بوصلة الاستثمار وسط العاصفة.. كيف تستثمر حين تصمت الأرقام؟
الجزيرة.نت -

تضع اضطرابات التجارة وتقلبات أسعار الطاقة والفائدة، إلى جانب الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي، المستثمرين أمام حسابات تتجاوز نتائج الشركات وأرباحها. فتغير كلفة التمويل أو اضطراب الإمدادات أو ظهور تقنيات منافسة قد يدفع الأسواق إلى إعادة تقييم الشركات، قبل أن تنعكس آثار هذه التطورات على قوائمها المالية.

وفي هذه البيئة، يصعب التمييز بين هبوط مؤقت في الأسعار وتراجع يعكس تغيرا جوهريا في آفاق الاستثمار. ويجد المستثمر نفسه بين الخوف من اتساع الخسائر والرغبة في اقتناص الفرص، بينما تزيد الأخبار المتلاحقة والتوصيات المتضاربة صعوبة اتخاذ القرار.

قصص مقترحة list of 3 itemsend of list

وتقدم خسائر إنفيديا في 27 يناير/كانون الثاني 2025 مثالا على سرعة تغير حسابات الأسواق، إذ فقدت الشركة نحو 593 مليار دولار من قيمتها السوقية خلال جلسة واحدة، بعدما هوى سهمها بنحو 17%، مسجلا أكبر خسارة يومية في القيمة السوقية لشركة أمريكية آنذاك.

ولم يكن وراء الهبوط إعلان عن انهيار الأرباح أو تراجع مبيعات الرقائق، بل ظهور نموذج ذكاء اصطناعي منخفض التكلفة طورته شركة "ديب سيك" الصينية، أثار تساؤلات بشأن حجم الإنفاق اللازم لتطوير هذه التكنولوجيا، ومدى استمرار الطلب على الرقائق المتطورة بالوتيرة التي توقعتها الأسواق.

وتكشف الواقعة أن دراسة أرباح الشركة وأدائها، على أهميتها، لا تحسم وحدها جدوى الاستثمار فيها. فقد تتغير توقعات نموها بفعل تطور تكنولوجي أو قرار اقتصادي، بينما تظل بياناتها المالية السابقة على حالها.

فكيف يقيم المستثمر الشركات حين يزداد الغموض بشأن آفاقها المستقبلية؟ وإلى أي مدى تستطيع الملاذات التقليدية حماية أمواله؟ ومتى يكون التمسك بالقرار انضباطا، ومتى يتحول إلى عناد يستنزف الثروة؟

صدمات تجارية

خسرت الشركات المدرجة في مؤشر "إس آند بي 500" نحو 2.4 تريليون دولار من قيمتها السوقية خلال جلسة الثالث من أبريل/نيسان 2025، عقب إعلان واشنطن فرض رسوم جمركية واسعة على الواردات، وسط مخاوف من اضطراب التجارة العالمية وتباطؤ النمو الاقتصادي.

إعلان

ولم تعكس موجة البيع تراجعا معلنا في أرباح الشركات الأمريكية خلال تلك الساعات، بل تشهد تغيرا في توقعات المستثمرين بشأن تكاليف الإنتاج وسلاسل التوريد والطلب. فقد أعادت الأسواق تسعير المخاطر قبل اتضاح تداعيات الرسوم وردود الدول المتضررة عليها.

وتبرز هذه الواقعة صعوبة اتخاذ القرار الاستثماري عندما تتغير السياسات الاقتصادية بصورة مفاجئة، إذ يضطر المستثمر إلى مراجعة حساباته بمعلومات غير مكتملة، وقد لا توفر التجارب السابقة أساسا كافيا لتقدير حجم الخسائر المحتملة أو مدتها.

الشركات المدرجة في مؤشر "إس آند بي 500" خسرت نحو 2.4 تريليون دولار عقب إعلان الرسوم الجمركية الأمريكية (الفرنسية)
بوصلة الاستثمار

تتداخل أسعار الفائدة وأرباح الشركات مع تكاليف الطاقة والتوترات التجارية والتحولات التكنولوجية في تحديد وجهة رؤوس الأموال، فتتغير جاذبية الأسواق والقطاعات، ويعيد المستثمرون النظر في توزيع أموالهم.

وتوضح أزمة الطاقة عام 2022 كيف تنتقل آثار هذه المتغيرات بين الأسواق، إذ ارتفعت أسعار الطاقة في الولايات المتحدة بنسبة 41.6% خلال يونيو/حزيران على أساس سنوي، مما أسهم في بلوغ التضخم 9.1%، وفق مكتب إحصاءات العمل الأمريكي.

ومع تصاعد الضغوط التضخمية، رفع الاحتياطي الفدرالي أسعار الفائدة تدريجيا إلى نطاق بين 5.25% و5.50% في يوليو/تموز 2023. وعزز ذلك العوائد المتاحة على أدوات الدخل الثابت، لكنه زاد كلفة الاقتراض، وضغط على قدرة الشركات على تمويل توسعاتها.

