الجزيرة.نت - 9/4/2026 9:18:01 PM - GMT (+3 )
Published On 4/9/2026
لا تتعلق المعركة الجارية أمام محكمة فيدرالية في بوسطن ببطاقة اقتراع واحدة، بل بالجهة التي تملك تنظيم وصولها إلى الناخب.
وفي تقرير للجزيرة أعده أحمد الرهيد من بوسطن، تتقابل رؤيتان: تريد الولايات من خدمة البريد الأمريكية أن تبقى ناقلا لبطاقات الاقتراع التي تصدرها وفق قواعدها، فيما تسعى الإدارة إلى تطبيق متطلبات فيدرالية جديدة قد تجعل نقل البطاقة مشروطا بإدراج الناخب في قائمة مخصصة، وبمواصفات للمظروف ورمز شريطي فريد "باركود ".
واختتمت المحكمة جلسة استماع بشأن طلب ولايات ومنظمات حقوقية تمديد تجميد مؤقت للقواعد الجديدة، من دون صدور قرار نهائي بعد. ويرى الطاعنون أن اللائحة تتجاوز صلاحيات السلطة الفيدرالية، وقد تربك الاستعدادات لانتخابات نوفمبر/تشرين الثاني، بينما تقول الإدارة إن هدفها هو تتبع البطاقات وتعزيز نزاهة الاقتراع.
وكان الأمر التنفيذي الصادر عن البيت الأبيض في 31 مارس/آذار 2026 قد وجّه مدير عام خدمة البريد إلى بدء إجراءات لإصدار قواعد تخص بطاقات الاقتراع البريدية والغائبة. وتشمل المتطلبات الواردة فيه أن يحمل ظرف البطاقة علامة البريد الانتخابي الرسمي، وأن يكون متوافقا مع المعالجة الآلية، وأن يتضمن رمزا شريطيا فريدا يتيح تتبعه.
وتنص الآلية التي طلبها الأمر التنفيذي على أن تقدم الولاية، إذا اختارت استخدام خدمة البريد لإرسال بطاقات الاقتراع، إشعارا قبل 90 يوما من الانتخابات، وأن تبين قبل 60 يوما ما إذا كانت ستقدم قائمة بالناخبين الذين ستصلهم بطاقات عبر البريد. كما تقترح ألا تنقل خدمة البريد بطاقات مرسلة إلى أشخاص غير مدرجين في قائمة المشاركة الخاصة بالولاية.
لكن هذه التفاصيل التقنية تخفي نزاعا أكبر: ففي الآلية المعمول بها حاليا، تحدد الولاية من يحق له التصويت بالبريد وترسل إليه البطاقة، بينما يقتصر دور خدمة البريد على نقلها وتسليمها. أما في الصيغة الجديدة، فقد يصبح للبريد دور سابق في التحقق من استيفاء شروط نقل البطاقة.
تقول الولايات والمنظمات الطاعنة، إن تنظيم الانتخابات من صلاحيات الولايات والكونغرس، وإن الرئيس أو خدمة البريد لا يملكان إعادة كتابة قواعد التصويت عبر البريد. وهنا يكمن جوهر القضية: هل يمكن استخدام متطلبات البريد لتحديد من تنتقل إليه بطاقة الاقتراع؟ أم أن هذه الخطوة تتداخل مع سلطة الولايات في إدارة انتخاباتها؟
إعلان
ولا تملك إدارات الانتخابات ترف الانتظار حتى يوم الاقتراع. فإعداد البطاقات وتجهيز المظاريف وتحديث بيانات الناخبين يبدأ قبل موعد التصويت بوقت طويل، والأمر التنفيذي نفسه يتحدث عن مهلة إخطار خدمة البريد قبل 90 يوما من الانتخابات، وعن قوائم ترسل قبل 60 يوما، مع إمكان تحديثها لاحقا.
هذا يعني أن أي تغيير في آلية القوائم أو الرموز الشريطية أو تصميم المظاريف لا يبقى تفصيلا إداريا. فقد يتحول إلى ضغط عملي على الولايات التي تستعد لإرسال البطاقات، وعلى الناخب الذي ينتظر وصولها في الوقت المناسب.
