تتذكر 100 وجه وتتقن الحساب وترعى صديقتها العمياء.. العلم المدهش في دماغ "الدجاجة"
الجزيرة.نت -

لطالما ارتبط وصف "عقل طائر" بالبساطة أو محدودية القدرات الذهنية، كما ارتبطت كلمة دجاج في المخيلة الحديثة بصورة قطعة من اللحم الأبيض المغلفة بالبلاستيك في ثلاجات المتاجر الكبرى أو وجبة سريعة تُقدم في المطاعم، أكثر من ارتباطها بكونها كائنا حيا يمتلك أفكارا ومشاعر وعلاقات اجتماعية.

وتقول عالمة الأعصاب المتخصصة في سلوك الحيوان والأستاذة الفخرية بجامعة نيو إنجلاند الأسترالية البروفيسورة ليزلي روجرز، إن "فكرة أن الدجاج حيوانات بسيطة أو غير ذكية شائعة".

وتعتقد الباحثة أن "هذه الفكرة لا تزال راسخة لسببين: الأول أنها تغنينا عن التساؤل حول سبب تناولنا لها، والثاني أنها تبرر إيوائها في ظروف تربية مكتظة وغير إنسانية". لكن الأبحاث العلمية الحديثة ترسم صورة مختلفة تماما، إذ تكشف أن الدجاج ليس مجرد طائر مستأنس يُربى من أجل الغذاء، بل يمتلك قدرات معرفية واجتماعية وعاطفية أكثر دقة وتعقيدا مما يعتقده معظم الناس.

وتوضح ليزلي في حديثها للجزيرة نت، أنه "على مدى العقود القليلة الماضية، ساهمت الأبحاث المتعلقة بعلم الأعصاب والإدراك الحيواني لدى الدجاج في توسيع معرفتنا بقدراتها الإدراكية بشكل كبير، وكشفت عن الآليات العصبية الكامنة وراء هذه القدرات وكيفية تطورها عبر مراحل النمو".

الكتاكيت الصغيرة تشكل تسلسلات اجتماعية هرمية منذ الأيام الأولى من حياتها (بيكسابي)
أكثر من مجرد مصدر للغذاء

يعد الدجاج أكثر الطيور المستأنسة انتشارا على وجه الأرض، وأكثر أنواع اللحوم استهلاكا عالميا، إذ يقدر عددها بعشرات المليارات، متجاوزا عدد البشر ومجموع أعداد معظم الحيوانات الزراعية الرئيسية المستخدمة في الأكل. ويصل عدد الدجاج المذبوح سنويا عالميا نحو 9 دجاجات لكل شخص، مقارنة بنحو دجاجتين فقط للفرد سنويا عام 1961.

ومنذ آلاف السنين، ارتبط الدجاج بالبشر، ففي كتابه "لماذا عبرت الدجاجة العالم؟"، يرى الكاتب والصحفي الأمريكي أندرو لولر أن هذا الطائر لم يكن مجرد مصدر للحوم والبيض، بل أحد أكثر الحيوانات التي شاركت الإنسان في رحلته الحضارية. فقد كان رمزا دينيا، ووسيلة اقتصادية، ومساعدا في مكافحة الآفات، ومصدرا للغذاء والدواء، وأحد أكثر الحيوانات تأثيرا في الحياة اليومية للبشر.

إعلان

ومع ذلك، وعلى خلاف القطط والكلاب، نادرا ما تحظى الدجاجات الفردية بقصصها الخاصة أو باهتمام يسلط الضوء على شخصياتها وحياتها. ففي الكثير من أنحاء العالم، غالبا ما يُنظر إلى الدجاج من خلال صورته السائدة اليوم داخل المزارع الصناعية، حيث تُربى أعداد هائلة منه في مساحات مكتظة تجعل الأفراد يبدون متشابهين وغير مميزين.

وتشير ليزلي، التي تركزت معظم أبحاثها على الكتاكيت كنماذج لدراسة نمو الدماغ والسلوك، إلى أن الدجاج، من بين حيوانات المزرعة، يعاني من أسوأ ظروف الاكتظاظ، ويُربى في بيئات فقيرة ومحفزاتها محدودة، كما هو الحال في مزارع الدجاج المغلقة والأقفاص التقليدية. لكن الواقع يبدو مختلفا إلى حد بعيد، فالدجاجات يمكن أن تكون متباينة بشكل لافت في سلوكها وطباعها وشخصياتها الفردية.

