من الوظائف لساحات القتال.. الصين تهيئ الذكاء الاصطناعي لعصر جديد
الجزيرة.نت -

تعمل الصين على تهيئة بيئة متكاملة لعصر الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على تطوير التقنية نفسها، بل تمتد إلى تنظيم سوق العمل، وإعادة تشكيل التدريب والتعليم، وإدماج الذكاء الاصطناعي في الإعداد العسكري.

وتكشف تقارير صحفية عن مسار تسلكه الصين يجمع بين تنظيم الوظائف الجديدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وإعادة تأهيل العاملين للانتقال إلى أدوار أكثر تخصصا، وتطوير المناهج العسكرية لإعداد ضباط قادرين على استخدام هذه التكنولوجيا في بيئة القتال الذكي.

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list

ويندرج هذا المسار في سياق اهتمام صيني متصاعد بالذكاء الاصطناعي بوصفه محركا للإنتاجية والتنافس الصناعي والنفوذ الإستراتيجي، غير أن بكين تواجه في المقابل تحديات مزدوجة متمثلة في منافسة دولية شديدة على الرقائق والحوسبة والنماذج المتقدمة، ومخاطر داخلية تتعلق بإزاحة الوظائف، وفجوات المهارات، وأمن البيانات، والتحيز الخوارزمي، والمسؤولية الأخلاقية.

لذلك، يمكن القول أن المقاربة الصينية لا تقوم على إطلاق التقنية في السوق ثم معالجة آثارها لاحقا، وإنما تتجه إلى بناء قواعد تنظيمية ومهنية وتدريبية مرافقة لها.

وفي هذا الإطار، يصبح الذكاء الاصطناعي مشروعا لإعادة تنظيم رأس المال البشري، وليس مجرد أداة للتشغيل الآلي.

الصين تجمع بين تنظيم الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتأهيل العاملين للانتقال إلى أدوار أكثر تخصصاً (رويترز)
معايير وطنية لمهن الذكاء الاصطناعي

تفيد وكالة الأنباء الصينية (شينخوا) أن وزارة الموارد البشرية والضمان الاجتماعي أنهت المشاورات العامة بشأن 123 معيارا مهنيا، في أول طرح علني لمعايير من هذا النوع ضمن فترة الخطة الخمسية الـ15.

وكان البارز هو ظهور معايير وطنية مركزة لمهن ناشئة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مثل المدرب البشري للذكاء الاصطناعي الرقمي، وفني تطبيقات أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، ومنتج الرسوم المتحركة التوليدية.

إعلان

أهمية هذه الخطوة أنها تنقل وظائف الذكاء الاصطناعي من نطاق التجريب والتسميات المتغيرة إلى إطار أكثر مؤسسية، يبدأ بمعايير تقييم المهارات، ومسارات للترقية، وإرشادات للتنمية المهنة.

ووفق "شينخوا" فإن أكثر من 20 مهنة من أصل 72 مهنة جديدة أعلن عنها خلال السنوات الخمس الماضية ترتبط مباشرة بالذكاء الاصطناعي، وتراهن بكين على أن تسهم هذه المهن في توسيع فرص التشغيل ورفع الدخل، خصوصا أن الخطة الخمسية الـ15 نصت صراحة على تعزيز أثر الذكاء الاصطناعي في إيجاد فرص العمل.

الذكاء الاصطناعي يستبدل بعض الوظائف التقليدية ويخلف ضغطا انتقاليا، لكنه يولد في الوقت نفسه وظائف جديدة عبر الصناعات الناشئة ونماذج الأعمال وأنماط التوظيف

بواسطة باو تشون ليه

من الاستبدال إلى التعاون

تعرض وكالة الانباء الصينية في تقريرها تحولا في الخطاب من فكرة "استبدال الإنسان بالآلة" إلى نموذج "التعاون بين الإنسان والآلة".

وتنقل عن مسؤول في مجموعة جيه دي (JD.com) قوله إنها، بوصفها من أكبر شركات الإنترنت الصينية في خدمة العملاء الذاتية التشغيل، وسّعت خلال العامين الماضيين فئات وظائف مرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي وساعدت آلاف العاملين على الانتقال إلى مواقع أعلى قيمة، بحيث تشكل لديها نموذج يقوم على المعالجة الذكية للخدمات الأساسية، وتركيز البشر على السيناريوهات المعقدة، والدعم التعاوني متعدد الوظائف.

ويرى ليانغ جِنغ، أستاذ السياسات العامة ومدير مركز بحوث حوكمة الذكاء الاصطناعي في جامعة تشينغهوا، أن خطة العمل الحكومية لاستقرار التوظيف وتوسيعه وتحسين جودته تشجع الشركات على تنفيذ التحول وإعادة التدريب بالتزامن مع تطبيق الذكاء الاصطناعي، بما يساعد العاملين على البقاء في شركاتهم قدر الإمكان.

