الجزيرة.نت - 8/29/2026 5:52:53 PM - GMT (+3 )
Published On 29/8/2026
|آخر تحديث: 17:50 (توقيت مكة)
قبل أن يعرف العالم اسم تلسكوب "نانسي غريس رومان" الفضائي (Nancy Roman Space Telescope)، كانت بعض أهم مكوناته البصرية قد ولدت في عالم مختلف تماما: عالم أقمار الاستطلاع (التجسس) العسكري السرية.
بدأت القصة عام 1999، عندما منح "المكتب الوطني للاستطلاع الأمريكي" شركة "بوينغ" عقد تطوير برنامج "العمارة المستقبلية للتصوير" لتطوير جيل جديد من أقمار الاستطلاع. لكن البرنامج واجه مشكلات تقنية وتأخيرات وتكاليف متزايدة، فأعيدت هيكلته وأُلغي الجزء الذي كانت بوينغ تطوره بحلول عام 2005.
بعد سنوات، وفي عام 2012، أبلغ المكتب وكالة الفضاء الأمريكية ناسا بوجود عتاد بصري فائض من البرنامج، لتجد الوكالة نفسها أمام مجموعتين من التلسكوبات بمرآة قطرها 2.4 متر، أي بحجم مرآة تلسكوب هابل الفضائي تقريبا.
لم تكن هذه بداية تلسكوب "رومان" نفسه، ولا كان المرصد المدني مشروعا عسكريا أزيلت عنه السرية ثم أطلق إلى الفضاء. القصة الأدق أن ناسا حصلت على بصريات صممت أصلا لأغراض التجسس، ثم درست إمكان إعادة استخدامها في مهمات علمية مدنية.
وفي عام 2013، خلصت دراسة رسمية إلى أن إحدى هذه التجميعات يمكن أن تعزز قدرات مشروع تلسكوب كان يعرف آنذاك باسم "دبليو فيرست" (WFIRST)، والذي أصبح لاحقا تلسكوب "رومان".
وهنا بدأت رحلة التحول، إذ لم تأخذ ناسا المرآة وتضعها مباشرة داخل رومان؛ فقد خضعت البصريات لفحوص هندسية وتعديلات واسعة لتتلاءم مع متطلبات علم الفلك.
فأعادت شركة "إل3 هاريس تكنولوجيز" (L3Harris Technologies) تشكيل المرآة وتعديل سطحها، ثم غطته بطبقة فضية يقل سمكها عن 400 نانومتر، لتعزيز كفاءتها في رصد الأشعة تحت الحمراء القريبة. ويبلغ متوسط نتوءات سطح المرآة نحو 1.2 نانومتر فقط.
إعلان
واللافت أن المرآة، رغم قطرها البالغ 2.4 متر، تزن نحو 186 كيلوغراما، أي أقل كثيرا من مرآة هابل ذات الحجم المقارب.
لماذا كانت هناك حاجة إلى هذه المرايا في الجيش؟تكشف قصة رومان جانبا أقل ظهورا من تاريخ التكنولوجيا الفضائية. فالتلسكوب الفلكي وقمر الاستطلاع يعتمدان على المبدأ الفيزيائي نفسه: جمع الضوء وتحويله إلى صور يمكن تحليلها. وكلما كبرت الفتحة البصرية، أمكن جمع كمية أكبر من الضوء، مع تحسن القدرة على تمييز التفاصيل، وإن كانت الدقة النهائية تعتمد أيضا على الطول الموجي والاستقرار والارتفاع ومعالجة الصور.
ولهذا فإن امتلاك الجيش الأمريكي مشروعات لبناء مرايا فضائية كبيرة ليس أمرا غريبا. فقد كانت مثل هذه البصريات مخصصة لرصد أهداف أرضية من الفضاء، والحصول على صور عالية الدقة، ضمن منظومات استطلاع تعتمد على الأقمار الصناعية لا يزيد ارتفاعها عادة عن بضع مئات من الكيلومترات، مقارنة بما ترصده التلسكوبات الفلكية في مسافات الكون الشاسعة.
لكن تفاصيل القدرات التشغيلية الفعلية للبرامج السرية لا يمكن استنتاجها كلها من حجم المرآة وحده، ولا تتوافر عنها بالضرورة معلومات علنية كاملة.
وتكمن المفارقة في أن جزءا من التكنولوجيا التي احتاجت إليها الاستخبارات العسكرية وجد طريقه لاحقا إلى البحث العلمي. فـ"رومان" يوضح كيف يمكن لتكنولوجيا باهظة الثمن طورت لأغراض أمنية أن تتحول، بعد انتهاء مهمتها الأصلية، إلى أداة لدراسة المجرات والثقوب السوداء والكواكب البعيدة.
هل التكنولوجيا العسكرية تسبق المدنية دائما؟تفتح القصة بابا أوسع على مفهوم "التكنولوجيا مزدوجة الاستخدام"، حيث يمكن للتقنية نفسها أن تخدم أهدافا عسكرية ومدنية. وقد شهد التاريخ انتقال تقنيات بدأت في مؤسسات عسكرية أو استفادت من تمويل عسكري إلى الاستخدام المدني، مثل تقنيات الاتصالات، والملاحة بالأقمار الصناعية، والتصوير الرقمي، وغيرها.
لكن القول إن التكنولوجيا العسكرية تسبق المدنية دائما سيكون مبالغة؛ فالتقدم يحدث في الاتجاهين، وكثير من التقنيات المدنية تنتقل بدورها إلى الاستخدامات العسكرية. مع ذلك، تمنح المشاريع العسكرية السرية أحيانا تمويلا ضخما واحتياجات شديدة الصعوبة، ما يدفع إلى تطوير تقنيات قبل أن تصبح مجدية تجاريا أو متاحة للجمهور.
وهنا تكمن أكثر أجزاء قصة "رومان" إثارة، وهو أن ما وصل إلى ناسا لم يكن "أحدث سلاح سري"، بل عتادا عسكريا فائضا عمره سنوات أصبح مفيدا للعلم بعد إعادة تأهيله. فربما تكون قصة "رومان" دليلا على أن لدى المؤسسات العسكرية اليوم علما متقدما بعقود، لكنه في ذات الوقت يقدم لمحة حقيقية عن كيفية انتقال الابتكار من مجال إلى آخر.
في النهاية، لا تكمن أهمية رومان في أن له "ماضيا عسكريا" فحسب، بل في الطريقة التي تحولت بها تلك البصريات من أداة صممت للنظر إلى الأرض إلى مرصد ينظر إلى أعماق الكون. هذه الرحلة تختصر واحدة من أهم قواعد التقدم العلمي، وهي أن المعرفة لا تبدأ من الصفر، والتكنولوجيا التي طورت لهدف قد تجد لاحقا وظيفة لم يتوقعها صانعوها.
إعلان
يذكر أن المركبة تحمل على متنها قرصا ذكيا عليه أسماء أكثر من 1.3 مليون شخص أبدوا اهتمامهم في الحملة، لتسافر أسماؤهم مع تلسكوب "رومان" إلى نقطة لاغرانج الثانية، على بعد نحو 1.5 مليون كيلومتر من الأرض.
إقرأ المزيد


