قمح أرخص وطريق أغلى.. كيف ضاقت مسارات التصدير عبر رومانيا؟
الجزيرة.نت -

Published On 11/9/2026

في مخزن للحبوب برومانيا، تبدو وفرة المحصول هذا العام مفارقة قاسية للمزارع فانيل بيتانسا. فالمشكلة ليست فيما أخرجه الحقل، بل في السعر الذي يمكن أن يبيعه به، وفي الطريق الذي تسلكه الحبوب إلى السوق.

يقول بيتانسا، وهو مزارع روماني، إن مخاطر تحرك السفن المحملة بالحبوب تُضاف إلى كلفة الشحن، فيما ينافس القمح الأوكراني الأرخص المنتج المحلي. ويطرح السؤال الذي يلخص الضغط على المزارع: لماذا يشتري التاجر قمحا رومانيا بسعر أعلى، إذا كان يستطيع شراء القمح الأوكراني بسعر أقل؟

هنا تظهر آلية الأزمة التي يوثقها تقرير للجزيرة، أعده محمد البقالي من رومانيا، فالحرب لا تعطل ميناء فقط، بل تدفع الحبوب إلى طرق بديلة تزدحم سريعا، ثم تضيق بدورها تحت ضغط الجفاف.

محصول وفير بمزرعة رومانية لكن المزارعين يواجهون ضغط المنافسة مع القمح الأوكراني الأرخص وكلفة الشحن المرتفعة. (الجزيرة)
كونستانتسا.. ميناء أمام حمل إضافي

من مخازن الحبوب تنطلق الشاحنات إلى ميناء كونستانتسا على البحر الأسود. وقد دفعت الهجمات الروسية التي عطلت موانئ أوكرانية وهددت أخرى بهذا الميناء الروماني إلى قلب تجارة الحبوب الأوكرانية، بوصفه واحدا من المسارات البديلة للتصدير.

داخل محطة الحبوب، تصل شحنات من رومانيا وأوكرانيا ودول مجاورة. تبدأ الرحلة بفحص الوثائق، ثم أخذ العينات واختبار مطابقة الحبوب للمعايير، قبل تخزينها وتحميلها في السفن. تبدو العملية سريعة في تفاصيلها، لكنها لا تغير حدود الطاقة التي صمم الميناء لاستيعابها.

سفينة قرب صوامع الحبوب في ميناء كونستانتسا الروماني الذي استقبل جزءا من حركة الحبوب الأوكرانية بعد تعطل مسارات التصدير البحرية. (الجزيرة)
القطارات تعود إلى الواجهة

ويقول فيوريل بانيت، المدير العام لشركة استغلال ميناء الحبوب، إن أوكرانيا دولة كبيرة تحتل موقعا متقدما في إنتاج الحبوب وتصديرها. ويضيف أن رومانيا تستطيع استيعاب جزء من هذه الحبوب، لكن ميناء كونستانتسا صمم لخدمة المجال الاقتصادي الروماني، لا لخدمة رومانيا وأوكرانيا معا.

إعلان

هذه ليست مشكلة إجرائية داخل الميناء، بل فجوة بين حجم صادرات بلد كبير وقدرة البنية المتاحة خارجه. لذلك عادت السكك الحديدية إلى الواجهة لتوزيع الحمل.

ويقول دان دولغان، مدير محطة الحبوب في ميناء كونستانتسا، إن الحبوب الأوكرانية لم تصل إلى المحطة بهذا المسار منذ عام 2023، حتى بدأت بالوصول مجددا قبل نحو ثلاثة أسابيع من تصوير التقرير. ويربط عودة القطارات بعدم قدرة أوكرانيا على استخدام موانئها البحرية.

السكك الحديدية عادت مسارا لنقل الحبوب الأوكرانية إلى رومانيا مع تعذر استخدام موانئ أوكرانية. (الجزيرة)
الدانوب.. حين يضيق البديل أيضا

لكن البديل لا ينتهي عند القطار والميناء. فطريق الدانوب، الذي يُفترض أن يخفف الضغط عن المسارات الأخرى، يواجه هو الآخر اختبارا مختلفا: انخفاض المياه.

في بعض أجزاء النهر، بلغت الضحالة حدا جعل الملاحة متعذرة حتى على القوارب الصغيرة. ويوثق التقرير قوارب عالقة على ضفاف موحلة، غادرها أصحابها في انتظار عودة الأمطار.

ويقول أليكس، قبطان قارب على نهر الدانوب، إنه توقف عن العمل منذ شهرين بسبب ضحالة المياه. ويضيف أن العمق في هذه الفترة من العام يُفترض أن يقترب من أربعة أمتار في موقعه، لكنه لا يتجاوز حاليا ما بين 40 و60 سنتيمترا.

انخفاض المياه في جزء من نهر الدانوب أوقف الملاحة حتى للقوارب الصغيرة مضيفا عائقا أمام طرق النقل البديلة. (الجزيرة)
كلفة تنتقل من حلقة إلى أخرى

لا يعني ذلك توقف الملاحة في كامل الدانوب، لكنه يبين هشاشة الاعتماد على الطرق البديلة. فحين تدفع الهجمات الحبوب بعيدا عن الموانئ الأوكرانية، تزداد الحاجة إلى الميناء الروماني والقطار والنهر. وحين تضيق قدرة أي حلقة منها، تنتقل الكلفة إلى الحلقة التالية.

في نهاية هذه السلسلة، يرسم التقرير مفارقة موسم الحصاد في زمن الحرب: مزارع روماني يواجه سعرا أقل لمحصوله تحت ضغط المنافسة، وحبوب تصل إلى مستورديها بكلفة أعلى بسبب المخاطر وطول الطريق وضيق الطاقة اللوجستية.

ليست المسألة نقصا في القمح فقط، بل قدرة الطريق على حمله. وبين ميناء لا يستطيع تعويض موانئ أوكرانيا، وقطارات عادت تحت الضغط، ومياه انخفضت في أجزاء من الدانوب، يصبح تصدير الحبوب اختبارا يوميا لاقتصاد الحرب والجفاف معا.



إقرأ المزيد