وتؤثر التوترات التجارية والجيوسياسية كذلك في وجهة الاستثمارات، فبحسب صندوق النقد الدولي، بات التقارب الجيوسياسي بين الدول يؤدي دورا متزايدا في توجيه الاستثمار الأجنبي المباشر، وسط مخاوف من أن يضعف الانقسام الاقتصادي العالمي النمو وانتقال رؤوس الأموال والتكنولوجيا.

وبالتوازي، يستقطب الذكاء الاصطناعي استثمارات ضخمة في الرقائق ومراكز البيانات وشبكات الكهرباء، بما يوسع الفرص أمام المستثمرين. غير أن جاذبية هذه المجالات ترتبط بقدرة الشركات على تحويل إنفاقها إلى أرباح تبرر تقييماتها المرتفعة.

وتوضح هذه التطورات أن قرارات المستثمرين لم تعد تتوقف على اختيار القطاع الأكثر نموا فحسب، بل أصبحت تتطلب فهم العوامل التي تدعم هذا النمو ومدى استمراره.

أسعار الطاقة بالولايات المتحدة ارتفعت 41.6% خلال يونيو/حزيران 2022 على أساس سنوي ليصل التضخم إلى 9.1% (غيتي)
لماذا قد يهبط سهم شركة رغم قوة نتائجها المالية؟

هذه المفارقة واجهت مستثمري مايكروسوفت خلال عام 2022، بعدما سجلت الشركة إيرادات قياسية بلغت 198.3 مليار دولار في سنتها المالية المنتهية في يونيو/حزيران، بزيادة 18%، بينما أنهى سهمها العام متراجعا بنحو 28%، وفقًا لبيانات الشركة و"إس آند بي جلوبال".

لم يكن هذا التراجع نتيجة تدهور الأداء المالي للشركة، فقد تعرضت أسهم التكنولوجيا لضغوط واسعة مع ارتفاع أسعار الفائدة والمخاوف من تباطؤ النمو الاقتصادي، ما وضع المستثمرين أمام معضلة تتعلق بكيفية تحديد القيمة العادلة للشركات عندما تتغير الظروف المحيطة بها رغم نتائجها المالية قوية.

وتكمن صعوبة التقييم في أن قيمة الشركة لا تتحدد بأرباحها الحالية فقط، بل بما يتوقع أن تحققه من تدفقات نقدية مستقبلية، وهي توقعات قد تتأثر بعوامل عديدة يصعب التنبؤ بها.

إعلان

ومن هنا تبرز أهمية وضع أكثر من سيناريو عند تقييم الشركات، بحيث تتوافر بدائل للمستثمر، بدل الاعتماد على توقع واحد قد يصبح غير واقعي إذا تغيرت الظروف.

إيرادات مايكروسوفت ارتفعت لمستوى قياسي بنسبة 18% عام 2022 بينما تراجع سهمها بنحو 28% خلال العام نفسه (رويترز)
اندفاع المستثمرين

لم يعد المستثمر يعاني من نقص المعلومات، بعدما أصبح بإمكانه متابعة أخبار الأسواق وتحليلات الخبراء وتوصيات الشراء والبيع لحظة بلحظة، سواء عبر المنصات المالية أو وسائل التواصل الاجتماعي، لكن سهولة الوصول إلى هذه المعلومات وسرعة انتشارها قد تدفعه إلى اتخاذ قرارات متسرعة.

وتكشف دراسة نشرتها هيئة السلوك المالي البريطانية في ديسمبر/كانون الأول 2024 حجم تأثير هذه العوامل في قرارات المستثمرين الشباب، إذ أظهرت أن 66% من المشاركين في استطلاع شمل ألفي مستثمر تتراوح أعمارهم بين 18 و40 عاما يتخذون قراراتهم الاستثمارية في أقل من يوم، بينما يعتمد 43% منهم على وسائل التواصل الاجتماعي مصدرًا رئيسيًا للبحث عن فرص الاستثمار.

وتتضح خطورة هذا السلوك في النتائج الأخرى للدراسة، فقد أقر 51% من المشاركين بأن الخوف من تفويت الفرص دفعهم إلى استثمار أموال أكثر مما كانوا يعتزمون في البداية، بينما أعرب نحو 40% عن ندمهم على شراء أصول استثمارية حظيت باهتمام وحماس واسعين، ما يكشف كيف يمكن أن تؤثر الاتجاهات الرائجة في قرارات المستثمرين.

وقد تتجاوز تداعيات هذه القرارات حدود المستثمر الفرد عندما يتجه عدد كبير من المتعاملين إلى شراء الأسهم نفسها، مدفوعين بالاهتمام المتزايد بها وارتفاع أسعارها، فتتحول موجة الحماس إلى عمليات شراء جماعية تغذي مزيدا من الصعود، حتى دون حدوث تغير مماثل في الأداء المالي للشركات.

وظهر ذلك خلال موجة المضاربة على سهم شركة جيم ستوب الأمريكية في يناير/كانون الثاني 2021، حين تزايد اهتمام المستثمرين الأفراد بالسهم عبر منتديات ريديت.

