كيف تحمي الفيزياء الكمومية كوننا من الفناء الفجائي؟
الجزيرة.نت -

هل يمكن لحالة الفراغ التي يقوم عليها كوننا أن تتغير فجأة وتفسح المجال لقوانين فيزيائية جديدة تمحو كل ما نعرفه؟ هذا التساؤل النظري شغل علماء الفيزياء لعقود طويلة.

تنبع هذه المسألة من معادلات النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات، حيث تشير الحسابات المتعلقة بحقل هيغز، وهو الحقل المسؤول عن منح الجسيمات كتلتها، إلى أن الكون قد يستقر حاليا في حالة طاقة مؤقتة تسمى الفراغ الزائف.

قصص مقترحة list of 2 itemsend of list

إذا صح ذلك نظريا، يظل هناك احتمال بعيد لأن يتسرب الحقل نحو حالة طاقة أكثر انخفاضا واستقرارا تسمى الفراغ الحقيقي، عبر نفق يسمى النفق الكمومي، مما قد يؤدي إلى تبدل جذري في طبيعة المادة وقوانينها، أي أن ينهار الكون.

غير أن دراسة حديثة منشورة في دورية "جورنال أوف كوزمولوجي أند أستروبارتكل فيزكس " تقترح آلية نظرية قد تبدد هذا القلق.

يظهر الجسيم بوصفه إثارة أو اهتزازا كميا في الحقل (بيكسابي)

الحقل في الفيزياء هو كيان يمتد عبر الزمان والمكان، وله قيمة عند كل نقطة، ويمكن أن يتفاعل مع الحقول الأخرى ويؤثر في سلوك المادة والطاقة.

وفي فيزياء الكم، يرتبط كل نوع من الجسيمات الأولية بحقل خاص به يمتد في الكون، ويظهر الجسيم بوصفه إثارة أو اهتزازا كميا في ذلك الحقل؛ فالإلكترون مثلا هو إثارة في حقل الإلكترون، والفوتون إثارة في الحقل الكهرومغناطيسي.

أظهرت الدراسة أن تفاعل الحقول في الكون المبكر مع محيطها يمنع مثل هذا التحول ويجعل حالة الفراغ مستقرة تماما فيما يعرف باسم "وضع الإغلاق الكوني ".

يعلق غريغوري كابلانيك، الأستاذ المساعد في قسم الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب في معهد علوم الكم والبيانات بجامعة سيراكيوز، والمشارك في الدراسة، في تصريحات حصرية للجزيرة نت: "الإغلاق الكوني هو الاسم الذي أطلقناه على الآلية التي تجعل من الصعب للغاية على الحقل الكمومي الخروج من الحالة التي استقر فيها. والأمر غير المعتاد هنا هو النطاق؛ فنحن ندرس هذا التأثير في سياق كوني، أي على أكبر المقاييس التي يمكن تصورها ".

إعلان

فراغ حقيقي وآخر زائف

يقول غريغوري: "في نموذجنا المبسّط، نتخيل مشهدا للطاقة يحتوي على واديين، أو حالتي فراغ؛ إحداهما أكثر عمقا وتمثل الفراغ الحقيقي، والأخرى ذات طاقة أعلى وتمثل الفراغ الزائف. "

تخيل حالة الحقل الفيزيائي ككرة تستقر داخل تجويف جبلي على ارتفاع شاهق. يمثل هذا التجويف الفراغ الزائف؛ إذ تبدو الكرة مستقرة داخله، لكن يوجد أسفل الجبل واد أعمق يمثل الفراغ الحقيقي ذا الطاقة الأدنى. في قوانين الحركة التقليدية، تحتاج الكرة إلى طاقة دفع كافية لتصعد حتى حافة التجويف لتتدحرج نحو الوادي.

لكن الطبيعة الكمومية تجعل الجسيمات في الحقول تتصرف أحيانا كأمواج تنتشر احتمالاتها في المكان، مما يسمح لها باختراق جدار التجويف والعبور مباشرة عبر نفق خفي نحو الوادي السحيق دون الحاجة إلى صعود قمة.