ووفقا لما ترويه أستاذة الأنثروبولوجيا باربرا كينغ في كتابها "شخصيات على المائدة: حياة وعقول الحيوانات التي نأكلها"، فقد ظهر ذلك بوضوح في إحدى الحظائر المفتوحة بمنتزه وايلدر رانش الحكومي قرب سانتا كروز في ولاية كاليفورنيا عام 2015، حيث كانت 6 دجاجات تعيش في بيئة خارجية مجهزة حتى بأرجوحة تساعدها على الحركة والنشاط.

وخلال وجودها في حديقة خضروات مفتوحة، كانت بعض الدجاجات تستلقي تحت أشعة الشمس، بينما انشغل بعضها الآخر بالبحث عن الطعام بين النباتات. كما أظهرت بعض الطيور رغبة في التفاعل مع البشر، in حين فضلت أخرى الابتعاد والحفاظ على مسافتها.

وتوضح ليزلي أنه "يمكن للكتاكيت أن ترتبط عاطفيا بالإنسان وتتبعه وتتعامل معه بوصفه مصدرا للأمان منذ المراحل المبكرة من حياتها، وقد تستمر هذه الرابطة الاجتماعية حتى مرحلة البلوغ". وتضيف أنه "يمكنها أيضا أن ترتبط عاطفيا بأنواع أخرى من الحيوانات، مثل الكلاب، ولكنها عادة ما ترتبط عاطفيا بأمها وإخوتها".

وتطرح هذه الملاحظات البسيطة سؤالا مختلفا عما اعتدنا طرحه حول الدجاج، ليس كيف نربيه أو نستهلكه، بل إلى أي مدى نعرف حقا عن قدراته العقلية والعاطفية؟

الدجاجات الأم تظهر حساسية ملحوظة تجاه مهاراتهم ومستوى خبرتهم (بيكسابي)
قدرات معرفية تفوق التوقعات

على الرغم من شيوع استخدام تعبير "عقل الطائر" للإشارة إلى محدودية الذكاء، فإن الدجاج يقدم أدلة قوية على العكس تماما. إذ يتمتع بقدرات ذاكرة مدهشة تمكنه من تمييز أكثر من 100 وجه لدجاجات أخرى، كما يستطيع التعرف على أفراد بعينهم بعد أشهر من الانفصال عنهم.

ولا تتوقف قدراته عند التعرف على الوجوه. فقد أظهرت الدراسات أنه قادر على ممارسة قدر من ضبط النفس وتأجيل الإشباع عندما يكون الفرق في قيمة المكافأة واضحا بالنسبة له. ففي إحدى التجارب، اختارت دجاجات مدربة على نقر أزرار ملونة للحصول على الطعام، في 9 مرات من أصل 10، التخلي عن مكافأة غذائية فورية أصغر لصالح أخرى أكبر حجما لكنها تتطلب انتظارا قصيرا.

وتشير ليزلي إلى أبحاث أخرى أظهرت أن الكتاكيت الصغيرة تتمتع بقدرات إدراكية معقدة تشمل التعرف على الأفراد وتذكرهم، والتمييز بين الكتاكيت المألوفة والغريبة، والقدرة على التعامل مع الأعداد وإجراء العمليات الحسابية البسيطة، إضافة إلى التعلم المكاني والاستدلال المتعدي.

إعلان

وتشير الدراسات أيضا إلى أن الدجاجات الأمهات لا تكتفي بمراقبة صغارها أثناء البحث عن الطعام، بل تظهر حساسية ملحوظة تجاه مهاراتهم وقدراتهم ومستوى خبرتهم، وتستجيب لأخطائهم الغذائية بطريقة تبدو موجهة لتصحيح سلوكهم.

وقد أثبتت تجربة مبتكرة استخدمت أطعمة مستساغة وأخرى غير مستساغة أن سلوكيات النقر في الأرض والحفر والخدش لدى الأمهات كانت تهدف إلى إعادة توجيه اختيارات الصغار نحو مصادر غذائية أفضل، وهو ما قد يرتبط بسلوك تعليمي. وتوضح ليزلي أن أبحاثها أظهرت أن الكتاكيت قادرة على تصنيف المنبهات بصريا، مثل التمييز بين حبوب الغذاء والحصى الصغيرة التي تشبهها نسبيا في الحجم والشكل، وأنها لا تنقر عشوائيا، بل تتجنب النقر الخاطئ على الحصى، وتستطيع اختيار ما يصلح للأكل واستبعاد غير المناسب.

وترى أن هذه النتائج تظهر أن الكتاكيت لا تستجيب للبيئة بصورة انعكاسية بسيطة، بل تمتلك قدرة على التصنيف الإدراكي واتخاذ قرارات سلوكية مبنية على معالجة المعلومات البصرية.

