الجزيرة.نت - 10/14/2026 8:56:58 PM - GMT (+3 )
في الخامس والعشرين من أغسطس/آب الماضي، حطّت طائرة نقل عسكرية أمريكية من طراز "سي-17 غلوبماستر 3" (C-17 Globemaster III) في مطار فنوكوفو بموسكو دون إعلان مسبق. كان على متنها مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) جون راتكليف، في أول زيارة يقوم بها مدير للوكالة إلى العاصمة الروسية منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2021. قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن راتكليف لم يلتقِ الرئيس فلاديمير بوتين، وإن ما جرى كان "اتصالات عبر الأجهزة الأمنية"، ورفض الكشف عن مضمونها، مكتفيًا بالقول إن بوتين أُطلع على نتائجها.
كشفت صحيفة وول ستريت جورنال لاحقًا أن راتكليف ذهب إلى موسكو ليحذّرها من مغبة الاعتداء على أي دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو). لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نفى ذلك في اليوم التالي. فحين سُئل في مقابلة إذاعية إن كان راتكليف قد ذهب لبحث تحرك روسي محتمل لاختبار الحلف، أجاب بأن الزيارة لا علاقة لها بشيء من ذلك، ووصفها بأنها "شبه روتينية". نحن إذن أمام روايتين. فإذا صحّ ما سرّبته الصحيفة، فإن قلق الحلف، ولا سيما جناحه الشرقي، من هجوم روسي على إحدى دوله قلق حقيقي، بلغ حدّ إرسال رئيس الاستخبارات الأمريكية بنفسه إلى موسكو.
وكانت الصحيفة نفسها قد نشرت في وقت سابق تقريرًا عمّا وصفته بتقديرات استخباراتية أمريكية، تفيد بأن روسيا قد تختبر تماسك الحلف والتزام دوله بالمادة الخامسة من ميثاقه عبر توغّل محدود. وتُلزم هذه المادة الدول الأعضاء بالدفاع عن أي دولة منها تتعرض لهجوم.
أما في ألمانيا، فقد تحوّل الأمر إلى ما يشبه الهاجس الوطني. فبين حين وآخر يصدر عن قيادي سياسي أو عسكري أو أمني تحذير من أن روسيا ستكون قادرة على مهاجمة إحدى دول الناتو بحلول عام 2029.
في أبريل/نيسان 2024، قال المفتش العام للجيش الألماني الجنرال كارستن بروير، خلال زيارة إلى بولندا، إن روسيا قد تكون جاهزة عسكريًا لمهاجمة دول الناتو خلال خمس إلى ثماني سنوات، بعد أن تعيد بناء قواتها التي أنهكتها الحرب في أوكرانيا. وأضاف أن روسيا تنتج كميات كبيرة من العتاد ولا ترسله كله إلى الجبهة، "لذلك يجب أن نكون جاهزين في 2029". وكرر بروير تحذيره أكثر من مرة، آخرها في مارس/آذار 2026، حين قال إن وتيرة إعادة التسلح الروسية صارت أسرع من أي وقت مضى.
إعلان
وفي يونيو/حزيران 2024، دعا وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، في جلسة للبرلمان (البوندستاغ)، إلى أن يكون الجيش الألماني (البوندسفير) جاهزًا للقتال بحلول 2029. وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، قال رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني آنذاك برونو كال، في جلسة استماع علنية بالبرلمان، إن القوات الروسية ستكون قادرة على مهاجمة الناتو بحلول نهاية العقد على أبعد تقدير. وكرر خلَفه مارتن ييغر التحذير نفسه بعد نحو عام.
وعلى مستوى القادة الميدانيين، عاد قائد القوات البرية الألمانية الفريق كريستيان فرويدينغ إلى التحذير نفسه في مقابلة مع مجلة "بوليتيكو" في يونيو/حزيران 2026. وأهم ما ذكره فرويدينغ أنه نفى أن يكون ذلك تكهنًا استخباراتيًا، وقال إنه تقدير تُجمع عليه دول الحلف الاثنتان والثلاثون.
