معارك الصفحات البيضاء.. هل يسرق الذكاء الاصطناعي عقول الطلاب؟
الجزيرة.نت -

Published On 4/9/2026

في دراسة عن السلوك المعرفي البشري، توصل عالم النفس والأستاذ في جامعة سانت لويس الأمريكية رونالد كيلوغ إلى نتيجة لافتة، مفادها أن كتابة مقال إقناعي بسيط قد تستنزف من طاقة العقل وقدراته ما يوازي الجهد البدني الشاق الذي يبذله عامل في حفر خندق يدويا.

فالكتابة الجيدة ليست مجرد رصّ للكلمات أو تطبيق لقواعد اللغة، وإنما عملية ذهنية معقدة تتطلب استدعاء المعلومات من الذاكرة، والتعمق في الموضوع، وترتيب الأفكار، ثم صياغتها ومراجعتها وتنقيحها حتى تخرج في صورة واضحة ومتماسكة.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

ولأن معظم الناس لا يخوضون يوميا تجربة شاقة كحفر الخنادق بأيديهم، فلا يبدو مستغربا أن يسارع الطلاب إلى استخدام أي أداة تقنية تعفيهم من مشقة مواجهة الصفحة البيضاء. وتشير استطلاعات أكاديمية إلى أن نسبة استخدام طلاب المدارس الثانوية والجامعات لأدوات الذكاء الاصطناعي في أداء الواجبات وكتابة المقالات تتراوح بين الثلثين و90%.

غير أن هذه السهولة التكنولوجية تثير قلقا متزايدا لدى المعلمين والتربويين؛ إذ يخشون أن يفقد الطلاب تدريجيا قدرتهم على تدريب عقولهم، وبلورة أفكارهم، والتعبير عنها في مقالات متماسكة من دون الاستناد إلى "عكازات تكنولوجية". ولا يقتصر الخطر هنا على تراجع مهارات الإملاء وقواعد اللغة، بل يمتد إلى قدرات أعمق، مثل التفكير النقدي، وتنظيم الأفكار، وبناء الحجج، والتعبير المستقل.

الكتابة اليدوية تجبرنا على إخضاع أفكارنا لاختبارات الإجهاد، وتدفعنا للمراجعة وإعادة الصياغة (غيتي)
العودة إلى الدفاتر الورقية

بحسب صحيفة "نيويورك تايمز" (New York Times) الأمريكية، بدأ عدد متزايد من المعلمين في الولايات المتحدة ودول غربية أخرى العودة إلى وسائل التقييم التقليدية داخل الفصول، مثل الورقة والقلم والدفاتر والاختبارات الفورية، في محاولة لضمان إنجاز الطلاب مهامهم بأنفسهم، بعيدا عن روبوتات الدردشة وأدوات الذكاء الاصطناعي.

إعلان

ويبدو هذا التوجه مثيرا للاستغراب في نظر قادة قطاع التكنولوجيا في "وادي السيليكون"، مركز الابتكار التكنولوجي والذكاء الاصطناعي ورأس المال الاستثماري في ولاية كاليفورنيا. ويرى بعض مسؤولي الشركات التقنية أن إبعاد الذكاء الاصطناعي عن المدارس قد يمثل ممارسة تعليمية خاطئة، لا سيما أن استخدامه في الكتابة أصبح مهارة مطلوبة في كثير من بيئات العمل الحديثة. ومن وجهة نظرهم، لا معنى لإجبار الإنسان على تحمل مشقة مهمة تستطيع الآلة إنجازها بلغة سلسة وتراكيب دقيقة.

غير أن خبراء التربية وعلم النفس المعرفي يعترضون على هذا المنطق؛ لأن قيمة الكتابة المستقلة لا تقتصر على جودة النص النهائي، بل تشمل العمليات الذهنية التي يخوضها الإنسان في أثناء إنتاجه. فالمشقة المصاحبة للكتابة تسهم في تنمية التفكير النقدي، وتعزيز مهارات التخطيط والتنظيم، وتطوير "ما وراء المعرفة" ، أي قدرة الفرد على فهم طريقة تفكيره، وفحص الافتراضات، واختبار الآراء البديلة، ومراجعة استنتاجاته.

