من كابوس نووي إلى مزار سياحي.. الوجه الآخر لتشرنوبل في "الدحيح"
الجزيرة.نت -

لا تخلو كارثة تشرنوبل النووية من مفاجآت، إذ يستعرض برنامج “الدحيح” حقائق جديدة عن القضية التي تناولها مسلسل غربي، مسلطا الضوء على الجذور الأمريكية لصناعة الطاقة النووية، وقصة الجدات “البابوشكا”.

وتمثل كارثة تشرنوبل النووية إحدى أعنف الكوارث التي شهدها التاريخ البشري، لكن السردية الغربية التي تناولتها الأعمال الدرامية أغفلت حقائق جوهرية حول خلفيات الحادثة وتداعياتها، وتكشف الوقائع أن قصة تشرنوبل لم تبدأ بالانفجار ولم ينته الزمن عندها.

ووفقا لحلقة (29 أغسطس/آب 2026) من برنامج "الدحيح" -الذي يبث على منصة الجزيرة 360 وهذا رابطها– فإن فكرة إنشاء مفاعل نووي وسط التجمعات السكانية لم تكن اختراعا سوفياتيا "شريرا"، بل هي فكرة غربية بالكامل، ويعود ذلك إلى حملة "الذرة من أجل السلام" التي أطلقها الرئيس الأمريكي دوايت آيزنهاور عام 1953، بهدف تغيير الصورة السلبية للطاقة النووية بعد قنبلتي هيروشيما وناغازاكي، وتقنين فكرة استضافتها في قلب المدن لتوفير كهرباء رخيصة.

وتوضح الحلقة أن أول كارثة نووية في التاريخ لم تحدث في الاتحاد السوفياتي، بل في أمريكا، ففي 16 مارس/آذار 1979، وبعد 12 يوما من عرض فيلم "متلازمة الصين" الذي يتناول كارثة نووية في بنسلفانيا، حدثت أخطاء ميكانيكية في المفاعل رقم "2" بمحطة "ثري مايل آيلاند" في بنسلفانيا نفسها، مما تسبب في انصهار وتسرب نووي وأثار ذعرا جماعيا لـ150 ألف شخص.

وفي ليلة 25 أبريل/نيسان 1986 كان الاتحاد السوفياتي يبني المفاعل الرابع في محطة تشرنوبل، وكان الطاقم يجري تجربة أمان روتينية لمعرفة كيفية تبريد المفاعل حال انقطاع الكهرباء.

لكن تجربة الأمان تحولت إلى أكبر تجربة "انعدام أمان في التاريخ" بسبب خطأ بيروقراطي بدأ قبل الانفجار بـ10 ساعات حيث تأجلت التجربة من النهار إلى الليل، وانتقلت العملية من الطاقم المحترف إلى طاقم آخر أقل خبرة.

جدات رفضن الرحيل

وعندما حاول المهندس المسؤول إيقاف المفاعل بالضغط على زر الطوارئ نزلت "قضبان البورون" التي تحتوي في نهايتها على مادة الغرافيت التي تسرع التفاعل بدلا من إيقافه في الثواني الأولى فانفجر المفاعل، ورغم الكارثة أمرت الحكومة بإخلاء مؤقت لمدة 3 أيام، ترك الناس خلالها ممتلكاتهم ظنا منهم أنهم عائدون، لكنهم لم يعودوا إلى الأبد.

غير أن المفاجأة الأكبر التي أشارت إليها الحلقة تكمن في قصة "البابوشكا" -الجدات العجائز باللغة الروسية- اللواتي رفضن العيش في شقق حكومية في كييف وقررن العودة إلى قراهن بجانب المفاعل رغم الإشعاعات، وقلن: "نموت من الإشعاع في أرضنا أفضل من الموت حزنا في الغربة". وبالفعل عاد نحو 2500 شخص، ومن المدهش أن كثيرا منهم لم يموتوا بسبب الإشعاع، بل عاشوا حتى سن الـ90.

وفي السياق ذاته، لم يتوقف مفاعل تشرنوبل عن العمل بعد الانفجار، إذ استمرت المفاعلات "1" و"2″ و"3″ في العمل لسنوات طويلة، ولم يتوقف المفاعل رقم "3" إلا عام 2000 في احتفالية رسمية، بسبب أزمة الطاقة التي كان يعاني منها الاتحاد السوفياتي.

واليوم، تحولت تشرنوبل إلى مزار سياحي يستقبل أكثر من 120 ألف سائح سنويا، يمشون في شوارعها المهجورة ويلتقطون الصور بجانب "أقواس تشرنوبل العظيم"، وتكون كمية الإشعاع التي قد يمتصها الجسم في يوم كامل أقل مما يمتصه في رحلة طيران من القاهرة إلى نيويورك.

وتخلص الحلقة إلى أن تشرنوبل ليست مجرد كارثة نووية مأساوية خليطة من الإهمال والتراخي، بل إنها أيضا رمز للأمل والتعافي، وقصة لطبيعة ازدهرت في غياب البشر، ودروسها لا تزال قائمة حتى اليوم في كيفية التعامل مع الطاقة النووية وأخطائها البشرية.

Published On 29/8/2026

شارِكْ



إقرأ المزيد