الجزيرة.نت - 9/4/2026 11:24:48 PM - GMT (+3 )
لم يكن التوقيع على اتفاقية الدفاع المشترك في مكة المكرمة بين تركيا والسعودية وباكستان في السابع من أغسطس/آب 2026 مجرد حدث دبلوماسي عابر.
فالاتفاقية الدفاعية الثلاثية -التي ينص بندها الجوهري على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوما عليها جميعا- اختزلت مسار نصف قرن، انتقلت فيه تركيا من دولة يهدد حظر السلاح وجودها، إلى قوة دفاعية تؤمّن عتادها بنفسها وتشارك في إعادة رسم معادلات الأمن الإقليمي.
وفي هذا السياق، يتتبع برنامج "المتحري" -عبر فيلم استقصائي بعنوان "السلاح التركي.. التصنيع وحدود الاستقلال"- إحدى أبرز المحاولات الإقليمية لكسر الهيمنة الدولية على سوق السلاح، متحريا تحولات الصناعة العسكرية التركية على مدى نصف قرن.
ولتفكيك الأبعاد التقنية والجيوسياسية لهذا التحول، يحاور الفيلم صناع القرار والخبراء، بدءا من رئيس هيئة الصناعات الدفاعية التركية خلوق غورغون، والمديرين التنفيذيين وكبار المهندسين في الشركات الكبرى (أسيلسان، هافيلسان، توساش، روكيتسان وغيرها)، مرورا بشهادات جنرالات متقاعدين ووزراء دفاع، وصولا إلى تحليل خبراء عسكريين دوليين من معهد "سيبري" وحلف شمال الأطلسي (ناتو).
صدمة 1975.. هوان التبعية ومرارة الحظروتعود جذور هذه الملحمة الصناعية إلى 15 يوليو/تموز 1974، حين نفذ الحرس الوطني القبرصي انقلابا بدعم من أثينا، فردّت أنقرة بعملية عسكرية، ليدخل حظر أمريكي شامل حيز التنفيذ في الخامس من فبراير/شباط 1975.
وطال الحظر حتى المعدات التي دُفع ثمنها مسبقا، وهو ما وصفه الرئيس الأمريكي جيرالد فورد بأنه "إجراء غير مسبوق بحق دولة صديقة"، فردت أنقرة بإنهاء الاتفاقية الدفاعية وإغلاق المنشآت العسكرية الأمريكية وإنزال أعلام واشنطن من 26 قاعدة.
وتسبب القرار في فقدان الجيش التركي نحو 50% من فعاليته، وتضرر سلاح الجو الذي يعتمد بنسبة 85% على واشنطن.
وعن مرارة تلك الحقبة، يروي الجنرال التركي المتقاعد إرغين سايغون: "مع الشعور بالإحراج والانزعاج، كبرنا ونحن نغطي جنودنا ببطانيات كتب عليها الولايات المتحدة الأمريكية، ونأكل من أطباق وملاعق كتب عليها الولايات المتحدة الأمريكية".
هذه المفارقة لخصها الرئيس رجب طيب أردوغان بمقارنة المشهد اليوم بالأمس قائلا: "في بعض الأيام، لم يعطونا حتى مسدسا واحدا لمكافحة الإرهاب، واليوم نحن من نمنح مسدسات (جانيك) لأولئك الذين حرمونا سابقا".
صاغ الحظر قناعة إستراتيجية بأن التصنيع العسكري ضرورة وجودية، وليس خيارا اقتصاديا. وفي هذا السياق، يحدد رئيس هيئة الصناعات الدفاعية التركية خلوق غورغون جوهر الاستقلال بقوله: "لا يمكن الحديث عن استقلال حقيقي لتركيا إلا إذا نجحنا في امتلاك السيطرة الكاملة على جميع المراحل، بدءا من المنصات العسكرية، والذخائر، وصولا إلى البرمجيات والأنظمة الإلكترونية".
ولترجمة ذلك، ولدت الكيانات الوقفية بالتتابع: "أسيلسان" (1975) للاتصالات، و"هافيلسان" (1982) للبرمجيات، و"توساش" (1984) التي انطلقت بتجميع طائرات "إف-16" إثر اتفاق رئيس الوزراء تورغوت أوزال عام 1983 وشروط "التعويض"، ثم "روكيتسان" (1988) للصواريخ التي بدأت بـ35 مهندسا وتضم اليوم أكثر من 6500 موظف، نصفهم من المهندسين.
ويشبه غورغون، خلال حديثه لـ"المتحري"، إدارة هذا التكتل بدور "أب لديه 10 أبناء يوزع الأعمال بينهم ليجتمع الجميع لإنتاج منتج موحد".
ومع تكرار القيود الغربية، رسخت أنقرة عقيدة التوطين الكامل، إذ يؤكد المدير العام لشركة "أسيلسان"، أحمد أقيول، أن المبدأ الأساسي هو "ألا نعتمد على أي إذن من أي جهة خارجية لتطوير أو تصنيع منتجاتنا".
وفي هذا الإطار، يوضح المدير العام لـ"توساش" محمد دمير أوغلو، أنه عندما حظرت كندا الكاميرات عن المسيّرات التركية عام 2019، طورت "أسيلسان" خلال 5 سنوات كاميرات محلية تفوقت جودتها على المنافسين.
تكرر سيناريو المواجهة عقب شراء منظومة "إس-400" الروسية عام 2017 وما تلاه من عقوبات "كاتسا" الأمريكية (قانون مكافحة أعداء أمريكا) واستبعاد أنقرة من برنامج "إف-35"، ليأتي الرد التركي بإطلاق مشروع "القبة الفولاذية".
وتعقيبا على تصريح أردوغان الشهير "إذا كان لدى البعض قبة حديدية، فسيكون لدينا أيضا قبة فولاذية"، يؤكد مدير "روكيتسان"، مراد إكينجي، أن هذا المشروع "يجسد جوهر التوجه نحو الاستقلال الدفاعي الوطني بإمكانيات خالصة".
وعلى صعيد الطيران الحربي، طورت تركيا المقاتلة "كآن" (KAAN) من الجيل الخامس، إذ يؤكد كبير مهندسيها إمري يابان أنها "مشروع وطني بنسبة 100% بنظام تشغيل وتصميم محلي يضع تركيا ضمن 4 دول فقط تمتلك هذه القدرة في العالم".
وتزامن ذلك مع كسر عقدة المحركات عبر شركة "تي إي آي" (TEI) الرائدة في مجال محركات الطيران، التي أعلن رئيسها التنفيذي محمود أكشيت النجاح في إنتاج سبائك البلورة الأحادية محليا لتصنيع محركات المقاتلات.
وأثمر هذا التحول الهيكلي عن مضاعفة الصادرات الدفاعية التركية بنسبة 103% خلال 5 سنوات، والتربع في طليعة مصدري المسيّرات عالميا بتوريد أكثر من 800 طائرة لـ50 دولة، بحجم صادرات بلغت 1.8 مليار دولار عام 2023 وحده، وفق غورغون.
ويختتم مدير "توساش"، محمد دمير أوغلو، فلسفة هذه التجربة بقوله إن "الحديث عن السلام والمحبة وحده لا يكفي، يجب أن نمتلك المستوى نفسه من التسليح الذي يملكه الخصم لنتمكن من القول: لن أسمح لك بإيذائي.. ما نقوم به ليس اعتداء بل من أجل الدفاع، وإذا لم نعتمد على أنفسنا فلن نتمكن من البقاء طويلا".
Published On 4/9/2026
|آخر تحديث: 23:19 (توقيت مكة)
شارِكْ
إقرأ المزيد