ووفقا لأبحاث عالم النفس رونالد كيلوغ حول "سيكولوجية الكتابة"، فإن الصعوبة ليست عيبا ينبغي التخلص منه دائما، بل قد تكون جزءا أساسيا من عملية التعلم؛ لأن الجهد الذي يبذله الطالب في البحث عن الفكرة وتنظيمها وصياغتها ومراجعتها هو ما يساعده على بناء قدراته المعرفية، وليس مجرد الوصول إلى نص صحيح لغويا.

كيف تؤثر التكنولوجيا على النشاط الدماغي للمتعلم؟

في دراسة أجراها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، تبين أن الأفراد الذين كتبوا بالتعاون مع روبوتات الذكاء الاصطناعي، سجلوا نشاطا دماغيا أقل أثناء عملية الكتابة مقارنة بأولئك الذين اعتمدوا على أنفسهم كليا. والأكثر إثارة للقلق أن الذين استخدموا التكنولوجيا واجهوا صعوبة كبيرة في تذكر ما كتبوه بالفعل، ولم يشعروا بـ "الملكية الفكرية" أو الانتماء لما أنتجته أيديهم.

تتفق هذه النتائج مع أطروحة ناعومي بارون، مؤلفة كتاب (من كتب هذا؟)، والتي تؤكد أن الكتابة اليدوية تجبرنا على إخضاع أفكارنا لاختبارات الإجهاد، وتدفعنا للمراجعة وإعادة الصياغة، وهذا بمثابة تمرين يومي على النقد الذاتي وتطوير الشخصية. ولكن عندما نسند هذه المهمة للذكاء الاصطناعي، فإننا لا نخسر مهارات القواعد فحسب، بل نفقد السيطرة على بناء إدراكنا المستقل.

أظهر استطلاع أجراه "معهد سياسات التعليم العالي" أن أكثر من نصف الطلاب باتوا يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لمساعدتهم في أداء التكليفات والمهام الدراسية، فيما أقر نحو 5% باستخدامها في الغش.

وبحسب صحيفة "تايمز للتعليم العالي" ، يصعب تحديد الحجم الدقيق للظاهرة بسبب تفاوت آليات الرصد والتوثيق بين الجامعات. ومع ذلك، تشير البيانات المتاحة إلى ارتفاع ملحوظ في حالات الغش داخل جامعات "مجموعة راسل" البريطانية، إذ سجل بعضها زيادة وصلت إلى 15 ضعفا.

أكثر من نصف الطلاب يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في المهام الدراسية (الجزيرة/مولدة بالذكاء الاصطناعي)
التوازن المطلوب: مساعد لا بديل

لا يدعو خبراء التربية إلى رفض الذكاء الاصطناعي تماما، أو تجاهل التحولات التكنولوجية المتسارعة. ويشير ستيف غراهام، خبير تعليم الكتابة في جامعة ولاية أريزونا، إلى أن هذه الأدوات قد تقدم دعما مهما للطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة وغير الناطقين باللغة الإنجليزية؛ إذ تساعدهم على تصحيح الأخطاء اللغوية وتجاوز رهبة البدء أمام الصفحة البيضاء.

إعلان

لكن هذه الفوائد لا تلغي ضرورة وضع حدود واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي. فالقضية لا تتعلق فقط بتعلم أداة قد يحتاج إليها الطالب في سوق العمل مستقبلا، وإنما بحماية نموه العقلي وقدرته على التفكير المستقل. فإذا أُسندت إلى الآلة مهمات التفكير والصياغة والمراجعة والتنقيح، فكيف سيتمكن الطالب من اكتشاف أفكاره وفهم ما يريد التعبير عنه حقا؟

قد يكون حظر التكنولوجيا بالكامل أمرا غير واقعي، لكن الاعتماد عليها بلا ضوابط يهدد بإضعاف قدرة الأجيال الجديدة على التعبير عن الذات وتكوين الرأي المستقل. ومن ثم، فإن الحفاظ على مساحة للكتابة الفردية واليدوية داخل المدارس لا يمثل عودة إلى الماضي، بل وسيلة ضرورية لتدريب أهم أداة معرفية يمتلكها الإنسان: عقله.



إقرأ المزيد