هرمز والمخا وعلي الطاهر.. كيف تتحول المواقع الإستراتيجية إلى أوراق ضغط؟
الجزيرة.نت -

أثارت أنباء سيطرة الحوثيين على مدينة المخا اليمنية ومينائها مخاوف على أمن الملاحة قرب باب المندب، في وقت يعاني فيه مضيق هرمز اختناقا حادا في حركة السفن منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

ومع تعطل جزء كبير من التصدير عبر هرمز، ازدادت أهمية الموانئ السعودية على البحر الأحمر منافذَ بديلة. لكن الطريق منها جنوبا يمر بباب المندب، حيث تصاعدت هجمات الحوثيين قرب الممر، وهو ما يضع هذا البديل أمام اختبار: هل يكفي تجاوز هرمز إذا ظل جزء من مسار الشحن نفسه عرضة للخطر؟

وفي جنوب لبنان، تبدو الصورة مختلفة، لكن أهمية الموقع تتجاوز حدود السيطرة الميدانية أيضا، فمرتفعات علي الطاهر لم تعد مجرد نقطة عسكرية متنازع عليها، بل أصبحت جزءا من معادلة أوسع ترتبط بالانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح حزب الله.

ورغم اختلاف هذه المواقع ووظائفها، فإن قيمتها لا تُقاس بمساحتها أو بمجرد السيطرة عليها، بل بما يمكن أن تغيّره في حركة الخصم وإمداده وخياراته عند التفاوض.

هرمز.. لماذا يصعب تجاوز الاختناق؟

لا تكمن خطورة تراجع الملاحة في هرمز في عدد السفن وحده، بل في طبيعة المضيق وكيف تحول إلى إحدى ساحات الضغط في الحرب.

فقد أعلن الحرس الثوري الإيراني إغلاقه في 2 مارس/آذار الماضي، بينما فرضت الولايات المتحدة لاحقا حصارا على الموانئ الإيرانية، لتدخل الملاحة نفسها في صلب المواجهة.

وأظهرت بيانات أولية نقلتها رويترز، الخميس، أن 7 سفن فقط رُصدت أثناء عبور هرمز الأربعاء، مقابل متوسط 14 خلال الأيام العشرة السابقة، مع احتمال مرور سفن أخرى بعد إطفاء أجهزة التتبع.

وقبل الحرب، كان يعبر المضيق -وفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية- نحو 20 مليون برميل من النفط ومشتقاته يوميا، إضافة إلى نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا.

وبحسب بيانات نقلتها رويترز، تراجعت صادرات الخام الخليجية بنحو 47%، من قرابة 17 مليون برميل يوميا في 2025 إلى نحو تسعة ملايين في أغسطس/آب 2026.

إعلان

ولا يتطلب تعطيل الملاحة إغلاق المضيق بالكامل، فكما يشير الباحث في مركز الجزيرة للدراسات محمد عبد العاطي، يكفي ارتفاع مستوى التهديد لدفع شركات الشحن إلى تعليق العبور أو تأجيله، بما يرفع تكاليف الشحن والتأمين.

وما يميز هرمز أن السفن الموجودة داخل الخليج لا تستطيع الالتفاف حوله عبر طريق بحري آخر، وهي النقطة التي أبرزها خبير النقل البحري ريتشارد ماثيوز في حديث للجزيرة.

ومع صعوبة التصدير عبر هرمز، ازدادت الحاجة إلى منافذ أخرى خارج الخليج، خصوصا عبر البحر الأحمر.

سفن تُشاهد في مضيق هرمز، قبالة مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران (الفرنسية)
من هرمز إلى البحر الأحمر.. هل يكفي إيجاد البديل؟

برز ميناء ينبع السعودي هنا بوصفه أحد أهم منافذ تجاوز هرمز، لكن المشكلة لا تنتهي بمجرد نقل نقطة التصدير؛ فسلامة الشحنات بعد خروجها إلى البحر الأحمر تبقى مرتبطة بما يجري قرب باب المندب.

وربطت رويترز تراجع تحميلات الخام والمكثفات من ينبع أواخر يوليو/تموز وأغسطس/آب باشتداد هجمات الحوثيين قرب باب المندب، قبل تعافيها في سبتمبر/أيلول. وبذلك امتدت حسابات أمن التصدير من الخروج من هرمز إلى الطريق عبر البحر الأحمر.

وهذا يضاعف أهمية المخا، إذ قالت مصادر حكومية يمنية لرويترز إن الحوثيين سيطروا على المدينة ومينائها.

ولا تأتي أهميتها من الميناء وحده؛ فطريق تعز-المخا يمثل مسارا رئيسيا لإمداد القوات الحكومية على الساحل الغربي، كما تقع المدينة قرب المجال الجبلي الممتد نحو باب المندب.

