الجزيرة.نت - 10/20/2026 8:27:57 PM - GMT (+3 )
تتواتر الأزمات الصحية الشاملة وتتدفق الأوبئة الفتاكة عبر القارات بسرعة غير مسبوقة، ليجد العالم نفسه أمام أسئلة وجودية حارقة تتجاوز الطب التقليدي ومفهوم الشفاء المجرد المقتصر على علاج الأعراض.
إن التساؤل الهلع الذي يتردد اليوم في أروقة المنظمات الدولية والمراكز البحثية العالمية ليس مجرد استفسار عابر عن المصادر الجينية للفيروسات والبكتيريا، بل هو بحث فلسفي وعلمي عميق في كيفية تمكن المرض الحيواني المنشأ من اقتحام الحصون البشرية في العصر الحديث بهذه الضراوة والفتك.
تؤكد المعطيات الصادرة عن المنظمة العالمية لصحة الحيوان (WOAH) ومنظمة الصحة العالمية أن ما لا يقل عن 60% من الأمراض المعدية التي تصيب البشر هي ذات أصل حيواني (Zoonotic Diseases).
لم يعد ممكنا النظر إلى الجائحة أو الأزمة الصحية كحادث بيولوجي معزول عن محيطه الحيوي والاجتماعي، بل أضحت الحاجة ملحة لصياغة رؤية فلسفية جديدة تعيد الاعتبار للتكامل الوجودي بين الإنسان وعالمه
فضلا عن ذلك، فإن 75% من الأمراض الحيوانية المكتشفة حديثا أو الناشئة خلال العقود الثلاثة الماضية قد انتقلت من الحيوانات إلى الإنسان.
بدءا من داء نقص المناعة المكتسب (الإيدز) الذي حصد أرواح ما يتجاوز 40.1 مليون شخص منذ اكتشافه (بحسب إحصائيات برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بالإيدز UNAIDS)، مرورا بجائحة كورونا (COVID-19) التي تسببت في أكثر من 7 ملايين حالة وفاة مؤكدة رسميا وفق تقارير منظمة الصحة العالمية وأحدثت خسائر في الاقتصاد العالمي قدرها البنك الدولي بأكثر من 12 تريليون دولار أمريكي، وصولا إلى تفشي فيروس إيبولا وحمى الماربورغ وإنفلونزا الطيور (H5N1) وتهديدات وشيكة لا تزال تربض في مكامن الطبيعة المضطربة.
وفي قلب هذه التحديات العالمية المتسارعة، تبرز المنطقة العربية وشمال أفريقيا كأنما هي مختبر حي مفتوح تعصف به الأزمات البيئية والصحية والسياسية المتقاطعة.
إعلان
لم يعد ممكنا النظر إلى الجائحة أو الأزمة الصحية كحادث بيولوجي معزول عن محيطه الحيوي والاجتماعي، بل أضحت الحاجة ملحة لصياغة رؤية فلسفية جديدة تعيد الاعتبار للتكامل الوجودي بين الإنسان وعالمه.
من هنا يتنزل مفهوم "الصحة الواحدة" (One Health)؛ لا كنهج علمي حديث تتبناه الهيئات الدولية الأربع (WHO, FAO, UNEP, WOAH) فحسب، بل كضرورة فلسفية وأخلاقية ووجودية تدعونا إلى إعادة بناء صلتنا بالطبيعة، وتفكيك أوهام السيطرة الاستهلاكية التي أخلت بالتوازن البيئي وأطلقت سراح الأوبئة من مكامنها الحصينة.
التطور الفلسفي والأنثروبولوجي لمفهوم "الصحة الواحدة"قبل أن يصاغ مفهوم "الصحة الواحدة" في أروقة منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة بوصفه إستراتيجية حديثة للوقاية من الجوائح، كان هذا النهج يمثل بديهية وجودية وركنا مكثفا في الفكر الإنساني القديم والطب العربي الإسلامي.
لم يكن الجسد البشري في الموروث الطبي والفلسفي لدى أعلام مثل ابن سينا في كتابه المرجعي "القانون في الطب"، أو ابن خلدون في "مقدمته"، أو أحمد بن الجزار القيرواني في رسائله حول سياسة الصبيان وطب الفقراء، جسدا معزولا أو قلعة مغلقة؛ بل كان يفهم دوما ضمن شبكة حيوية معقدة تؤثر فيها الأهوية والمياه والبلدان وتغيرات المناخ في أخلاط البدن وطبائع الأمراض.
