الجزيرة.نت - 9/10/2026 9:35:03 PM - GMT (+3 )
علاقة المحافظين الألمان بالصحافة اليسارية واليسارية الليبرالية لم تكن في يوم من الأيام على ما يرام. حتى أن هيلموت كول، المستشار الأسبق (1982-1998) امتنع طوال سنوات حكمه عن إجراء مقابلات رسمية مع مجلة "دير شبيغل" التي يتسابق المسؤولون الألمان على الحديث معها.
وامتد ذلك إلى مراسم تأبين مؤسس المجلة رودولف أوغشتاين عام 2002 بمدينة هامبورغ، والتي غاب عنها تقريبا جميع كبار السياسيين المحافظين، سواء من الحزب المسيحي الديمقراطي "سي دي أو" (CDO) أو من شقيقه البافاري الحزب المسيحي الاجتماعي "سي إس أو" (CSO).
ومن هنا، يمكن فهم لهجة الصحافة المحسوبة على اليسار في معالجتها للأزمة الحالية التي يمر بها المحافظون الألمان والتي تبدو في بعض الأحيان متحاملة على المستشار المحافظ فريدريش ميرتس بعد الهزيمة الكبيرة التي مني بها حزبه في انتخابات ولاية سكسونيا أنهالت لصالح اليمين المتطرف ممثلا بحزب "البديل من أجل ألمانيا".
بـ"ملك الحطام" تصف مجلة "دير شبيغل" ميرتس في افتتاحيتها اليوم، بينما وصفت "زود دويتشه تسايتونغ" المستشار بأنه "يدخل معركة الصراع على البقاء". أما صحيفة "دير فرايتاغ" الأسبوعية اليسارية فعلقت على الانتخابات الأخيرة بعنوان "الخاسر الأكبر يجلس في برلين.. هل يسمع ميرتس هذه الطلقة؟".
كل ذلك يدفع المراقب إلى البحث في صحف ومجلات تعرف بتوجهاتها المحافظة، لمعرفة كيف تقرأ هذه الهزيمة وتداعياتها على مستقبل المستشار وحزبه، وما إذا كانت ترى في نتائج انتخابات سكسونيا أنهالت مجرد انتكاسة انتخابية أم بداية أزمة سياسية أعمق قد تؤدي إلى تنحي ميرتس من منصبه قبل الموعد المحدد للانتخابات البرلمانية العامة عام 2029.
ميرتس في القاعصحيح أن الصحيفة المحافظة "دي فيلت" ودار النشر التي تصدر عنها "أكسل شبرنغر" لها حساباتها عندما يدور الحديث عن ميرتس وعلاقة حزبه باليمين المتطرف، ولكن عنوانها اليوم كان لافتا.
إعلان
ففي مقال رأي بعنوان "ميرتس في القاع" كتب مارك فيليكس سيرا أن المستشار ظهر في الجلسة العامة للبرلمان (بوندستاغ) "متخبطا بين الطرح العاطفي والعدوانية، ومشوها للحقائق وفاقدا لتسلسل أفكاره، الأمر الذي جعل خطابه أمام السلطة التشريعية الأولى في البلاد مأساة سياسية بكل معنى الكلمة".
من أين نبدأ؟ -يسأل الكاتب- ويجيب "ربما من الإجابة المقنعة التي أراد ميرتس أن يقدمها للشباب الألماني أمس في البرلمان (يتهكم الكاتب) أم من قوله إن ألمانيا لا تزال تقدم اختراعات تحمل شعار (صنع في ألمانيا) وإنها تمتلك شركات رائدة، أم من قوله إن ألمانيا رغم كل مشاكلها لا تزال أمامها فرص كثيرة وإن عليها الاعتراف بأخطائها والتسامح والنهوض مجددا، وصناعة المستقبل؟".
ميرتس يمر بأضعف لحظاته على الإطلاق ـيضيف سيراـ فكل ما يملكه هي ذكريات عاطفية عن وعود برخاء أصبح هشا وبإنجازات يعود الفضل في تحقيقها لشركات وجمعيات ومبادرات، وليس لحزب المستشار فيها لا ناقة ولا جمل.
فحزب ميرتس المسيحي الديمقراطي الذي تولى قيادة الحكومة الاتحادية لمدة 53 عاما من أصل 77 عاما من تاريخ جمهورية ألمانيا الاتحادية، لا يزال يذكرنا في كل مناسبة بإنجازاته خلال القرن العشرين، من إعادة إعمار البلاد إلى إعادة توحيد الألمانيتين. كل ذلك صحيح ومهم، لكن كل ذلك أصبح ماضيا بعيدا.
ويختم الكاتب بالقول "كان بإمكان ميرتس أن يستغل الجلسة العامة في البرلمان لتحقيق اختراق سياسي وتخفيف الضغوط عنه وعن حزبه. لكنه، في محاولته القيام بذلك، لم ينجح إلا في إيذاء نفسه".
ميرتس في أعمق أزماتهوفي مقال رأي آخر بصحيفة "دي تسايت" يرى الكاتب برنت أولريش أن المستشار يمر بأعمق أزمة منذ توليه منصبه في مايو/أيار 2025.