ويتحدث المحامي دانيال هافرنن عن عمله مع أطفال وبالغين من ذوي الإعاقة، ويقول إن التغييرات قد تحرم كثيرين، بمن فيهم ابنه من ذوي الإعاقة، من التصويت. وفي شهادته، يشير أيضا إلى وجود شخص بالغ في عائلته يعاني إعاقة شديدة.
بالنسبة إلى بعض الناخبين، لا يكون التصويت بالبريد مجرد خيار مريح، بل وسيلة عملية للوصول إلى الاقتراع عندما يصعب عليهم الذهاب إلى مركز التصويت.
وتقدم تركيا نموذجا مختلفا في الفكرة لا في الآلية. فبحسب الهيئة العليا للانتخابات التركية، يمكن للناخبين الملازمين للفراش بسبب المرض أو الإعاقة التصويت عبر صناديق متنقلة.
ولا يمثل الصندوق المتنقل بديلا مباشرا عن التصويت بالبريد الأمريكي، لأن النظامين مختلفان. لكنه يسلط الضوء على السؤال نفسه: هل يصل الناخب إلى الصندوق، أم يصل الصندوق إلى الناخب؟
يعرض التقرير أيضا الرأي المقابل. فعضو الحزب الجمهوري جورج كامبل يقول إن بطاقة اقتراع والدته ما زالت تصل إلى منزله رغم انتقالها إلى ولاية أخرى، وكذلك بطاقة شقيقة زوجته المتوفاة.
ويقول إنه يتخلص منهما، لكنه يرى أنه كان يمكنه تعبئتهما وإعادتهما بالبريد، متسائلا عن مستوى الرقابة. وتقول الإدارة إن الرموز الفريدة على مظاريف البطاقات ستتيح التتبع والمراجعة، وتساعد في حماية نزاهة الانتخابات عبر البريد.
لكن خصوم اللائحة لا يرفضون فكرة التأمين في ذاتها، بقدر ما يعترضون على الجهة التي تفرض القواعد وتوقيت تطبيقها. فالتصويت بالبريد يمر بسلسلة طويلة: ناخب مسجل، وولاية تعد البطاقة، وبريد ينقلها، ثم موظفون محليون يدققونها. وأي شرط جديد في منتصف هذه السلسلة قد يغير توازن الصلاحيات بين أطرافها.
ليس هذا أول صدام سياسي وقضائي حول التصويت بالبريد في الولايات المتحدة. ففي انتخابات 2020، أدى وباء كورونا إلى توسيع الاعتماد على التصويت الغيابي والبريدي في ولايات عدة، وتحول ذلك إلى محور سجال حاد بعدما شكك الرئيس دونالد ترمب في نزاهة هذا النمط من الاقتراع.
وبعد الانتخابات، رفعت حملته دعاوى في ولايات عدة، بينها بنسلفانيا، طعنت في إجراءات مرتبطة بالتصويت البريدي. لذلك يأتي النزاع الجديد امتدادا لجدل قديم، لكن ساحة الخلاف هذه المرة تنتقل إلى شروط نقل بطاقة الاقتراع نفسها.
ما الذي يرتقب من المحكمة؟القرار المنتظر لا يحسم كل الجدل الأمريكي بشأن التصويت بالبريد، لكنه قد يحدد ما إذا كانت المحكمة ستمدد التجميد المؤقت للبنود الأساسية من اللائحة، أم ستفسح المجال أمام تنفيذها خلال الاستعداد للانتخابات.
إعلان
وإذا مددت المحكمة التجميد، ستواصل الولايات العمل بالآلية السارية حاليا ريثما تستمر المعركة القضائية. أما إذا لم تمدده، فستواجه إدارات الانتخابات تحدي إدخال شروط جديدة على مسار حساس يبدأ من إعداد البطاقة وينتهي بصوت داخل صندوق الاقتراع.
لذلك، لا تمثل قضية بوسطن نقاشا تقنيا عن مظروف أو رمز شريطي فقط، بل خلافا على من يملك سلطة تنظيم الطريق بين بطاقة الاقتراع والناخب. وبين مطلب تسهيل وصول ذوي الإعاقة وغيرهم إلى التصويت، ومطلب تشديد الرقابة على البطاقات البريدية، يبقى قرار المحكمة المرتقب اختبارا لحدود دور البريد الفيدرالي في انتخابات تديرها الولايات.
إقرأ المزيد