استجابة عاطفية لتهديد الصغار

بالإضافة إلى القدرات الإدراكية التي يمتلكها الدجاج، توضح ليزلي أن هذا الطائر يظهر حالات عاطفية وانفعالية مثل الخوف والقلق والمتعة والترقب أو الضيق، ليس فقط من خلال حركاته، بل أيضا من خلال أصواته ونداءاته المختلفة.

على سبيل المثال، يُعبر عن الخوف بالانحناء أو الهروب، وبالصياح وإصدار أصوات استغاثة أخرى. ويُشار إلى السرور بالاقتراب وإصدار أصوات معينة تُعرف بنداءات "التغريد الاجتماعي" أو "نداءات الرضا".

وفي دراسة لفهم ما إذا كانت الدجاجات تتأثر نفسيا بما تتعرض له صغارها من مواقف ضاغطة، تبين أنها تتفاعل عاطفيا مع ما تعتقد أنه تهديد يواجه صغارها، وهو ما يوفر مؤشرا على وجود نوع من الانسجام أو العدوى العاطفية بين الأم وصغارها.

وأظهرت النتائج أن الدجاجات عندما اعتقدت أن صغارها تواجه تهديدا محتملا زادت من حركتها ونداءاتها الصوتية، وقللت من سلوك تنظيف الريش, حتى عندما لم تكن الكتاكيت نفسها ترسل إشارات واضحة تدل على الخوف. كما ظهرت عليها مؤشرات فسيولوجية للإجهاد تمثلت في فرط الحرارة الناتج عن التوتر.

نعلم اليوم أن الدجاج المستأنس يتمتع بقدرات إدراكية معقدة تضاهي أنواع الطيور الأخرى (رويترز)
عالم اجتماعي أكثر تعقيدا

لا تقتصر الحساسية تجاه الآخرين على العلاقة بين الأم وصغارها. ففي إحدى الروايات الميدانية الموثقة التي أوردتها كينغ في كتابها، فقدت دجاجة بصرها داخل قطيع مكون من 12 دجاجة. وسرعان ما تولت دجاجة أخرى دور الرفيقة لها، فكانت تتبعها وتبيت بجوارها، رغم أن الدجاجة العمياء اعتادت النوم مبكرا عن بقية القطيع. وفي إحدى المرات، أسقطت أمامها دودة وتركتها لها لتأكلها.

لكن الحياة الاجتماعية داخل القطيع لم تكن كلها تعاطفا وتعاونا. فقد أظهرت دجاجة أخرى، كانت الأقل مكانة والأكثر تعرضا للمضايقات سابقا، سلوكا مختلفا تماما عندما أدركت أن رفيقتها العمياء أصبحت في وضع ضعيف.

ورغم أن بعض أفراد القطيع تدخلوا أحيانا للدفاع عن الضحية، فإن معظم الدجاجات التزمت الحياد، ما يكشف عن عالم اجتماعي معقد يتضمن التعاون والتعاطف والتنافس والعدوانية وتفاوت الشخصيات الفردية.

وبحسب ليزلي، فإنه من الواضح أن الدجاجات تختلف فيما بينها سلوكيا، وأن لكل منها سمات تجعلها فردا مميزا عن غيرها. ومع ذلك، لا يزال من الصعب تحديد مدى اختلاف شخصياتها بصورة دقيقة.

وتشير إلى دراسة أظهرت أن الكتاكيت الصغيرة تشكل تسلسلات اجتماعية هرمية، أو ما يُعرف بترتيب النقر، وهو مصطلح يشير إلى نظام اجتماعي غريزي يحدد مكانة وسلطة كل طائر في القطيع.

وتكشفت النتائج أن الكتاكيت لا تنتظر مرحلة النضج لتحديد مواقعها داخل الجماعة، بل تبدأ في تأسيس علاقات الهيمنة والخضوع منذ الأيام الأولى من حياتها، حيث تضم مجموعات الكتاكيت عادة فردا أو اثنين يهيمنان على بقية المجموعة، ما يكشف عن نشوء تنظيم اجتماعي معقد في عمر لا يتجاوز بضعة أيام.

إعلان

ماذا يحدث داخل دماغ الدجاج؟

تشير الأدلة التجريبية والمشاهدات الميدانية معا إلى أن الدجاج قادر على استيعاب حالات الآخرين والتفاعل معها، وهي قدرات ترتبط بعمليات عصبية معقدة داخل الدماغ كشفت الدراسات عن بعض ملامحها.

وتقول ليزلي إنها اكتشفت أن أدمغة الدجاج تتمتع بما يُعرف بالتخصص النصفي أو التموضع الجانبي للوظائف الدماغية، أي أن نصفي الدماغ لا يؤديان الوظائف نفسها، بل يتقاسمان المهام بطريقة متخصصة، مشيرة إلى أن "هذا الاكتشاف كان جزءا من أول دليل يظهر أن الدماغ غير المتماثل وظيفيا ليس سمة بشرية فريدة كما كان يُعتقد سابقا".