فشعبيته تتراجع، وحزبه يخسر انتخابات تلو الأخرى، والانقسامات داخل حزبه تزداد حدة، وسلطته تتراجع حتى داخل صفوف حزبه. ومع ذلك، لا يبدو أن هناك من يريد الإطاحة به، لأن سقوطه في الظروف الحالية قد يطلق سلسلة تداعيات غير محسوبة تبدأ بالانقسام وقد تمتد إلى انهيار التوازن السياسي والحزبي برمته.
ويعتبر الكاتب أن جوهر المشكلة لا يكمن في نتائج الانتخابات أو في ضعف شعبية ميرتس، بل في أسلوبه وشخصيته القيادية. فعندما يتعرض ميرتس للضغط، يرد إما تقديم نفسه كرجل حاسم أو كمسؤول عن توبيخ الآخرين وتصحيح سلوكهم.
ويرى أن هذا الأسلوب قد ينجح في بعض الأوساط الاقتصادية التي اعتاد ميرتس التعامل معها، لكنه يفشل تماما عندما يتعلق الأمر بالمواطنين، بل يزيد نفورهم منه ويضعف قدرته على تنفيذ الإصلاحات التي تحتاجها البلاد.
وينتقد الكاتب بصورة خاصة نظرة ميرتس إلى الناس. فهو -حسب المقال- يميل إلى الاعتقاد بأنه يمكن دفعهم إلى سلك الطريق التي ترسمها لهم السياسة وذلك من خلال الضغط أو الحوافز المادية، بدلا من إقناعهم وبناء الثقة معهم.
إعلان
ومن هنا يرى الكاتب أن ميرتس لا يحتاج إلى تحسين خطابه الإعلامي فحسب، بل تغيير فلسفته السياسية ونظرته إلى المواطنين. فالأزمات الحالية -في رأيه- تفرض على المستشار أن يقول للناس بوضوح إن الدولة لم تعد قادرة على حل جميع المشاكل بمفردها، وإن الإصلاحات لن تنجح من دون تعاون المواطنين وتحملهم جزء من المسؤولية، وإن السنوات المقبلة لن تكون مثل الماضية.
ويخلص المقال إلى أن السؤال ليس فقط ما إذا كان ميرتس قادرا على تغيير خطابه، بل ما إذا كان قادرا على تغيير نفسه. فميرتس قد لا يسقط لأن خصومه يريدون إسقاطه، لكنه قد يسقط لأنه عاجز عن التكيف مع الأزمات وتغيير أسلوب قيادته.
سردية غير مقنعةالصحيفة المحافظة "فرانكفورتر ألغماينه" لا تختلف كثيرا في رأيها حول مصير المستشار عن زميلتها "دي تسايت" وتقول على لسان برتهولد كولر إن هزيمة حزب ميرتس أمام نظيره "البديل" في انتخابات ولاية سكسونيا أنهالت كشفت أزمة عميقة في ألمانيا، وإن ميرتس يدرك أن حكومته تتحمل جزء كبيرا من المسؤولية.
لكنها تضيف أن المشكلة تكمن في أن ميرتس لم ينجح حتى الآن في تقديم "سردية جديدة" تقنع الألمان بضرورة الإصلاحات والتضحيات التي تواجهها البلاد.
ويشير الكاتب إلى أن ألمانيا عاشت طويلا على نجاحاتها الاقتصادية الماضية، بينما تقدمت دول مثل الصين بسرعة، كما أن الحرب الروسية والتوترات الدولية جعلت الحفاظ على مستوى المعيشة والأمن السابق أكثر صعوبة.
لذلك لم يعد ممكنا ـبحسب الصحيفةـ أن تتعهد الحكومة باستمرار الازدهار من دون أن تطلب من الناخبين تقديم تضحيات وتحمل مسؤولية أكبر.
وفي المقابل، نجح حزب البديل في تقديم رواية أكثر بساطة وجاذبية للناخبين، تقوم على فكرة إمكانية العودة إلى "العصر الذهبي" من خلال الغاز الروسي الرخيص وتقليص الهجرة، علما بأن هذه الرواية وهمية لأنها تخفي التكاليف الحقيقية التي ستواجهها ألمانيا، والتي لن يستطيع "البديل" نفسه تجنبها إذا وصل إلى السلطة، بحسب "فرانكفوتر ألغماينه".
وتخلص الصحيفة إلى أن ألمانيا تحتاج إلى رواية سياسية جديدة وصادقة تشرح للمواطنين لماذا أصبحت الإصلاحات والتضحيات ضرورية.
وإذا لم تستطع الأحزاب الديمقراطية تقديم هذه الرواية، فسيواصل "البديل" الاستفادة من وعود سهلة ومضللة، بغض النظر عمن يشغل منصب المستشارية، في إشارة من الصحيفة إلى أن المشكلة ليست في ميرتس شخصيا بل فيما يقدمه مع حكومته للمواطنين.
إقرأ المزيد


