بسكويت من البلاستيك.. ابتكار غريب يحول النفايات إلى طعام
الجزيرة.نت -

Published On 1/9/2026

يقترن البلاستيك دوما بالتلوث، فتصنيعه يعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفوري، ويستغرق تحلله أجيالا، وتُلوث مخلفاته المجهرية كوكبنا وأجسامنا أيضا، لكن مهندسي الكيمياء في جامعة جنوب إلينوي  الأمريكية، نجحوا في تطوير طريقة مدعومة من وكالة ناسا لتحويل البلاستيك السام إلى مادة صالحة للأكل، وهي البسكويت.

ووفقا لدراسة عُرضت في الاجتماع الخريفي للجمعية الكيميائية الأمريكية، تمكن الباحثون من إعادة برمجة الخمائر حتى تقوم بتحويل البلاستيك، وحتى النفايات الزراعية، إلى جزيئات مُنكهة وبروتينات سهلة الهضم.

ويشرح لاهيرو جاياكودي، عالم الأحياء الدقيقة في جامعة جنوب إلينوي، أصل الفكرة قائلا في بيان صحفي رسمي: "كنا نحاول تطوير تقنيات لإعادة تدوير البلاستيك لإنتاج منتجات ذات قيمة أكبر. ففكرنا، لمَ لا نُركز على صناعة الغذاء؟ لأن البلاستيك مكون من الكربون، والغذاء مكون من الكربون أيضا".

وتركز طريقة الفريق على بولي إيثيلين تيريفثالات، وهو نوع شائع يُستخدم عادة في زجاجات المياه البلاستيكية، وهذه المادة غنية بالكربون، مما يعني إمكانية إعادة استخدامها نظريا في إنتاج جزيئات شبيهة بالبروتين.

ويمكن تحقيق ذلك في المختبر باستخدام المذيبات والمواد الكيميائية المضافة، ولكن ثمة خيار إبداعي آخر يتمثل في الاستعانة بالكائنات الدقيقة كالخميرة.

وليست هذه المرة الأولى التي يعيد فيها العلماء برمجة هذه الكائنات الدقيقة لخدمة البشرية. فعلى سبيل المثال، كان إنتاج الأنسولين يعتمد سابقا على استخلاص الهرمون من بنكرياس الحيوانات، لكن الصناعة تعتمد الآن بشكل أساسي على الخمائر المعدلة وراثيا. ويرغب جاياكودي في تطبيق مبادئ مماثلة لحل مشكلة البلاستيك العالمية. وقال: "أعتقد أن الحل يكمن في استخدام الكائنات الدقيقة".

برمجة أنواع مختلفة من الخمائر

وتبدأ العملية باستخدام بلاستيك "بولي إيثيلين تيريفثالات"، المستخدم على نطاق واسع في زجاجات المياه والمشروبات، إلى جانب مخلفات زراعية مثل سيقان الذرة، وتخضع هذه المواد لعملية كيميائية تعرف باسم "الإذابة الحرارية المائية التأكسدية"، تعتمد على المياه والأكسجين تحت درجات حرارة وضغوط مرتفعة للغاية.

إعلان

ولا تهدف هذه الخطوة إلى تحويل البلاستيك أو المخلفات إلى غذاء مباشرة، وإنما إلى تفكيك تركيبها الكيميائي المعقد إلى جزيئات ومركبات عضوية أصغر يمكن للكائنات الدقيقة التعامل معها.

وهنا يأتي دور الخميرة، فقد أعاد الباحثون هندسة خمائر وراثيا، بما في ذلك أنواع تستخدم عادة في صناعة الخبز، بحيث تصبح قادرة على استهلاك بعض المركبات التي تنتج عن تفكيك البلاستيك والكتلة الحيوية الزراعية.

وبمجرد إضافة الخميرة المعدلة إلى المحلول الناتج، تبدأ في استهلاك هذه المركبات وتحويلها عبر عملياتها الأيضية إلى مواد جديدة، من بينها الأحماض والدهون والبروتينات التي يمكن استخدامها كمكونات غذائية.

بعد ذلك، تُخلط هذه المكونات مع مواد أخرى مثل النشويات والمحليات لتكوين عجينة، ثم تُستخدم الطباعة ثلاثية الأبعاد لتشكيلها في صورة بسكويت عالي البروتين أطلق عليه الباحثون اسم "مايكرو بايتس".

يرى الباحثون أن هذه التقنية قد تكون مفيدة في البيئات التي تعاني من محدودية الموارد، مثل الغواصات والرحلات الفضائية طويلة المدى (رويترز)

وبذلك لا تعني الطريقة أن البلاستيك يدخل إلى البسكويت في صورته الأصلية، بل يمر بسلسلة من المراحل تبدأ بتفكيكه كيميائيا، ثم استخدام نواتج التفكيك بواسطة الخميرة المعدلة لإنتاج مركبات عضوية جديدة، قبل إدخالها في تركيبة غذائية.

ورغم أن النتائج الأولية تشير إلى إمكانية إنتاج هذه المكونات، فإن سلامة المنتجات للاستهلاك البشري تحتاج إلى اختبارات وموافقات تنظيمية قبل إجراء اختبارات التذوق الفعلية. ولذلك فإن التقييمات الحالية لا تتعلق بتذوق البسكويت، وإنما شملت خصائص مثل الرائحة.

ولا يتوقف المشروع عند إنتاج البسكويت، إذ يعمل الباحثون أيضا على إعادة برمجة الخمائر لإنتاج نكهة الفانيليا من الكتلة الحيوية النباتية، فضلا عن تحويل مركب "الإيثيلين غليكول" الناتج عن تفكيك بلاستيك "بولي إيثيلين تيريفثالات" إلى بيتا كاروتين، وهو مركب يمكن للجسم تحويله إلى فيتامين "إيه".

البيئات محدودة الموارد

ويرى الباحثون أن هذه التقنية قد تكون مفيدة في البيئات التي تعاني من محدودية الموارد، مثل الغواصات والرحلات الفضائية طويلة المدى، وهو أحد أسباب حصول المشروع على دعم من وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا".

لكن أهمية الفكرة قد تتجاوز استكشاف الفضاء، إذ تقوم فلسفتها الأساسية على الاستفادة من الكائنات الدقيقة باعتبارها "مصانع حيوية" قادرة، بعد إعادة برمجتها، على تحويل مواد مهملة إلى مواد ذات قيمة، في وقت يتوقع فيه ارتفاع الطلب العالمي على الغذاء خلال العقود المقبلة.

وبهذه الطريقة، يحاول الباحثون الانتقال من مفهوم "إعادة تدوير النفايات" إلى مفهوم أكثر طموحا، هو "إعادة تدوير الكربون والمواد العضوية وتحويلها إلى مكونات غذائية"، باستخدام الخميرة كحلقة وصل بين النفايات والغذاء.



إقرأ المزيد