وتحديد سنة 2029 هو حصيلة حسابين متقابلين، أولهما الوتيرة التي تعيد بها روسيا بناء جيشها، ثم الوتيرة الأبطأ التي تستعد بها أوروبا. وقد جمع مسح أجراه مركز بيلفر بجامعة هارفارد تقديرات المسؤولين الغربيين لموعد الخطر، فتراوحت بين منتصف العقد ومطلع الثلاثينيات. ومن بينها تقدير الأمين العام السابق للحلف ينس ستولتنبرغ ومسؤولين آخرين أن بوتين قد يحاول خلال ثلاث إلى خمس سنوات اختبار مصداقية الناتو بمهاجمة دولة حدودية صغيرة، على الأرجح في منطقة البلطيق.
هذه المخاوف ليست جديدة، لكن نبرتها صارت أكثر صراحة في خطاب عواصم الحلف. فلماذا الآن؟ هل تقترب أوروبا فعلًا من مواجهة مع روسيا خلال السنوات القليلة المقبلة، أم أن هذه المخاوف مبالغ فيها، في ظل العقوبات من جهة، وانشغال روسيا بحربها في أوكرانيا من جهة أخرى؟
في دراسة صدرت عام 2023 عن المجلس الألماني للعلاقات الخارجية (DGAP)، رجّح الباحثان كريستيان مولينغ وتوربن شوتس أن روسيا تحتاج إلى ما بين ست سنوات وعشر بعد انتهاء الحرب في أوكرانيا لإعادة بناء قواتها المسلحة. وتبدأ الدراسة بالتحذير مما تسميه نزعة إمبراطورية روسية، وهي بذلك تعكس قلقًا ألمانيًا قديمًا من نوايا موسكو تجاه الحلف.
تقول الدراسة إن القوات البرية وأسطول البحر الأسود تحمّلا الجزء الأكبر من الخسائر في أوكرانيا، بينما بقيت القوات الجوية بمنأى نسبيًا عن الخسائر المادية. وترجّح أن روسيا قادرة على تدريب نحو 280 ألف جندي سنويًا، أي ما يتيح لها تعبئة 1.7 مليون جندي خلال ست سنوات، أو 2.8 مليون خلال عشر. وتخلص من ذلك إلى أن روسيا تستطيع تعويض خسائرها البشرية.
ومربط الفرس عند الباحثَين أن الوقت الذي يحتاجه الناتو ليصبح قادرًا على ردع روسيا أطول من الوقت الذي تحتاجه روسيا لإعادة بناء جيشها. ينشأ من ذلك فارق زمني يمنح موسكو زمام المبادرة، ويعدّه الباحثان خطيرًا: فاجتماع القدرة العسكرية مع النزعة التوسعية وفرصةٍ قد لا تتكرر قد يدفع بوتين إلى الاعتداء على دولة من دول الحلف.
إعلان
غير أن الدراسة افترضت أن إعادة البناء ستبدأ بعد انتهاء الحرب. أما أجهزة الاستخبارات الغربية فقد عدّلت تقديراتها منذ ذلك الحين، وصارت ترى أن روسيا تعيد بناء جيشها بصرف النظر عن مآل الحرب في أوكرانيا. وبرنامج تحديث طويل المدى لا يرتبط بجبهة أوكرانيا وحدها هو ما يجعل عواصم الناتو تقرأ إعادة البناء على أنها موجهة إليها.
مواقع عسكرية جديدة على حدود الناتو
في تحقيق نشرته صحيفة تلغراف البريطانية، تُظهر صور الأقمار الصناعية خمسة مواقع عسكرية روسية يجري تحديثها أو إنشاؤها قرب حدود الناتو، حيث يتكثف الوجود العسكري الروسي على حدود دول البلطيق ودول الشمال الأوروبي في شمال غرب روسيا. ويُعتقد أن هذه المواقع قد تكون قادرة على إسناد أكثر من مئة ألف عسكري.
أحد هذه المواقع في منطقة بيتشينغا، على بُعد نحو عشرة كيلومترات فقط من الحدود النرويجية، حيث تُبنى ثكنات عسكرية ومخازن للذخيرة. وأكدت وزارة الدفاع الروسية أن إنشاء الموقع يأتي في إطار توسيع اللواء المتمركز هناك إلى فرقة كاملة. ونقلت الصحيفة عن ضابط متقاعد في الاستخبارات الفنلندية أن ذلك يعني ارتفاع عدد القوات في الموقع من أربعة آلاف جندي إلى عشرة آلاف.
