الجزيرة.نت - 9/7/2026 5:31:47 PM - GMT (+3 )
طهران– يتوقف المارة في ساحة "الثورة الإسلامية" غربي العاصمة الإيرانية طهران، أمام لوحة عملاقة يملؤها تمثال الحرية الأمريكي في حين يبدو منهارا ومن خلفه الأعلام الإيرانية ورايات الانتقام الحمراء. وكُتب على الجدارية بيت شعر فارسي يتكرر على ألسن شريحة من الإيرانيين منذ نحو ستة أشهر، "من اغتال إمامي لِمَ لا أقتله؟.. فعار علينا إن لم نقتل قاتليه".
قد لا تحتاج الجدارية إلى شرح، فالصورة وحدها تكفي لإيصال الرسالة، لكن خلف هذا المشهد البصري الصادم، تكمن حكاية أعمق: حكاية مدينة طهران التي تحولت شوارعها وجدرانها إلى صحف معلقة وبيانات سياسية، ناهيك عن أن المارة لا يملكون خيار تجاهلها، حيث تمثل أمام العيون من حي إلى آخر.
لم تكن الجداريات جديدة على العاصمة طهران، لكنها منذ اندلاع حرب رمضان والهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على إيران، تحولت إلى معرض مفتوح تتغير تحفه كل بضعة أيام. لوحات تمجد الصمود تارة، وتشيطن "الشيطان الأكبر والكيان الصهيوني" تارة أخرى، لكن الشعارات المرافقة دائما تحمل دلالة مباشرة على تطورات الصراع بين الجانبين.
هذه الجداريات الضخمة التي تبدو أشبه بـ "حرب بصرية" تحرص طهران عبرها على تحويل كل لوحة إلى بيان سياسي يجسد روايتها لتطورات الصراع، ترسم علامة استفهام لدى المشاهد: ماذا تريد أن تقول ولمن؟ وكيف يفهم المارة رسالة هذه الصور العملاقة؟
واجهة حديثةللإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، رافقت الجزيرة الدكتورة سارا مسعودي الباحثة في الشأن الثقافي والمختصة في السينما والتراث البصري والتي أكدت بدورها أن "جداريات طهران لا تزين شوارعها فحسب بل تروي حكاية من سلسلة ألف ليلة وليلة من قصص الصراع الأمريكي الإيراني".
ومن أمام بوابة جامعة طهران الملاصقة لساحة الثورة غربي طهران وقبيل القيام بجولة ميدانية، قالت مسعودي إن "أول نقطة يجب فهمها هي أن ما سنراه على الجداريات ليس مجرد رسومات للزينة كما في جميع ربوع العالم حيث يستخدم الفن عادة للتجميل، بل هنا عادة هذه اللوحات ترسم وتنصب في أماكنها بناء على طلب جهات رسمية أو شبه رسمية ولأسباب معروفة ومن أجل أهداف محددة".
ثم أوضحت وهي تشير إلى لوحة عملاقة تطل على تمثال القبضة الشهيرة وسط ساحة الثورة الإسلامية، "حتى قبل الحرب الأخيرة كانت الجداريات تتطرق إلى المناسبات الوطنية فمثلا في عيد الأم ترى عليها لوحة تجسد شخصية الأم وهي تحتضن طفلها.. لكن عقب الحرب الأخيرة حلت محلها القضايا السياسية وخطاب المقاومة، فتحولت الجدران إلى واجهة للخطاب الرسمي".
إعلان
ثم تابعت بنبرة تحليلية: "الجداريات الضخمة في طهران تكاد تتحول إلى صحف معلقة في الشارع تعبر عن مواقف الدولة، لكن المفارقة أن المارة لا يستطيعون طي صفحة الصحيفة، فهم مجبرون على تلقي الرسالة"، مؤكدة أن الرأي العام داخل إيران وخارجها راح يظهر اهتماما كبيرا بجداريات طهران لأنها تقدم صورة عن اهتمامات الدولة وأن هناك جداريات أضحت واجهة طهران للعالم بسبب إعداد المراسلين الأجانب تقارير من أمامها.
ثم روت الخبيرة الثقافية حكاية شخصية: "أتذكر أن صحفية إندونيسية زارت طهران، وتوقفت أمام جدارية تصور مذبحة غزة عقب تطورات السابع أكتوبر/تشرين الأول 2023. التقطت صورة ونشرتها في بلادها تحت عنوان: طهران تدافع عن غزة. تلك الجدارية سافرت آلاف الكيلومترات دون أن تتحرك من مكانها".
