوي لحقوق الإنسان في تركيا لعام 1993، مما أدى إلى موجات نزوح واسعة باتجاه مدن مثل ديار بكر وإسطنبول وإزمير وأنقرة.

ويقول المحلل السياسي المختص بالشأن التركي علي أسمر إن أنقرة تنظر إلى القضية الكردية بوصفها ملفا "اجتماعيا وإنسانيا وأمنيا" لا أمنيا فقط، لكنه يشير إلى أن استخدام بعض القوى للورقة الكردية دفع أنقرة إلى التركيز بصورة أكبر على البعد الأمني.

وفي المقابل، خاض حزب العمال حربا داخل المجتمع الكردي نفسه، فاستهدف معلمين ورجال دين ومسؤولين أكرادا اتهمهم بالتعاون مع الدولة، لتتحول المواجهة في بعض مراحلها إلى صراع كردي داخلي شديد القسوة.

أوجلان يراجع أفكاره

مع تصاعد الخسائر، بدأ أوجلان نفسه يعيد النظر في المشروع الذي انطلق به. ففي مارس/آذار 1993 أعلن وقفا لإطلاق النار من جانب واحد، لكن الهدنة انهارت بعد هجوم على حافلة جنود أتراك قتل فيه 33 جنديا، لتعود الحرب بصورة أكثر دموية.

وفي الوقت نفسه، مارست تركيا ضغوطا متزايدة على سوريا لإبعاد أوجلان، فغادر دمشق متنقلا بين اليونان وروسيا وإيطاليا، قبل أن ينتهي به الأمر في كينيا. وفي فبراير/شباط 1999 اعتقل أوجلان في كينيا بمساعدة استخباراتية دولية، ليشكل اعتقاله نقطة تحول ليس فقط في مسيرته، وإنما في الفكر السياسي لحزب العمال أيضا.

فبعد أن كان الحزب يتبنى الماركسية اللينينية ويطالب بإقامة دولة كردية مستقلة، بدأ أوجلان يدفع باتجاه مشروع مختلف يقوم على اللامركزية والحكم المحلي والتنظيم الشعبي، قبل أن يطرح مفهوم "الكونفدرالية الديمقراطية" بوصفه بديلا عن الدولة الكردية المستقلة.

وبموجب هذا التصور، يمكن للأكراد في تركيا وسوريا والعراق وإيران تنظيم أنفسهم سياسيا واجتماعيا ضمن الدول القائمة، بدلا من السعي إلى تغيير الحدود وإقامة دولة منفصلة.

من الحرب إلى طاولة المفاوضات

ورغم التحول الفكري، استمر القتال لسنوات، إلى أن شهد عام 2013 بداية مرحلة جديدة. فقد أطلقت الحكومة التركية إصلاحات سمحت بالتعليم بالكردية في المدارس الخاصة، وخففت القيود المفروضة على استخدام الكردية في الدعاية السياسية والحملات الحزبية، كما سمحت للبلدات والقرى باستعادة أسمائها الكردية القديمة.

وتزامن ذلك مع مفاوضات بين الحكومة وحزب العمال الذي أعلن وقف عملياته الميدانية، وسط آمال بأن تكون تركيا قد دخلت بالفعل طريق الحل السياسي. لكن تلك الآمال لم تستمر طويلا.

سوريا تعيد إشعال الحرب

صيف 2015 انهارت الهدنة، وسط تحولات كبرى فرضتها الحرب السورية. فقد تمكنت جماعات كردية مرتبطة بالحركة الكردية من إقامة إدارة ذاتية في مناطق واسعة شمال شرقي سوريا. وفي الوقت نفسه، أصبحت وحدات حماية الشعب الكردية شريكا رئيسيا للولايات المتحدة في الحرب ضد تنظيم الدولة، قبل أن تتشكل ما تسمى قوات سوريا الديمقراطية بقيادة كردية، وتتلقى دعما وتسليحا أميركيا.

إعلان

ووجدت تركيا نفسها أمام معضلة إستراتيجية: حليفتها في حلف الناتو تقدم السلاح والدعم لقوة تعتبرها أنقرة امتدادا لحزب العمال الكردستاني ومنظمة إرهابية. وتحولت الحدود السورية إلى واحدة من أبرز ساحات الصراع، فيما شنت تركيا عمليات عسكرية متكررة ضد الجماعات الكردية شمال سوريا، واستمرت المواجهة مع حزب العمال داخل تركيا وخارجها.

مبادرة لم يتوقعها كثيرون

بعد سنوات أخرى من القتال، جاءت المبادرة التي أعادت تحريك الملف باتجاه مختلف. ففي عام 2024، دعا دولت بهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية التركية المعروف بمواقفه المتشددة تجاه القضية الكردية، أوجلان إلى الحضور أمام البرلمان والدعوة إلى حل حزب العمال الكردستاني، ضمن ما طرحه تحت شعار "تركيا من دون إرهاب".

وبعد نحو 26 عاما من السجن والعزلة، التقط أوجلان المبادرة وأصدر في فبراير/شباط 2025 بيانا تاريخيا دعا فيه حزب العمال إلى حل نفسه، معلنا أن "الكفاح المسلح قد استنفد مساره".

ويقول المحلل السياسي إن أوجلان كان ينتظر فرصة للانتقال إلى المسار السياسي والتخلي عن السلاح، وإن مبادرة بهتشلي دفعت أوجلان إلى التحرك بسرعة، بصورة فاجأت حتى قيادات الحزب في الجبال التي شككت أول الأمر في جدية المسار الجديد.

هل انتهت الحرب فعلا؟

بعد أكثر من 4 عقود، خلف الصراع ما لا يقل عن 50 ألف قتيل وفق التقديرات الواردة بالتقرير، فيما نزح نحو 3 ملايين كردي خلال تسعينيات القرن الماضي وحدها. وبينما بدأ حزب العمال كتنظيم يساري صغير أسسه طالب علوم سياسية في قرية كردية عام 1978، انتهى مساره العسكري بدعوة من الشخص نفسه الذي يقبع في السجن منذ عام 1999.

لكن السؤال الذي يبقى مفتوحا هو ما إذا كان التصويت البرلماني في أغسطس/آب 2026 يمثل فعلا النهاية النهائية لحزب العمال الكردستاني، أم أنه مجرد نهاية لمرحلة السلاح وبداية مرحلة أخرى من الصراع السياسي حول مستقبل القضية الكردية في تركيا.

فالحرب التي بدأت بالسلاح قد تكون انتهت بوضع السلاح جانبا، لكن جذور القضية التي أشعلتها قبل نحو نصف قرن ما زالت تنتظر تسوية سياسية واجتماعية قادرة على منع عودة الصراع من جديد.



إقرأ المزيد