وتجري أعمال التطوير والتوسعة على قدم وساق في المواقع الأربعة الأخرى، وكلها قريبة من حدود الحلف، ما قد يدل على خطة روسية طويلة الأمد لتعزيز قواتها على هذه الحدود.
وبينما تقع أربعة من هذه المواقع في البر الروسي المتاخم للناتو، تقع قاعدة بالتييسك البحرية في مقاطعة كالينينغراد، وهي إقليم روسي منفصل عن البر الرئيسي، تحدّه ليتوانيا شمالًا وشرقًا، وبولندا جنوبًا، وبحر البلطيق غربًا. والقاعدة هي المقر الرئيسي لأسطول البلطيق الروسي، وأحد أهم المواقع الإستراتيجية لموسكو على هذا البحر، وتشهد هي الأخرى توسعًا عسكريًا.
وإلى جانب هذه المواقع العامة، رُصدت عشرة مواقع أخرى مخصصة لإطلاق المسيّرات بعيدة المدى، بعضها مطارات قديمة أعيد تأهيلها، وبعضها أُنشئ من الصفر. وتضع هذه المواقع أراضي الناتو في مرمى المسيّرات الروسية الانتحارية، مثل الأجيال الجديدة من مسيّرة "جيران".
ويتصل التوسع في المواقع بتحوّل آخر لا يقل أهمية، هو إعادة هيكلة الجيش الروسي. فقد اعتمد هذا الجيش طوال سنوات على "مجموعات تكتيكية على مستوى الكتيبة"، وهي تشكيلات صغيرة صُممت لسرعة الحركة. ثم عاد إلى التقسيم التقليدي القائم على الفيالق والفرق والألوية.
هذا التقسيم يجعل القوات أبطأ حركة، لكنه أنسب لحروب الاستنزاف الطويلة، وللعمليات الواسعة على الجناح الشرقي للحلف. وفي فبراير/شباط 2024، قسّمت روسيا المنطقة العسكرية الغربية إلى منطقتين: منطقة موسكو العسكرية لحماية العاصمة، ومنطقة لينينغراد العسكرية في مواجهة الناتو.
ورثت روسيا عن الاتحاد السوفيتي عددًا كبيرًا من منشآت الصناعة العسكرية. لكن هذه الصناعة تدهورت في العقد الذي تلا انهيار الاتحاد، بفعل الفساد والخفض الحاد في الإنفاق العسكري، ومع انتهاء الحرب الباردة ساد اعتقاد بأن سباق التسلح بين موسكو والغرب قد طُوي.
ومع مطلع الألفية، خضعت الصناعة لإعادة هيكلة واسعة دُمجت فيها المؤسسات في كيانات أكبر. وقد ساعد ذلك روسيا كثيرًا في حرب أوكرانيا، فنجحت الصناعة في إمداد الجبهة بالسلاح، وتكيّفت بمرونة مع ما فرضته الحرب من تحولات، مثل الانتشار الواسع للمسيّرات والحرب الإلكترونية وإدخال الذكاء الاصطناعي.
وقد درس تقرير لمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) خمس شركات دفاعية روسية تغطي قطاعات رئيسية: أربع منها مؤسسات عريقة، هي "أورالفاغونزافود" للدبابات والمدرعات، و"ألماز-أنتي" للدفاع الجوي، و"كريت" للحرب الإلكترونية، و"كلاشنيكوف" للمدفعية والأسلحة الدقيقة، أما الخامسة فشركة "أوشكوينيك" الجديدة المتخصصة في المسيّرات. ويخلص التقرير إلى معضلة أمام المخططين الغربيين، فالصناعة الدفاعية الروسية مرجّح أن تبقى في وضع الحرب حتى لو توقف القتال في أوكرانيا، بينما لا يُتوقع أن تصل تعبئة الصناعات الغربية إلى المستوى نفسه قبل أن تندلع حرب كبرى فعلًا.