دعاية مواكبةثم انتقلنا إلى ساحة وليعصر الشهيرة وسط طهران، حيث تجري فعالية "حمل العلم الإيراني على مدار الساعة" والتي بدأت بعد سويعات من اندلاع حرب رمضان حيث يتناوب متطوعون مسجلون مسبقا على حمل العلم لمدة ثلاثين دقيقة تقريبا، وأعلى المنصة تبدو جدارية ضخمة لعسكري إيراني يحمل علما وعليه عبارة "يا لثارات الحسين".
وفي ساحة "فاطمي"، القريبة من ساحة وليعصر حيث تعرض صورة غرافيكية عملاقة للمرشد السابق علي خامنئي وهو يرفع قبضته ومكتوب عليها "لا بد من النهوض" وفي الجهة المقابلة من الشارع جدارية مماثلة لعدد من القادة القتلى من الجيش والحرس الثوري خلال الحروب السابقة.
ولدى إشارة مسعودي إلى الدعاية المواكبة عبر عشرات الإذاعات والمحطات المتلفزة، تقول إن المواطن الإيراني يتلقى الرسالة المنشودة من وراء هذه الجداريات بسهولة، لأنها تأتي في سياق حملة دعائية منسقة مع الخطاب الرسمي، مضيفة: "انظر إلى تلك الجدارية. الرموز لا توضع فقط على الجدران، بل تتحول إلى طقوس حية. الجداريات والاحتفالات والتجمعات الليلية أمامها، كلها جزء من المشهد نفسه".
وعندما سألنا سيدة ستينية تدعى مهناز كانت تمر من هناك، "ما الذي تعنيه هذه الجداريات بالنسبة لك؟"، أجابت دون تردد: "المقاومة وأحيانا الانتقام"، قبل أن تواصل حديثها للجزيرة بعد لحظات صمت خيمت على المشهد، فأوضحت: "بعد جنازة المرشد السابق والرايات الحمراء التي رُفعت حينها، أصبح الفضاء البصري لطهران كله ينبض بفكرة واحدة: نحن صامدون، وسننتقم. هذه هي الفكرة التي أراها في كل مكان".
وكر التجسسوفي طريقنا صوب المقر السابق للسفارة الأمريكية وسط طهران، مررنا بجداريات مختلفة وأقل رسمية ربما، لكنها لا تقل حدة. رسومات تحمل شعار الجمهورية الإسلامية وأخرى تجسد صورة المرشد الجديد مجتبى خامنئي إلى جانب سلفه. وأخرى تصور طائرات مسيرة وصواريخ إيرانية، وكذلك رموز للهجمات الصاروخية التي تواصلت خلال الحرب الأخيرة.
وعلقت الدكتورة مسعودي: "هنا نرى طبقة أخرى من الحرب البصرية. لاحظ أن الصاروخ ليس مجرد سلاح، بل هو أيقونة. الجداريات.. هنا تحول السلاح إلى رمز فخر وطني. المسؤولون الإيرانيون يعتبرون القدرات الصاروخية إنجازا دفاعيا يبعث على الفخر الوطني فتعيد إنتاج هذا الخطاب بصريا على الجدران".
إعلان
وعندما وصلنا إلى أشهر الجدران في طهران، حيث المقر السابق للسفارة الأمريكية، الذي يعرف إيرانيا باسم "لانه جاسوسي" أي "وكر التجسس"، تبيّن أن اللوحات هنا لا تتغير كل بضعة أيام، بل تبقى ثابتة لأعوام قبل تجديدها، لكنها تحمل حمولة عاطفية وسياسية مشابهة لما شهدناه في الساحات العامة؛ إذ تستقبل الزائر جدارية النسر الأمريكي وقد تعلو رأسه نجمة داود، وتحيط به أسلحة وحبوب مخدرة وسهام.
واجهة رمزيةثم انتقلنا إلى جدارية أخرى تصور شخصيتين ترمزان لأمريكا وإيران تجلسان إلى طاولة المفاوضات ومن تحتها يظهر المفاوض الإيراني بملابس مدنية، بينما الأمريكي المدجج بالسلاح يرتدي بزة عسكرية.