وقفز السهم من نحو 20 دولارا في منتصف الشهر إلى 483 دولارا خلال تداولات 28 يناير/كانون الثاني، قبل أن يتراجع بصورة حادة لاحقا، وفق تقرير هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية.

ولتجنب الوقوع في هذا الفخ، توصي هيئة السلوك المالي البريطانية المستثمرين بالتريث قبل اتخاذ القرارات، وعدم الاندفاع وراء الفرص التي تحظى باهتمام واسع على وسائل التواصل الاجتماعي، مع التأكد من فهم طبيعة الاستثمار ومدى توافقه مع أهدافهم المالية وقدرتهم على تحمل المخاطر.

هيئة السلوك المالي البريطانية: 66% من المستثمرين الشباب يتخذون قراراتهم الاستثمارية خلال أقل من يوم (غيتي)
هل توجد ملاذات آمنة في كل الظروف؟

عندما تضطرب الأسواق، يتجه المستثمرون عادة إلى السندات الحكومية والذهب والسيولة النقدية بحثًا عن الأمان، لكن هذه الأصول لا توفر بالضرورة الحماية نفسها في جميع الأزمات.

وتقدم أزمة عام 2022 مثالًا واضحًا على هذه المفارقة، فمع ارتفاع التضخم واتجاه البنوك المركزية إلى زيادة أسعار الفائدة، أصبحت السندات الجديدة أكثر جاذبية بفضل عوائدها المرتفعة، لكن السندات القديمة ذات العوائد المنخفضة فقدت جزءًا من قيمتها السوقية.

وانعكس ذلك على أداء سوق السندات الأمريكية، إذ سجل مؤشر بلومبيرغ للسندات الأمريكية الشاملة خسارة بلغت 13.04% خلال عام 2022، رغم ارتفاع العوائد المتاحة على الإصدارات الجديدة، وهو ما يوضح أن زيادة جاذبية السندات للمشترين الجدد قد تتزامن مع خسائر للمستثمرين الذين يمتلكون سندات سابقة ويحتاجون إلى بيعها قبل استحقاقها.

أما الذهب، فقد قدم صورة مختلفة خلال الأزمة نفسها، إذ أنهى عام 2022 مرتفعًا بنسبة 0.4% بالدولار الأمريكي، مقابل 6.7% باليورو و12.5% بالجنيه الإسترليني، وفق مجلس الذهب العالمي، ما يوضح أن قدرته على حماية ثروة المستثمر لا ترتبط بتحركات سعره عالميًا فقط، بل تتأثر أيضًا بالعملة التي يحتفظ بها المستثمر بأمواله.

إعلان

وفي المقابل، توفر السيولة النقدية مرونة أكبر في مواجهة الالتزامات أو اقتناص الفرص عندما تنخفض أسعار الأصول، لكنها لا تحمي بالضرورة من تآكل القوة الشرائية، فقد أظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي أن القوة الشرائية للدولار تراجعت بنحو 7.4% في المتوسط خلال عام 2022 مقارنة بالعام السابق نتيجة التضخم.

ولذلك تؤكد هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية أهمية توزيع الأموال بين أصول تتناسب مع الأهداف المالية والقدرة على تحمل المخاطر، مع إدراك أن التنويع يقلل بعض المخاطر دون أن يوفر حماية كاملة من تقلبات الأسواق.

متى يتمسك المستثمر بقراره ومتى يغيره؟

لا تقل مراجعة القرار الاستثماري صعوبة عن اتخاذه، فالتراجع الحاد في أسعار الأسهم قد يدفع المستثمر إلى البيع خشية اتساع خسائره، بينما قد يؤدي تمسكه باستثماراته رغم تدهور أوضاعها إلى خسائر أكبر، وهو ما يضعه أمام سؤال محوري حول كيفية التمييز بين تقلبات السوق وتغير الأسباب التي دفعته إلى الاستثمار من البداية.

وفي هذا السياق، تؤكد هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية أن تقلبات الأسواق لا تستدعي بالضرورة اتخاذ قرارات متسرعة، مشددة في إرشادات أصدرتها مؤخرًا على أهمية الالتزام بخطة استثمارية تراعي الأهداف المالية والقدرة على تحمل المخاطر، وتنويع الأصول لتقليل تأثير الاضطرابات على المحافظ الاستثمارية.

لكن الالتزام بالخطة لا يعني تجاهل المتغيرات، إذ توصي الهيئة بمراجعة توزيع الاستثمارات وإعادة التوازن عند الحاجة، خاصة عندما تؤدي تحركات الأسعار إلى تغير الأوزان المستهدفة للأصول، أو عندما تتغير احتياجات المستثمر المالية وقدرته على تحمل الخسائر.

ولعل أخطر ما قد يواجه المستثمر ليس اتخاذ قرار خاطئ في ظل معلومات ناقصة، بل الاستمرار في الدفاع عنه بعدما تظهر حقائق جديدة تثبت أن الأسباب التي استند إليها لم تعد قائمة.



إقرأ المزيد