الجزيرة.نت - 9/1/2026 7:04:51 PM - GMT (+3 )
يستعيد فيلم “مدارس أم سجون؟” شهادات سوريين عن العقاب والخوف والتلقين السياسي داخل المدرسة، من “غرفة الفئران” والضرب على الأيدي إلى ساحات الاصطفاف والتربية العسكرية.
وبين ذاكرة طلاب كبروا وهم يحملون خوف المدرسة، ومشهد أطفال درعا، يضع الفيلم سؤالا: متى فقدت المدرسة معناها كمساحة للتربية والتعليم، وأصبحت مكانا للمراقبة والضبط والتعذيب؟
حين أخطأ عبد السلام صبوح في الصف الرابع، لم يكن العقاب مجرد توبيخ أو حرمان من حصة. يقول في فيلم “مدارس أم سجون؟.. طلائع الخوف وشبيبة الطاعة” إن معلمته اقتادته إلى ما كان الطلاب يسمونه “غرفة الفئران”.
كانت، بحسب شهادته، مستودعا صغيرا ومتسخا داخل المدرسة، مليئا بالحشرات. أُغلق عليه الباب طوال حصة دراسية، فجلس خائفا يترقب -كما يقول- خروج فأر من زوايا المكان المعتمة. وحين فُتح الباب، يصف شعوره بأنه يشبه “سجينا بقي عشر سنوات ثم خرج وتذوق الحرية”.
تفتح الوقائع بابا للسوريين لذاكرة مشتركة يرويها مشاركون عن العقاب والخوف والإذلال، وعن مبان مدرسية بدت لهم -بأسوارها العالية وأبوابها الثقيلة ونوافذها الحديدية- أقرب إلى فضاء للضبط منها إلى مكان للتعلم.
(لمشاهدة الفيلم كاملا عبر الرابط التالي)
قبل “غرفة الفئران”، يستعيد صبوح شكلا آخر من العقاب ظل عالقا في ذاكرته: الضرب بالعصا على اليدين. يقول إن الضرب على باطن اليد كان مؤلما، لكن بعض المعلمين كانوا يطلبون من الطفل قلب يده ليضربوه على ظهرها، حيث العظام. ويروي أن الطفل لم يكن يملك قدرة على تحمّل ذلك، وأن الضرب كان يشعره أحيانا بأنه ليس عقوبة تربوية، بل عنف شخصي.
وتستعيد ميرنا العيسى تجربة مشابهة، حين ضُربت هي وزميلتها بالعصا على أيديهما، قبل أن تحاولا تخفيف حرارتها بوضعها على حديد المقاعد المدرسية البارد.
وتتجاوز الشهادات في الفيلم الألم الجسدي إلى الإهانة اللفظية. فصبوح يقول إن كلمات المعلم قد تترك أثرا أقسى من ضربة العصا أو الصفعة، في وصف يكشف كيف بقيت المدرسة، لدى بعض من مروا بها، مرتبطة بالخوف حتى بعد سنوات طويلة.
يصف عبد السلام صبوح لحظة دخول المدرسة بأنها كانت تشبه، في إحساسه، دخول ثكنة عسكرية: جدران رمادية مرتفعة، شبابيك حديدية، وجرس حاد. أما ميرنا العيسى فتقول إن تكرار شكل المدارس وصرامة فضائها جعلاها تبدو في نظرها “سجنا”.
وهنا لا يكتفي الفيلم بشهادات الطلاب السابقين، بل يستعين بالمعماري والمخطط المدني خالد تميم نصار، الذي يقرأ تصميم بعض الأبنية المدرسية بوصفه انعكاسا لمركزية السلطة وفكرة المراقبة من ممرات طويلة مستقيمة، صفوف متشابهة، إلى ساحات محاطة بجدران عالية قليلة الخضرة.