وهنا وقفت الدكتورة مسعودي أمام مقر السفارة السابق، وقالت بتمعن: "هنا نرى الحالة الأقدم من العداء بين الخصمين اللدودين. منذ اقتحام الثوار الإيرانيين مقر السفارة الأمريكية واحتلالها عام 1979، تحولت جدرانها إلى سجل بصري تاريخي. وكل عابر يعرف أين هو دون أن يسأل. فالصور وحدها تكفي لحكاية الأحداث المتواصلة منذ ذلك الحين".
وأضافت أن "المثير أن هذه الجدران تحولت إلى واجهة رمزية لطهران الحديثة. فنرى الزوار الأجانب يلتقطون صورهم أمامها وينشرونها على وسائل التواصل"، معتبرة أن جدران السفارة السابقة لأمريكا بطهران أضحت سفيرة للجمهورية الإسلامية في العالم الرقمي".
وفي طريقنا إلى ساحة فلسطين، نسأل المارة عن هذه الظاهرة، فيستذكر الحاج حسين الأيام التي كان هذا الشارع يحتضن السفارة الإسرائيلية بطهران حتى قبيل انتصار ثورة الخميني عام 1979 حين تحول المقر إلى سفارة لدولة فلسطين، فيقول: "كنت هنا خلال الأحداث التي تلت الثورة.. كانت الجدران تتكلم حينها أيضا. لكن الآن، تغيرت اللغة.
الصور أصبحت أسرع وأغضب"، مضيفا في حديثه للجزيرة نت "هذه الصور واللوحات هي تعبير عن شعورنا حيال العدو. لكن أحيانا أشعر أنها تصرخ أكثر مما نستطيع أن نصرخ نحن".
أصوات الشارعأما الشابة العشرينية مهسا التي تمر بسرعة حاملة حقيبة ظهرها، فتقول بحذر: "هي موجودة منذ ما قبل أن نولد أصلا. لا نتوقف كثيرا عندها. لكنها في الفترة الأخيرة أصبحت في كل مكان"، في حين قالت امرأة محجبة في الخمسين من عمرها للجزيرة: "بعض هذه الجداريات يعجبني، وبعضها يخيفني لما يوحي بتصعيد التوتر. لكنها جزء من مدينتي ولا يمكنني أن أتخيل طهران دونها".
وبينما كنا ننتقل من ساحة إلى أخرى، نلتقي بالشاب سيروس (43 عاما) وهو يتأمل إحدى الجداريات بنظرة لا تخلو من انزعاج. وحين سألناه عن رأيه فيها، أجاب بصراحة: "أنا لا أرى فيها فنّا ولا تعبيرا عن رأي الشعب الإيراني. هذه الجداريات تحث على العنف، وتزيد الاحتقان. لا أحد يسأل: هل يريد الناس هذه الحرب أصلا؟".
ثم قاطعته زوجته التي لم ترغب بالكشف عن هويتها، فقالت للجزيرة: "هذه الجداريات ليست رسالة سلام. هناك شريحة واسعة من الإيرانيين لا تريد الحرب، ولا تريد أن تعيش في عداء دائم مع أمريكا. نريد أن نعيش بسلام، أن نأكل خبزنا بهدوء، أن يذهب أولادنا إلى مدارسهم دون خوف من القصف. لكن الجدران تقول لنا كل يوم: استعدوا للقتال".
وقبل أن نختم جولتنا في طهران، قالت الدكتورة مسعودي وهي تنظر إلى جدارية تحث على الثأر لدماء المرشد الإيراني السابق: "هذه الجداريات، لا سيما في ساحتي وليعصر والثورة، ليست لوحات ثابتة. إنها مثل نبض المدينة. تتغير مع كل تطور جيوسياسي. إنها رد فعل سريع، مثل صفحة جريدة تصدر في اليوم نفسه".
إعلان
وقالت معبرة عن حسرة خفيفة: "لكن ما يقلقني أن المدينة تفقد شيئا من روحها الجمالية لصالح الرسالة السياسية.. قبل الحرب، كانت الجداريات تتنفس مناسبات إنسانية. الآن، كل شيء تحول إلى أدلجة. الجدران لم تعد مساحة للفن، بل للتعبئة".
وختاما في مدينة تحولت شوارعها إلى صحف معلقة، تحول كل مواطن في طهران إلى قارئ لا يملك خيار الانصراف. لكن السؤال الذي يظل يطاردني أثناء العودة: هل يقرأ الناس هذه الجدران فعلا؟ أم أن بعضهم، كما قال الشاب سيروس، اعتادوا عليها حتى صارت جزءا من الضجيج البصري الذي لا يسمعه أحد؟
إقرأ المزيد


