باسم رئيس رماة السلطان الفاتح.. مدرسة "أوقجو موسى" شاهدة على قرنين من تحولات إسطنبول
الجزيرة.نت -

Published On 11/10/2026

|

آخر تحديث: 20:51 (توقيت مكة)

في قلب حي غالاطة التاريخي بمدينة إسطنبول التركية، تقف مبانٍ يعود تاريخها إلى نحو قرنين، شاهدة على تحولات شهدتها المدينة، بعدما تنقلت بين وظائف دينية وأمنية واجتماعية وتعليمية، قبل أن تستقر اليوم مقرا لمدرسة أوقجو موسى الابتدائية.

فبين جدران هذه المباني، التي احتضنت ذات يوم مساكن لرجال الدين ومدرسة للراهبات، ثم مركزا للشرطة وسجنا ودارا للأيتام ومدرسة للخياطة، تتواصل اليوم رحلة التعليم، في مشهد يجمع ذاكرة الماضي وتطلعات المستقبل.

قصص مقترحة list of 2 itemsend of list

وتضم المدرسة التي تحمل اسم رئيس رماة السلطان العثماني محمد الفاتح 4 مبانٍ تاريخية شُيدت في فترات مختلفة، ولا تتوافر معلومات دقيقة بشأن تواريخ إنشائها، إلا أن التقديرات تشير إلى أن تاريخها يعود إلى خمسينيات القرن التاسع عشر.

وتشير الروايات التاريخية إلى أن المباني استُخدمت في البداية مساكن لرجال دين إنجليز، قبل أن تتحول لاحقا إلى مدرسة للراهبات.

وبجوار المدرسة، يقع مبنى جمعية غالاطة، الذي يُعتقد أن جذوره تعود إلى العهد الجنوي، في دلالة على العمق التاريخي للمنطقة التي تحتضن المدرسة.

مباني المدرسة شهدت تحولا لافتا خلال فترة احتلال إسطنبول عندما استخدمتها القوات البريطانية مركزا للشرطة وسجنا (وكالة الأناضول)
من سجن إلى دار للأيتام

شهدت مباني المدرسة تحولا لافتا خلال فترة احتلال إسطنبول، عقب الحرب العالمية الأولى، عندما استخدمتها القوات البريطانية مركزا للشرطة وسجنا.

ومع انسحاب القوات البريطانية من إسطنبول، تغيرت وظيفة المباني مرة أخرى، ففتحت أبوابها للأطفال الذين لا مأوى لهم، واستخدمت لفترة دارًا للأيتام.

ولاحقًا، تحولت المباني إلى مدرسة للخياطة، لتتواصل فيها العملية التعليمية ولكن في مجال مهني مختلف عن التعليم المدرسي التقليدي.

بعد إغلاق مدرسة الخياطة، بدأت ثلاث مؤسسات تعليمية استخدام المباني التاريخية، هي مدارس غالب دده الابتدائية، وكولديبي الابتدائية، وأوقجو موسى الابتدائية.

إعلان

وبعد أن تقاسمت المدارس الثلاث هذه المباني لفترة، اندمجت لاحقًا تحت اسم مدرسة أوقجو موسى الابتدائية.

وفي مرحلة تالية، تقاسمت المدرسة مبانيها مع مدرسة بيري رئيس الإعدادية.

واعتبارا من العام الدراسي 1968-1969، أصبحت المباني تستضيف مدرستي أوقجو موسى الابتدائية والإعدادية، بنظام الفترتين الدراسيتين.

ومع دمج المرحلتين الابتدائية والإعدادية في العام الدراسي 1988-1989، انتقلت المؤسسة إلى وضع مدرسة التعليم الأساسي، وحملت اسم مدرسة أوقجو موسى للتعليم الأساسي.

وفي أعقاب إعادة تنظيم النظام التعليمي التركي بموجب القانون رقم 6287، وفصل المرحلتين الابتدائية والإعدادية، استعادت المدرسة اسمها الحالي اعتبارا من العام الدراسي 2013-2014.

ومنذ ذلك الحين، تواصل مدرسة أوقجو موسى الابتدائية نشاطها التعليمي بنظام الدوام الكامل.