ويعني التقدم إليها الاقتراب من الساحل والمرتفعات المشرفة على نطاق المضيق، بما يوسع إمكانات الرصد والتأثير في الملاحة ويزيد الضغط على طرق الإمداد.

لكن ذلك لا يعني السيطرة على باب المندب أو توقف الملاحة فيه، فبحسب بيانات التتبع التي نقلتها رويترز، عبر المضيق الأربعاء 28 سفينة لنقل السلع الأولية، مقابل متوسط 27 خلال الأيام العشرة السابقة. وهذه البيانات سبقت أنباء المخا الخميس؛ فهي تثبت استمرار العبور قبل ورودها، ولا تحسم أثر التطورات اللاحقة.

والفارق حتى الآن أن هرمز يعاني اختناقا مقيسا بالأرقام، بينما ترتفع المخاطر حول باب المندب من دون تراجع مماثل في العبور.

وهناك فارق آخر، فالسفن داخل الخليج لا تملك طريقا بحريا يلتف حول هرمز، بينما يمكن للسفن بين آسيا وأوروبا تجنب باب المندب بالدوران حول رأس الرجاء الصالح، لكن بكلفة ووقت ومسافة أكبر.

آثار دمار عقب ضربات حوثية على مدينة المخا الساحلية غربي اليمن في 10 أغسطس/آب 2026 (رويترز)
علي الطاهر.. حين تتجاوز المعركة حدود التلة

في لبنان تختلف آلية الضغط، فمرتفعات علي الطاهر تقع شمال نهر الليطاني، وترتفع نحو 600 متر عن سطح البحر، وتشرف على مسارات الوصل بين الجنوب والبقاع، كما تشكل مدخلا إلى إقليم التفاح وجبل الريحان؛ أي إن قيمتها تمتد إلى حركة الأفراد والإمداد والاتصال بين مناطق أوسع.

وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، مساء الخميس، أن الجيش الإسرائيلي دمّر البنى التحتية التابعة لحزب الله تحت الأرض، في مرتفعات علي الطاهر، مشيرين إلى "استكمال المنطقة الأمنية" في جنوب لبنان.

إعلان

وأفاد مراسل الجزيرة بوقوع تفجيرات إسرائيلية في المنطقة، في حين قالت وكالة الأنباء اللبنانية إن التفجيرات أحدثت ارتجاجات، ودويا قويا تردد صداه في بلدة النبطية جنوبي البلاد.

وكانت وكالة رويترز نقلت عن مصادر أمنية لبنانية تقديرها أن حزب الله ربما أقام منشآت قيادة وتخزين تحت المرتفعات، فيما وصفت المصادر نفسها إقليم التفاح، المرتبط جغرافيا بالموقع، بأنه منطقة ذات أهمية لوجستية وعملياتية للحزب.

وفي 3 سبتمبر/أيلول أعلن الاحتلال الإسرائيلي "السيطرة العملياتية" على مرتفعات علي الطاهر.

غير أن الإعلان لم يحسم الخلاف الأوسع المرتبط بالموقع؛ فبحسب رويترز، تعطلت خريطة طريق بوساطة أمريكية تقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي بالتوازي مع نزع الجيش اللبناني سلاح حزب الله، مع رفض الحزب التخلي عن سلاحه واشتراط إسرائيل نزعه قبل الانسحاب.

وبذلك لم يعد الخلاف على علي الطاهر خلافا على موقع بعينه، بل على ما قد يترتب عليه شمال الليطاني.

وفي سياق ارتباط الموقع بالتفاوض، دعا السفير الأمريكي في بيروت ميشال عيسى إلى انتظار ما ستؤول إليه التطورات في علي الطاهر، مؤكدا أن بوابة الحل تمر عبر سحب سلاح حزب الله.

تلة علي الطاهر تظهر في الخلفية مشرفة على منازل مدمرة في بلدة كفررمان جنوبي لبنان، الجمعة 4 سبتمبر/أيلول 2026 (أسوشيتد برس)
متى يتحول الموقع إلى ورقة ضغط؟

تكشف الحالات الثلاث أن أهمية أي موقع لا تُقاس بمجرد السيطرة عليه، بل بما يفرضه ذلك على الطرف الآخر.

ففي هرمز، يكشف تراجع الصادرات أثر تعطيل ممر يصعب تجاوزه، وعلى البحر الأحمر، تظهر تجربة ينبع أن وجود منفذ بديل لا يعزل الشحنات عن المخاطر، فيما لا تعني أنباء السيطرة على المخا التحكم في باب المندب.

أما في لبنان، فلم يحسم الإعلان الإسرائيلي بشأن علي الطاهر ملف السلاح والانسحاب.



إقرأ المزيد