ولا تقف دلالة "السجن " عند القراءة المعمارية التي يقدمها ضيف الفيلم؛ إذ تستعيد شهادات المشاركين المدرسة بوصفها فضاء للخوف والعقاب والإذلال. في لغتهم، تحضر مفردات السجن والمعتقل لتصف تجربة عاشها طلاب خلف الأسوار والأبواب المغلقة، حيث كان الجرس والاصطفاف والعصا جزءا من سلطة لا من تعليم.
يتتبع الفيلم أيضا ما يصفه ببناء منظومة تبدأ في الطفولة عبر طلائع البعث، ثم شبيبة الثورة، وصولا إلى الفتوة أو التربية العسكرية في المرحلة الثانوية.
وتروي سهير أومري كيف كان الأطفال يرددون في الاصطفاف الصباحي عبارات وشعارات سياسية لا يفهمون دلالاتها الكاملة في سن مبكرة. كما تتحدث عن سطوة مدرب الفتوة داخل المدرسة، وعن عقوبات بدنية مهينة في المعسكرات، بينها الزحف على الحصى أمام الطلاب.
وتروي أومري واقعة تعرضها للصفع يوم ارتدت الحجاب. وفي شهادة أخرى، يوضح محمد سعيد الحاج، الذي عمل مدربا للفتوة، أن البرنامج تغيّر بمرور السنوات من فكرة إعداد بدني ودفاعي إلى أداة ارتبطت، وفق الفيلم، بالتعبئة الأيديولوجية والانضباط السياسي.
عند هذه النقطة، يعيد الفيلم المشاهد إلى درعا عام 2011. فبين الجدران التي رُسمت لتضبط الحركة والكلام، كُتبت شعارات مناهضة للنظام على جدار مدرسة الأربعين، في حادثة ارتبطت ببدايات الاحتجاجات السورية.
ويعرض الفيلم صورا أرشيفية للشعارات، ويضع قصة الأطفال في سياق معاكس لفكرة “الترويض” التي يناقشها: مدرسة أريد لها أن تنتج الطاعة، لكنها أصبحت أحد الأماكن التي خرجت منها أولى عبارات الاحتجاج.
ولا يقف الأمر عند رمزية الكتابة. فقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش أن اعتقال أطفال من درعا وتعذيبهم في مارس/آذار 2011 كان من العوامل التي فجرت الغضب وكانت شرارة الثورة السورية.
وفي ذلك العام نُقل عن ناشطين وحقوقيين أن طلابا في درعا ومناطق سورية أخرى واجهوا الاعتقال والعنف، وأن مدارس تحولت في سياق الاحتجاجات إلى أماكن يتظاهر فيها الطلاب أو يتعرضون فيها للملاحقة.
وفي المقطع التالي، تقرير للجزيرة -أعده ماجد عبد الهادي- عن قصة أطفال درعا وشرارة الثورة السورية في ذكراها الأولى عام 2011.
بين ذاكرة العقاب وواقع الحربمن “غرفة الفيران” إلى الزنازين التي عرفتها بعض المدارس في سنوات الحرب، يلاحق الفيلم الخيط نفسه: طفل يدخل المدرسة بحثا عن المعرفة، فيجد فيها الخوف والإهانة والسلطة. ليست التجربتان شيئا واحدا، لكنهما تلتقيان في ذاكرة سورية ظل فيها باب المدرسة، عند كثيرين، بابا لا يفتح دائما على التعليم.
وفي هذا السياق، كشفت دراسة للشبكة السورية لحقوق الإنسان أن مدارس في سوريا استُخدمت مراكز اعتقال وتعذيب وثكنات عسكرية، إلى جانب أضرار واسعة لحقت بالمباني التعليمية.
أما اليوم، فما زال التعليم في سوريا يواجه أزمة عميقة. وتقول يونيسف إن قرابة 8 آلاف مدرسة غير عاملة، وإن نحو 2.4 مليون طفل خارج المدرسة، وهي أرقام تجعل سؤال الفيلم عن المدرسة السورية سؤالا عن الحاضر والمستقبل أيضا، لا عن ذاكرة جيل مضى فقط.
Published On 1/9/2026
شارِكْ
إقرأ المزيد