إعلان
ومن أبرز برامج التحديث الروسية ما يتعلق بأسطول الدبابات. ففي "أورالفاغونزافود" تعمل روسيا على تحديث دبابات المخزون السوفيتي وتزويدها بتقنيات حديثة، وتتوسع في الوقت نفسه في إنتاج أحدث أجيال عائلة تي-90، وهي الدبابة تي-90 إم، المرشحة لأن تكون دبابة القتال الرئيسية في الجيش الروسي خلال السنوات المقبلة.
بدأ تسليم الدبابة للقوات الروسية عام 2020. وقد أعيد تصميم أجزاء رئيسية فيها، أبرزها برج ملحوم بتصميم جديد، مع دروع تفاعلية أحدث، ومحرك أقوى تقارب قدرته 1130 حصانًا، ومدفع مطوَّر من عيار 125 ملم. وتضم منظومة متقدمة لإدارة النيران ورؤية حرارية وبانورامية تتيح للقائد والرامي رصد الأهداف والاشتباك معها ليلًا ونهارًا، كما تستطيع تبادل البيانات مع المركبات الأخرى في الزمن الحقيقي.
ويتضح الفارق عند مقارنتها بالأجيال السابقة. فالدبابة تي-90 الأصلية، التي دخلت الخدمة مطلع التسعينيات، كانت تطويرًا مباشرًا لمدرسة تي-72 السوفيتية. ثم جاءت تي-90 إيه في العقد التالي ببرج ملحوم ومحرك وأجهزة رؤية محسّنة، لكنها أبقت إلى حد بعيد على البنية التقليدية للدبابة. أما تي-90 إم فخطت بالعائلة خطوة أكبر نحو الدبابة الرقمية الحديثة. فإلى جانب أجهزة الاستشعار والإدارة القتالية الأفضل، نُقل جزء من الذخيرة إلى حيّز خلف البرج لتحسين فرص نجاة الطاقم، وعُزّزت الحماية الأمامية والجانبية، وطُوّرت منظومة الحركة.
وتمضي روسيا في خطة طويلة المدى لزيادة إنتاج الدبابات. فبحسب تحقيق لإذاعة "سفوبودا" نقله موقع "بي إن إي إنتلي نيوز"، خططت روسيا لتجميع 1500 دبابة في 2025، معظمها نماذج سوفيتية محدّثة، ونحو 280 فقط منها دبابات تي-90 إم جديدة. وتستهدف موسكو رفع إنتاج الدبابات الجديدة إلى ألف دبابة بين عامي 2027 و2029. وقد قدّر بروير أن الجيش الروسي يضيف ما بين ألف و1500 دبابة سنويًا، في حين لا تملك أكبر خمس دول أوروبية في الحلف مجتمعة سوى نصف هذا العدد.
وإذا كانت أربع من الشركات الخمس مؤسسات قديمة دُمجت في كيانات أكبر، فإن "أوشكوينيك" (Ushkuynik) هي النجم الصاعد في الصناعات الدفاعية الروسية. تتخصص الشركة في المسيّرات والأنظمة غير المأهولة، وتنتج مسيّرة الألياف البصرية "كنياز فاندال نوفغورودسكي" (KVN)، التي يصعب التشويش عليها. والشركة ابنة الحرب في أوكرانيا. فحين توغلت القوات الأوكرانية في مقاطعة كورسك صيف 2024، أرسلت دفعتها الأولى كلها، نحو 200 مسيّرة، إلى الجبهة قبل أن يكتمل خط إنتاجها. ثم وسّعت الإنتاج حتى بلغ، بحسب تصريحات أليكسي تشاداييف لوسائل إعلام رسمية روسية، نحو 50 ألف مسيّرة شهريًا، تتوزع على عدة مصانع في أنحاء البلاد. ويقدّر خبراء في الصناعة نقل عنهم التقرير أن إنتاج روسيا من المسيّرات بأنواعها بلغ مئات الآلاف شهريًا، بل قال القائد العام للقوات الأوكرانية أولكسندر سيرسكي إن روسيا تعتزم إنتاج 7.3 ملايين مسيّرة من نوع "إف بي في" في عام 2026 وحده.