وتوضح ليزلي أن تعرض جنين الكتكوت للضوء داخل البيضة قبل الفقس يؤدي إلى نشوء اختلافات وظيفية بين نصفي الدماغ.

ففي المراحل الأخيرة من النمو، ينقلب الجنين داخل البيضة بحيث تكون عينه اليمنى فقط مجاورة لقشرة البيضة والغرفة الهوائية، وبالتالي يمكن تحفيزها بالضوء، بينما تكون عينه اليسرى محجوبة بجسم الجنين.

ونتيجة لذلك ينمو كل نصف من الدماغ بطريقة مختلفة، ما يؤدي إلى تخصص وظيفي واضح بين الجانبين. وكشفت تجارب ليزلي، التي أسهمت في تغيير فهم العلماء لأدمغة الطيور، أن هذا التقسيم يمنح الدجاج ميزة مهمة، إذ يسمح لها بالبحث عن الطعام والتمييز بين الحبوب ومراقبة المفترسات والتهديدات والانتباه للمثيرات الجديدة في الوقت نفسه.

فبينما يتولى النصف الأيمن (المرتبط غالبا بالعين اليسرى) التحكم في استجابات الخوف والهروب، يهتم النصف الأيسر (المرتبط غالبا بالعين اليمنى) بمعالجة التفاصيل.

وتوضح الباحثة أن الكتاكيت التي تتمتع بدرجة أعلى من التخصص النصفي للدماغ تميل إلى إنشاء تسلسلات هرمية أكثر صرامة من تلك التي تشكلها الكتاكيت ذات التخصص الجانبي الأضعف. كما تعتمد قوة التخصص الجانبي على ما إذا كانت الكتاكيت تُربى في حاضنات أو مع دجاجة أم.

وفي عام 2005، أعلنت مجموعة دولية من علماء الأعصاب تُعرف باسم "اتحاد تسمية دماغ الطيور" أن الوقت قد حان لتحديث المصطلحات العلمية المستخدمة منذ قرن لوصف دماغ الطيور، بعدما كشفت الأبحاث الحديثة أن كثيرا من هذه التسميات تعكس تصورا قديما يقلل من قدرات الطيور الإدراكية.

وأوضح العلماء أن منطقة من دماغ الطيور تُعرف باسم "الباليوم" تؤدي وظائف معرفية تماثل الوظائف التي تنسب عادة إلى القشرة المخية الحديثة لدى الثدييات، بل قد تتفوق عليها لدى بعض الأنواع.

وخلصوا إلى أن التصور التقليدي الذي يفترض أن الثدييات تعتمد على التفكير المعقد بفضل قشرتها المخية الحديثة بينما تتحرك الطيور فقط بدافع الغرائز هي فكرة غير دقيقة علميا.

إعادة النظر في علاقتنا بالدجاج

بالمقارنة مع النباتات والحشرات، يعيش الدجاج عالمه بدرجة مرتفعة من الذكاء والحساسية والإدراك تتجاوز مجرد كونه منتجا غذائيا بالنسبة لمعظم الناس.

وتشير الأدلة المتراكمة إلى أن هذه الطيور ليست مجرد كائنات بسيطة، بل تمتلك بنى دماغية قادرة على دعم عمليات معرفية معقدة تشمل التعلم والذاكرة وحل المشكلات واتخاذ القرار، ما يجعلها تستحق مزيدا من الفهم والاهتمام.

كما تكشف هذه الدراسات عن الحاجة إلى إعادة التفكير في كيفية تعامل البشر مع مليارات الدجاجات التي تعيش وتموت سنويا داخل أنظمة التربية الصناعية المكثفة، حيث تبقى معظمها مجهولة الهوية، رغم امتلاكها حياة أكثر ثراء وتعقيدا مما كنا نتصور.

وتقول ليزلي "نعلم اليوم أن الدجاج المستأنس يتمتع بقدرات إدراكية معقدة تضاهي أنواع الطيور الأخرى، بل ويمكننا القول إن كثيرا من قدراته يمكن مقارنتها بقدرات الثدييات. ونتيجة لهذه المعرفة المتزايدة، ظهرت مطالب متنامية لتحسين رفاهية الدجاج المستخدم في إنتاج البيض واللحوم".

وتختم حديثها بالقول "قد شهدنا توجها متزايدا نحو تربية الدجاج في المراعي المفتوحة، ويعود ذلك جزئيا إلى تفضيل المستهلكين شراء البيض الذي تضعه هذه الدجاجات، وكذلك اللحوم التي تُربى في ظروف مماثلة".



إقرأ المزيد