وبالنسبة لكوننا الحالي، فإن بقاء الحقل محتجزا في تجويفه الحالي يمثل الضمانة الأساسية لبقاء القوانين الفيزيائية كما هي، بينما يعني عبوره النفق اندثار هذا الاستقرار.

ويضيف غريغوري: "تعمل هذه التفاعلات فعليا على رصد الحقل، حيث تنقل باستمرار معلومات حول حالته إلى البيئة المحيطة. وقد وجدنا أن هذه العملية يمكن أن تكبح بشدة ظاهرة النفق الكمومي، مما يؤدي فعلياً إلى تثبيت الحقل في حالته الراهنة. ويرتبط هذا ارتباطا وثيقا بما يسميه الفيزيائيون "تأثير زينو الكمومي " الذي رصد تجريبيا على نطاقات أصغر بكثير في أنظمة مثل الذرات والبتات الكمومية حيث يمكن للرصد المتكرر لنظام كمومي أن يعيق تطوره. "

كأنك تغلي إبريقا من الماء، وكلما فتحت غطاه يختفي الغليان، وكأن الرصد المستمر لعملية الغليان داخل الإبريق يمنعها من الحدوث، ويحافظ على الإبريق مستقرا في حالة تسبق الغليان لفترة طويلة.

بالنسبة لكوننا الحالي، فإن بقاء الحقل محتجزا في تجويفه الحالي يمثل الضمانة الأساسية لبقاء القوانين الفيزيائية (مشروع ديسي)

 

محاكاة الكون

اعتمد الفريق في دراسته على نموذج رياضي تجريبي يدرس حقلا قياسيا مبسطا، وهو حقل تتحدد قيمته برقم واحد في كل نقطة في الفضاء تماما كدرجة الحرارة، واستخدموه كنموذج استكشافي لاختبار المبادئ الفيزيائية تمهيدا لدراسة حقل هيغز الفعلي مستقبلا.

ودرس الباحثون ما يحدث عندما يتفاعل هذا الحقل مع سلسلة من الحقول المجاورة داخل رقعة محددة من الكون المتمدد. وأظهرت الحسابات أن هذا التفاعل التلقائي يجرد الحقل من خصائصه الكمومية النقية عبر ظاهرة فيزيائية تسمى فك الترابط الكمومي. ولا تعني هذه الظاهرة وجود مراقب واع يتدخل في التجربة، بل هي مجرد احتكاك وتبادل مستمر للطاقة والمعلومات بين الحقل وبيئته المحيطة.

يختتم غريغوري: "يتمثل هدف دراستنا في فهم لماذا يمتلك الكون خصائصه الحالية، ومدى استقرار هذه الخصائص في الواقع. وهناك أيضا صلة أوسع بالتقنيات الكمومية؛ إذ إن فيزياء التفاعلات البيئية، وفقدان الترابط والقياس الكمومي -وهي ظواهر ندرسها في علم الكونيات- تعد مهمة لفهم الأنظمة الكمومية والتحكم فيها داخل المختبر. كما أن الأفكار التي طُوِّرت في مجال المعلومات الكمومية قد تكشف لنا أحيانا حقائق عن الكون على نطاقاته الأوسع، وبالمقابل، يمكن لعلم الكونيات أن يمنحنا طرقا جديدة للتفكير في ميكانيكا الكم. "

إعلان

ويخطط الفريق في أبحاثه المقبلة لتطوير هذا النموذج بحيث يغطي مناطق فيزيائية أكثر اتساعا وواقعية، ومحاولة مقاربة معاملات النموذج القياسي بدقة أكبر. ومع ذلك، تشكل الدراسة خطوة مهمة لإظهار كيف يمكن لنظرية النظم الكمومية المفتوحة أن تفسر ثبات البناء الكوني، موضحة أن الضجيج والاحتكاك الطبيعي بين الحقول قد يكونان هما السبب وراء منع الكون من الانزلاق المفاجئ نحو فراغ آخر لم نكن لنتصوره.



إقرأ المزيد