ويؤكد التقرير أن الصناعة العسكرية الروسية، رغم ما تواجهه من نقص في التمويل والأيدي العاملة ومشكلات في سلاسل الإمداد بسبب العقوبات، قادرة على إنتاج أعداد كبيرة من الأسلحة خلال السنوات القليلة المقبلة. وتعزز ذلك أرقام الاستخبارات الإستونية، إذ يفيد تقريرها السنوي لعام 2026 بأن الصناعة العسكرية الروسية رفعت إنتاج ذخائر المدفعية بأكثر من 17 ضعفًا منذ عام 2021.
فخ عسكرة الاقتصاد
خلال السنوات الأولى للحرب، حاول الكرملين، بحسب دراسة لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، أن يحمي الجبهة الداخلية من آثار الحرب، خشية أن يتفاقم غضب المواطنين من الضائقة الاقتصادية أو من كلفة الحرب المادية والبشرية. وكان ذلك يعني ضمنًا تجنّب عسكرة الاقتصاد كله.
لكن إعادة بناء الجيش تتطلب مزيدًا من الاستثمار المالي والبشري في القطاع العسكري، وهذا ما يحدث فعلًا. ففي مواجهة نقص العمالة، لجأت روسيا إلى أتمتة الإنتاج بآلات تُدار بالحاسوب، ودرّبت ما بين 600 ألف و700 ألف عامل جديد في الصناعة العسكرية خلال عامي 2023 و2024، حتى بلغ عدد العاملين فيها نحو 3.8 ملايين، أي نحو 5% من القوى العاملة الروسية.
وتوجّه روسيا عائدات النفط والغاز لخدمة المجهود الحربي. وقد بلغ الإنفاق على الدفاع والأمن نحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ3 إلى 4% قبل الحرب. وخصصت ميزانية 2026 للدفاع والأمن 16.84 تريليون روبل، أي قرابة 40% من الإنفاق الحكومي كله.
إعلان
وترى ألكسندرا بروكوبينكو، الباحثة في مركز كارنيغي لروسيا وأوراسيا، أن التراجع عن هيمنة الصناعة العسكرية على الاقتصاد سيكون صعبًا إذا توقفت الحرب في أوكرانيا. فالاقتصاد سيصبح عرضة للركود والبطالة الواسعة، وقد يضغط ذلك على صانع القرار باتجاه مزيد من الحرب تفاديًا لانهيار اقتصادي واجتماعي. يضاف إلى ذلك مصير مئات آلاف الجنود الذين سيواجهون التسريح حينئذٍ.
ولأن روسيا رفعت رواتب الجنود، وصارت تدفع نحو 1.8% من ناتجها المحلي أجورًا وتعويضات لهم، فإن الخدمة العسكرية باتت تنافس القطاع المدني على العمالة. ويسمّي الاقتصادي الروسي فلاديسلاف إينوزيمتسيف هذه الظاهرة "اقتصاد الموت": فكثير من العائلات الروسية بنت رخاءها على العمل في القطاع العسكري أو القتال في صفوفه، وإذا توقفت الحرب فجأة بعد هذا التوسع، سيصبح رخاء هذه الأسر وجزء كبير من الثروة الاجتماعية عرضة للخطر، بما يهدد السلم الأهلي.
وللفخ وجه آخر. فاقتصاد الحرب الذي يضغط باتجاه استمرار القتال يضعف هو نفسه. بحسب موسكو تايمز، يتوقع صندوق النقد الدولي ألا يتجاوز نمو الاقتصاد الروسي 1% في 2026، ويرجح محللون أن ينزلق إلى الركود. وخفضت الحكومة الروسية نفسها توقعاتها للنمو هذا العام إلى 0.4%، بعد أن انكمش الاقتصاد في الربع الأول للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات. وسجلت الميزانية في الأشهر الأربعة الأولى من العام عجزًا بلغ 5.9 تريليونات روبل، هو الأكبر منذ بدء الغزو الشامل لأوكرانيا. وقد حذّر مسؤولون في وزارة المالية والبنك المركزي بوتين من أن الإنفاق العسكري يدفع العجز إلى مستويات خطرة، وطالبوا بخفضه، بينما ترفض المؤسسة الأمنية ذلك.
في ليلة الثاني من أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلن مطار ميونخ فجأة إغلاق أجوائه وتأجيل الرحلات، بعد رصد مسيّرات مجهولة المصدر في محيطه. وتكررت الحوادث في المطار نفسه في يوليو/تموز 2026، فقال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن بلاده تفترض أن روسيا تقف وراء معظم هذه الرحلات، بينما وصف الكرملين الاتهام بأنه بلا أساس.