الخطة الخمسية الـ15 للصين نصت صراحة على تعزيز أثر الذكاء الاصطناعي في إيجاد فرص العمل (أسوشيتد برس)
وظائف جديدة وسلسلة قيمة أوسع

يقدم باو تشون ليه، الباحث في الأكاديمية الصينية لعلوم العمل والضمان الاجتماعي، قراءة أكثر توازنا يرى فيها أن الذكاء الاصطناعي يستبدل بعض الوظائف التقليدية ويخلف ضغطا انتقاليا، لكنه يولد في الوقت نفسه وظائف جديدة عبر الصناعات الناشئة ونماذج الأعمال وأنماط التوظيف.

فتنتج فرص العمل عبر كامل السلسلة، من البنية التحتية للحوسبة والبيانات، ثم الخوارزميات وتدريب النماذج، فحلول القطاعات، وصولا إلى التقييم الأمني والمراجعة الأخلاقية، وفق تقرير شينخوا.

لكن هذا الرهان مشروط بترقية المهارات، إذ يشدد باو على ضرورة إتقان أدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، بالتوازي مع التفكير النقدي والإبداع والتواصل.

كما يقول بان جي مينغ، مدير مدرسة بكين للتدريب المهني على المهارات الذكية المستقبلية، إن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل بنية بيئة العمل بأكملها، وليس وظائف محددة فقط، ولذلك تصبح القدرات المركبة ضرورة للباحثين عن عمل.

ولهذا دعمت مقاطعات ومدن صينية مثل شنغهاي وهوبي وبكين عام 2026 برامج تدريب مدعومة تشمل تصنيف البيانات وتطبيق النماذج ومدربي الذكاء الاصطناعي والأنظمة التوليدية، بينما أدرج مجلس الدولة ضمن خطة "التوظيف أولا" برنامجا لدعم انتقال العمال وإعادة توظيفهم، مع التشديد على تدريب مهارات الذكاء الاصطناعي وتنمية المواهب النادرة.

حروب المستقبل ستدار بالإشارات الفورية التي توجه للأسلحة ذاتية التشغيل (غيتي)
تعليم عسكري للحرب الذكية

على المسار العسكري، ذكرت صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست أن باحثين من كلية علوم وتكنولوجيا الاستخبارات في جامعة الدفاع الوطني للتكنولوجيا اقترحوا إعادة تصميم مقرر "مبادئ وممارسات الذكاء الاصطناعي" لطلبة الدراسات العليا، بحيث يصبح "التأهيل للحرب" محوره العملي.

إعلان

ونُشر المقترح في عدد يوليو/تموز من مجلة "تحولات الصناعة الدفاعية في الصين".

ويقوم المقترح على إدخال سيناريوهات قتالية، ولا سيما حرب الطائرات غير المأهولة، لربط مفاهيم الذكاء الاصطناعي بمراحل القرار العسكري والاستهداف، بداية من مراقبة الموقف وتقييمه، ثم اتخاذ القرار والتنفيذ، واكتشاف الأهداف وتحديدها وتعقبها والاشتباك معها وتقييم النتائج.

ويقترح الباحثون استخدام التدريب المعزز في محاكاة اتخاذ القرار وتنفيذ الإجراءات الحربية، وتدريس الاستدلال في ظل عدم اليقين عبر أعطال الأنظمة غير المأهولة وإنذارات اختراق الحدود.

لكن الأهم على المستويين السياسي والأخلاقي هو أن البحث يضع حدا معلنا لدور الذكاء الاصطناعي وهو أنه "أداة دعم للقرار" فيما تبقى سلطة القيادة النهائية بشرية بالكامل.

كما يقترح الباحثون نقاش الحدود القانونية والأخلاقية للأسلحة ذاتية التشغيل لتعزيز "الشعور بالمسؤولية" مع تسليط الضوء على نقاط ضعف الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك تحيز البيانات والحساسية للبيئة وإمكانية التعرض للهجمات المعادية.

مسار شامل وتحفظات قائمة

تكشف هذه المؤشرات أن الصين تؤسس لـ"بنية تحتية بشرية ومؤسسية" موازية للبنية التقنية للذكاء الاصطناعي.

ففي سوق العمل، تسعى إلى تحويل الذكاء الاصطناعي من تهديد اجتماعي إلى مسار لإيجاد وظائف أكثر تخصصا. وفي التعليم، تعيد توجيه المناهج نحو مهارات تطبيقية مركبة؟ وفي المجال العسكري، تربط المعرفة الخوارزمية بسيناريوهات الحرب المستقبلية مع الإبقاء على القرار البشري بشكل رئيسي.

غير أن نجاح هذا النموذج يعتمد على تحقيق توازن صعب بين تسريع الابتكار والتنافسية من جهة، ومنع اتساع فجوة المهارات أو تحويل التدريب المهني إلى استجابة متأخرة لفقدان الوظائف من جهة أخرى.

هذا فضلا عن أن التأكيد على الحوكمة والمسؤولية البشرية، خصوصا في الاستخدام العسكري، سيظل معيارا حاسما للحكم على مدى انضباط هذا التحول، وليس على سرعته التقنية وحدها.



إقرأ المزيد