موجة نزوح جديدة غربي تعز.. أسر تفر من القصف نحو التشرد و العراء
الجزيرة.نت -

مراسلو الجزيرة

 تعز- تحت شجرة لا تقي حرارة الشمس ولا تستر وجع الفقد، يجلس أطفال، وقلوبهم وجلة، هربوا من القصف، لكنهم لا يزالون على مرمى حجر من أصوات المدفعية ودوي الانفجارات.

تعيش أرياف تعز الغربية ارتدادا مباشرا لأحدث موجات التصعيد العسكري، إذ شهدت نزوحا جماعيا عقب استهداف الحوثيين لميناء المخا، بالتزامن مع اندلاع مواجهات عسكرية واسعة واشتعال الجبهات في الكدحة ومقبنة وجبل حبشي غربي تعز.

واضطرت عشرات العائلات إلى الفرار بملابسها التي ترتديها فقط، وهي تحمل قطع قماش زهيدة علّها تغدو فراشا في العراء، بينما يسوق آخرون ما تبقى من مواشيهم مشيا على الأقدام، تاركين خلفهم البيوت والأسرّة والذكريات بحثًا عن ملاذ آمن ينجيهم من الموت المتربص بهم.

الأم نعمة والمئات

في منطقة "الشقادف" بمديرية المعافر غربي محافظة تعز، تقف الأم نعمة خالد وسط حرارة الشمس الحارقة ومخاوف القصف المتكرر، إلى جوار أطفالها الصغار وبعض الأكياس البلاستيكية التي تضم كل ما استطاعت إنقاذه من منزلها. تتجرع نعمة مرارة النزوح للمرة الثانية؛ فقد فرت من جبل حبشي وهي تحمل طفلها الصغير بين ذراعيها، ومعها بقية أطفالها الذين ينزلقون في الشعاب الجبلية وهم يركضون خائفين.

خسرت نعمة مواشيها وبقرتها ومقتنياتها البسيطة تحت القصف، كما تقول بدموع خانقة للجزيرة نت: "والله تركت كل شيء المواشي ماتت بالقصف، ولم أعد أفكر في شيء سوى كيف أنجو بأطفالي".

قصة نعمة ليست إلا تفصيلا صغيرا في مشهد إنساني واسع ومظلم تعيشه أرياف تعز، حيث رصدت الجزيرة نت عائلات فقيرة كانت قد نزحت عام 2015 من مقبنة إلى الكدحة، لتلاحقها الحرب مجددا إلى مخيماتها، وتجبرها على نزوح ثانٍ نحو الشقادف والمعافر غربي المحافظة.

يمنيون هربوا من الحرب، لكنهم لم يجدوا مأوى (الجزيرة)

يروي المواطن محمد الحميري (وهذا اسم مستعار بناءً على طلبه لحماية أسرته التي لا تزال تحت سيطرة جماعة الحوثي) رحلة الهروب الفاجعة للأهالي الذين خرجوا تحت تساقط قذائف الهاون ورصاص الرشاشات، دون أن يتمكنوا حتى من أخذ أوانٍ للطبخ أو غيارات لثيابهم.

إعلان

مشى هؤلاء بين الجبال الوعرة وتحت أخطار المطر والظلام، تصحبهم النساء والأطفال، وخسر معظمهم مصادر أرزاقهم من أغنام وأبقار، ممتنعين تماما عن العودة إلى المناطق التي فروا منها، لتتلقفهم القرى المجهدة أصلا بالفقر والخذلان.

وحسب التقارير الرسمية الخاصة بالنزوح، لم تسلم المخيمات ذاتها من القصف المباشر؛ إذ استهدفت القذائف مخيم "الشط" الإيوائي، مما أسفر عن وفاة إحدى النازحات وإصابة بعض النازحين، وهو ما ضاعف حالة الرعب، ودفع إلى النزوح إلى مناطق أشد قسوة.

من أماكن النزوح في مديرية المعافر غرب تعز (الجزيرة)
قسوة المناخ

وفق تقرير الوحدة التنفيذية للنازحين، فإن التغيرات المناخية المتقلبة تضاعف في أرياف تعز جحيم النزوح؛ إذ تتزامن موجات الفارين مع هطل أمطار موسمية غزيرة وانهمار سيول جارفة تغمر الممرات الجبلية والوديان.

وتعيش الأسر المجردة من الخيام بين فكي هجير النهار الحارق وبرودة الليل والسيول. وهو ما يُنذر بكارثة صحية وإنسانية؛ إذ تتزايد أخطار تفشي الأمراض المنقولة بالمياه والأوبئة الموسمية بين الأطفال والمسنين، في ظل انعدام الحماية والخدمات الإيوائية والصحية الأساسية.

أطفال نازحون في العراء بين هجير النهار وبرودة الليل (الجزيرة)
 خريطة المأساة

وتكشف وثائق وتقارير رسمية حصلت عليها الجزيرة نت، صعودا متسارعا في أرقام الفارين؛ إذ ارتفع إجمالي النازحين في التحديثات الأخيرة الممتدة من 3 حتى 6 سبتمبر/أيلول 2026 إلى 3319 أسرة نزحت قسرا (تضم 17 ألفا و702 فرد)، بعد أن سجلت الساعات الـ72 الأولى وحدها فرار 1643 أسرة (8896 فردا).

وأوضح علي قائد حسن، المدير العام لفرع الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين بتعز، للجزيرة نت، أن حركة النزوح لا تزال مستمرة وتتخذ طابعا متسارعا تحت ظروف أمنية بالغة القسوة، مشيرا إلى أن خريطة الاستقبال تتوزع بين عدة مديريات:

حيث استقبلت مديرية المعافر الكتلة الكبرى بواقع 1189 أسرة، يليها جبل حبشي بـ695 أسرة، ثم الوازعية بـ375 أسرة، إضافة إلى المخا التي استقبلت 286 أسرة، والشمايتين بـ265 أسرة، والمظفر بـ252 أسرة. وتوزعت بقية الأسر على مديريتي موزع والمسراخ.

سيارات تنقل بعض أمتعة النازحين من حيس ومقبنة (الجزيرة)
انهيار القدرة الاستيعابية

وأمام هذا التدفق اليومي للنازحين المحاصرين بنيران التصعيد، يؤكد مدير مكتب التخطيط بتعز، نبيل جامل، للجزيرة نت، أن السلطة المحلية شكلت فريقا مشتركا مع المنظمات الدولية للتعامل مع سيناريو الأزمة الإنسانية الكارثية وتجهيز مخازن طوارئ مؤقتة للإيواء.

وفي الوقت ذاته، يحذر مندوب المخيمات، محمد ردمان -في حديثه للجزيرة نت- من أن الطاقة الاستيعابية للمخيمات انهارت تماما، مؤكدا أن مئات العائلات أصبحت تتكدس في الشوارع والعرصات الخالية بلا خيام ولا مياه صالحة للشرب ولا رعاية صحية.

ومع غياب أفق الحل واستمرار القصف في الأفق، تظل الأم نعمة وعشرات العائلات تحت هجير الشمس ومياه السيول، يرقبون سماء تعز في انتظار أمان يُعيدهم إلى ديارهم، أو خيام تقيهم قسوة الظروف.

أطفال في العراء في مخيمات النزوح بريف تعز (الجزيرة)
طفل نازح بجوار والده، مروَّع بأصوات القصف (الجزيرة)


إقرأ المزيد