وخضع مباني المدرسة التاريخية للحماية باعتبارها تراثا ثقافيا منذ عام 1993، في قلب حي غالاطة التاريخي، وتواصل فيها المدرسة نشاطها التعليمي وسط نسيج عمراني يحمل آثار قرون متعاقبة من تاريخ إسطنبول.

مدرسة "أوقجو موسى" بإسطنبول (وكالة الأناضول)
ذاكرة حية بين جدران المدرسة

تقول مديرة المدرسة فيليز يلدز إن العمل داخل مبنى تاريخي يعود إلى نحو قرنين يمنحها شعورا مختلفا، يتجاوز المسؤوليات المعتادة لإدارة مؤسسة تعليمية.

وقالت إن المدرسة تحمل اسم أوقجو موسى، الذي يحمل اسمه أيضا مسجد وأحد شوارع المنطقة.

وتستعرض التحولات التي مرت بها المباني، من استخدامها مركزا للشرطة وسجنا خلال الاحتلال البريطاني، إلى دار للأيتام ثم مدرسة للخياطة.

وتعمل فيليز في مهنة التعليم منذ 22 عاما، وتتولى حاليا إدارة المدرسة الثامنة خلال مسيرتها المهنية.

وأضافت "كونك داخل صرح حي يحمل ذاكرة تاريخية يحمّلك مشاعر مختلفة تتجاوز مجرد الإحساس بالمسؤولية".

وأشارت  أن كل خطوة تخطوها تذكرها بأن هذا المكان جزء من التاريخ، وأن آثاره حاضرة فيه من كل جانب.

وتابعت "على الرغم من مرور نحو قرنين، لا تزال مدرستنا تحافظ على طابعها التاريخي وتواصل مسيرتها في هذا المكان".

وأكدت فيليز أن الحفاظ على هذا الإرث ونقله إلى الأجيال المقبلة يمثلان مصدر فخر ومسؤولية كبيرة بالنسبة إليها.

مديرة المدرسة فيليز يلدز (وكالة الأناضول)
تعليم يواكب المستقبل

ورغم الطابع التاريخي للمباني، أكدت فيليز أن المدرسة تتطلع إلى إعداد جيل يمتلك المهارات اللازمة لمواكبة متطلبات العصر.

وقالت إن المدرسة تعمل، في إطار نموذج التربية والتعليم للقرن التركي، على إعداد طلاب يمتلكون مهارات القرن الحادي والعشرين.

وأوضحت أن هذه المهارات تشمل التفكير التحليلي والنقدي، وحل المشكلات، والعمل الجماعي، والتواصل الفعال.

كما تشمل القدرة على التعامل مع التقنيات الرقمية والإنتاج، بما يساعد الطلاب على مواكبة التطورات الحديثة.

ورأت فيليز أن موقع المدرسة في حي غالاطة التاريخي يمثل ميزة تعليمية إضافية، نظرا إلى ما تزخر به المنطقة من معالم ثقافية وتاريخية.

وتابعت "نهدف إلى إدماج المتاحف والمباني التاريخية والأماكن الفنية ومواقع التراث الثقافي الموجودة في محيطنا ضمن العملية التعليمية".

إعلان

وأوضحت أن هذه الخطوة تهدف إلى مساعدة الطلاب على التعرف إلى البيئة التي يعيشون فيها، والحفاظ على تراثهم الثقافي، واكتشاف القيم التي تتميز بها مدينتهم.

وبذلك، لا تقتصر العملية التعليمية في مدرسة أوقجو موسى على ما يتلقاه الطلاب داخل الصفوف، بل تمتد إلى محيطها التاريخي الذي يتحول بدوره إلى مساحة للتعلم واكتشاف الماضي.

وبين جدران شهدت تحولات امتدت لنحو قرنين، تواصل مدرسة أوقجو موسى أداء رسالتها التعليمية، محافظة على هويتها التاريخية، ومتطلعة إلى إعداد أجيال قادرة على مواكبة المستقبل.

وتختصر يلدز هذه الرؤية بقولها: نحن نستلهم من الماضي، ونمزج هذا الإلهام مع مفهوم التعليم المعاصر، لنُعد طلابنا للمستقبل بثقة، مشددة على أن المدرسة تضع تنشئة الطلاب على القيم الإنسانية في مقدمة أهدافها التربوية.



إقرأ المزيد