وفي دراسة للمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية (IISS)، رصد الباحثون 144 حادثة مسيّرات بين أغسطس/آب 2024 وفبراير/شباط 2026 في أجواء اثنتي عشرة دولة من دول الناتو، إضافة إلى أيرلندا. اقتربت هذه المسيّرات من منشآت الطيران المدني فتسببت في إغلاق مطارات وتأجيل رحلات، كما اقتربت من مواقع حساسة، مثل قاعدة "إيل لونغ" الفرنسية التي تضم الغواصات النووية الفرنسية، ومواقع تُخزَّن فيها القنبلة النووية الأمريكية "بي 61-12" (B61-12). وتخلص الدراسة إلى أن نمط هذه الخروقات يصعب تفسيره بالمصادفة أو بعمل أفراد أو هواة، وأن الأرجح أنها حملة منظمة بقرار من القيادة الروسية.
وترجّح الدراسة أن المسيّرات أُطلقت من سفن مرتبطة بروسيا تبحر تحت أعلام أخرى، فيما يُعرف بأسطول الظل الروسي. وترى أن الحملة تهدف إلى اختبار الدفاعات حول المنشآت الأوروبية وجمع المعلومات عنها، وإلى الضغط الاقتصادي والأمني على دول الحلف، وإلى تطبيع مستوى منخفض من الاختراقات يعتاده الأوروبيون.
في المقابل، يرى ويبه دو ياخر، الكاتب الهولندي المتخصص في المسيّرات ومؤسس موقع "درون ووتش"، أن الدراسة لم تقدم دليلًا على وجود حملة روسية ممنهجة، وأنها تستند إلى التزامن بين ظهور المسيّرات ووجود سفن روسية قرب السواحل. ولنقده سند في الوقائع: فأقوى ما في الدراسة حادثة واحدة وقعت في مضيق أوريسند في فبراير/شباط 2026، هي الوحيدة التي رُبطت علنًا بمنصة روسية محددة. ووفق وكالة أسوشيتد برس، فإن السويد هي الدولة الوحيدة التي حمّلت موسكو المسؤولية صراحة، بعد أن طارت مسيّرة عسكرية من سفينة تجسس روسية نحو حاملة طائرات فرنسية. أما في بريطانيا، فلم يجد تحقيق للشرطة العسكرية دليلًا قاطعًا يربط المسيّرات التي حامت فوق القواعد الأمريكية بروسيا، فيما لا يزال التحقيق الفرنسي في حادثة "إيل لونغ" مفتوحًا.
لكن الشبهة تتجاوز أسطول الظل. ففي أغسطس/آب 2026، عُثر في مطار لايبزيغ الألماني، الذي يستخدمه الجيش الألماني وحلفاؤه لنقل الشحنات العسكرية، على ثلاث مسيّرات تحمل عبوات ناسفة. وفي الثاني من سبتمبر/أيلول، نسب وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت الحادثة إلى العمليات الهجينة الروسية، وأمرت برلين بإغلاق القنصلية الروسية في بون.
هل ثمة مبالغة في مخاوف الناتو؟
تنفي روسيا قطعيًا أي نية لمواجهة مسلحة مع الناتو. وقد كرر بوتين أن لا مطامع لبلاده في أي دولة من دول الحلف، ووصفت موسكو هذه الفرضيات مرارًا بأنها هراء. وفي مايو/أيار 2026، نفى بوتين أن تكون روسيا تشن حملة تخريب ضد أوروبا.
بل إن الخطاب الروسي يقلب الاتهام. فقد حذّر وزير الخارجية سيرغي لافروف في سبتمبر/أيلول الماضي من أن ألمانيا تتجه نحو الحرب مع روسيا مجددًا. وظهر رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو، المعروف بعلاقته الطيبة ببوتين، في تسجيل مصور يحذّر من صراع بين روسيا والناتو، متهمًا أطرافًا في الحلف بقرع طبول الحرب لأغراض خاصة.
وللمخاوف الغربية أيضًا دوافع داخلية. فتجربة الهيمنة السوفيتية والستار الحديدي إبان الحرب الباردة تجعل دول البلطيق وبولندا وألمانيا شديدة الحساسية تجاه أي احتمال، ولو ضئيل، لتمدد النفوذ الروسي. وهذه الدول من أشد داعمي أوكرانيا، والحديث الدائم عن الخطر الروسي يساعدها على حشد التأييد الشعبي لهذا الدعم، لا سيما مع تقدم القوات الروسية على الأرض.
وتحتاج ألمانيا تحديدًا إلى إجماع سياسي وشعبي حول إعادة بناء قواتها المسلحة، في بلد تثير فيه عسكرة الدولة، بحكم التاريخ، شكوكًا في الداخل والخارج. وقد أدّت المخاوف الإستراتيجية دورًا حاسمًا في مارس/آذار 2025، حين عدّل البرلمان الدستور ليستثني معظم الإنفاق الدفاعي من القيد الدستوري على الاقتراض، المعروف بكابح الديون.
ثم إن عوائق إعادة البناء الروسية حقيقية. أكبرها العائق الديمغرافي. فعدد سكان روسيا يتراجع أصلًا، ومعه عدد من هم في سن القتال، وقد تكبّدت خسائر بشرية هائلة في أوكرانيا بفعل أسلوب قتال يعتمد على موجات المشاة والاستنزاف. ويضاف إلى ذلك اقتصاد يقترب من الركود وميزانية يأكلها العجز.
كيف قد يبدو الهجوم؟لكن هذه العوائق لا تنفي الخطر. فالسيناريو الذي يقلق الحلف لا يقوم على غزو واسع لدولة من دوله، وإنما على هجوم بري محدود، مثل السيطرة على ممر سوالكي. والممر شريط من الأرض على الحدود البولندية الليتوانية، يفصل كالينينغراد عن بيلاروسيا حليفة موسكو، وهو الطريق البري الوحيد الذي يصل دول البلطيق الثلاث ببولندا وببقية دول الحلف. فإذا سيطرت عليه روسيا، وصلت كالينينغراد ببيلاروسيا، وعزلت دول البلطيق برًا، ووضعت الحلف أمام خيارين كلاهما مُرّ: حرب شاملة دامية مع روسيا، أو التخلي عن دول البلطيق.
والغاية هنا قد تكون اختبار التزام الأعضاء بالمادة الخامسة. فإذا تردد بعضهم في الدفاع عن دولة تعرضت لاعتداء، ولو جاء الاعتداء دون عتبة الحرب الصريحة، فقد يكتب هذا التردد نهاية الحلف.
وقد تكتفي روسيا بتوسيع الهجمات الرمادية، أي الأعمال العدائية التي تبقى دون مستوى الحرب المعلنة، من مسيّرات فوق المطارات والمواقع العسكرية، وأعمال تخريب تطال البنية التحتية والخدمات المدنية، كما تتهمها صراحة دول أوروبية عدة. ومن ذلك ما يطال كابلات الاتصالات في بحر البلطيق، وما يعرقل الملاحة في بحر الشمال.
ويرى بعض المحللين أن المأزق الروسي في أوكرانيا قد يدفع موسكو إلى فتح جبهة جديدة، لرفع كلفة دعم كييف على الغرب، أو انتقامًا من هذا الدعم. لكنه رهان شديد الخطورة: فخطوة كهذه قد تقنع دول الحلف بأن لا سبيل إلى التعايش مع روسيا، وتفتح الباب أمام تصعيد لا سقف له، في مواجهة دولة تملك أكبر ترسانة نووية في العالم، وقد ترى في سلاحها النووي ملاذًا أخيرًا إذا واجهت خطرًا وجوديًا.
وإذا كانت دول الحلف تبني قلقها على قدرات روسيا لا على نواياها المؤكدة، فإن هذا القلق لا يخلو من سوابق تسنده. فزيارة راتكليف هي الأولى لمدير "سي آي إيه" إلى موسكو منذ أن سافر إليها وليام بيرنز، مدير الوكالة في إدارة الرئيس جو بايدن، في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، ليحذّر بوتين من غزو شامل لأوكرانيا. وبعد نحو ثلاثة أشهر من تلك الزيارة، غزت روسيا أوكرانيا.
إقرأ المزيد