لقد سادت في هذه العصور نظرة شمولية تعرف الصحة بوصفها حالة توازن وانسجام دقيق بين الداخل البشري والخارج البيئي. وكان طبيب الأبدان يعلم أن أي اختلال في بيئة الكائن -حيوانا كان أو نباتا- ينعكس على الفور على صحة المجتمع الإنساني.
غير أن هذه البديهية الوجودية تعرضت لانكسار حاد مع اندلاع الثورة الصناعية في الغرب، وهيمنة النمط الرأسمالي الآلي، حيث تحولت الطبيعة في المتخيل الحضاري الغربي وممارساته الاقتصادية من أم حاضنة ومحيط حيوي متكامل إلى مجرد مستودع مفتوح للمواد الخام ومنجم للربح السريع.
واختزل الحيوان من كائن حي في منظومة إيكولوجية متوازنة إلى مجرد وحدة إنتاجية بروتينية تكدس في مزارع التسمين العملاقة والمكتظة.
وفقا لتقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، فإن النشاط البشري أدى إلى تغير واضطراب ما يزيد على 75% من البيئة البرية و60% من البيئة البحرية على كوكب الأرض.
إن هذا التجريف الممنهج للغابات والواحات وسحق المناطق العازلة الطبيعية تسبب في إزالة أكثر من 10 ملايين هكتار من الغابات سنويا على مستوى العالم.
هذا التدمير للبيئات الطبيعية قلص الفواصل بين الكائنات البرية والمجتمعات البشرية، مما أدى إلى ارتفاع نسب انتقال الممرضات المجهولة أو ما يعرف بـ "القفز الصنفي" (Spillover) بنسبة تزيد على 31% مقارنة بالمناطق البيئية المستقرة.
إن قفز الفيروسات والممرضات من أجساد الحيوانات البرية إلى الإنسان ليس ضربة سوء حظ بيولوجي، بل هو رد فعل عنيف ومضاد من الطبيعة ضد النمط الاستهلاكي الذي هتك حواجز الأمان الإيكولوجية التي تشكلت عبر ملايين السنين.
واقع المنطقة العربية: الخصوصية البيئية والهشاشة المركبةوفقا لتقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، فإن النشاط البشري أدى إلى تغير واضطراب ما يزيد على 75% من البيئة البرية و60% من البيئة البحرية على كوكب الأرض
عندما ننقل هذه المقاربة الإيكولوجية إلى الواقع الميداني للمنطقة العربية بما فيها شمال أفريقيا، نجد أنفسنا أمام لوحة معقدة تتداخل فيها الأزمات البيئية مع الهشاشة الاجتماعية والسياسية.
إعلان
تصنف منطقتنا كإحدى أكثر مناطق العالم تأثرا بالتقلبات المناخية والجهد المائي، ووفقا لتقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) واللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، يسجل الآتي:
- ارتفاع درجات الحرارة والشح المائي: ترتفع درجات الحرارة في المنطقة العربية بمعدل يصل إلى ضعف المتوسط العالمي، وتضم المنطقة 18 من بين أكثر 20 دولة في العالم معاناة من الإجهاد المائي الشديد.
- تدهور الأراضي والجفاف: يعاني أكثر من 73% من مساحة الأراضي في العالم العربي من التصحر الشديد أو المتوسط، مما يهدد شبكات الحياة الاستثنائية كواحات الجنوب في تونس والجزائر والمغرب، والأغوار والمناطق الخصبة في الأردن والعراق وسوريا ومصر.
إن انحسار الغطاء النباتي وتآكل الواحات يفرض على الحيوانات البرية والقوارض والحشرات الناقلة للأمراض (مثل البعوض من جنس Aedes وAnopheles) الهجرة القسرية نحو التجمعات السكانية بحثا عن الماء والكلأ، مما يضاعف معدلات الاحتكاك الحيوي المباشر ويخلق نقاط تماس خطيرة.
ويشتد الأمر تعقيدا مع شح المياه الصالحة للشرب؛ حيث يقدر المجلس العربي للمياه أن أكثر من 50 مليون عربي يفتقرون إلى مياه الشرب النظيفة والمأمونة، مما يدفع المجتمعات المحلية في بؤر الشح المائي إلى الاعتماد على مصادر ملوثة مشتركة مع الماشية والحيوانات الضالة، ليعاد إنتاج أمراض قديمة كالكوليرا (وقد سجل اليمن وسوريا والسودان عشرات الآلاف من الحالات) والعدوى الطفيلية بنمط معاصر.
ومن جهة أخرى، تعيش المنطقة تحت وطأة نمط استهلاكي هجين؛ يجمع بين الضغط المفرط على المراعي الهشة بفعل الرعي الجائر وبين الاتكال المتزايد على سلاسل التوريد العالمية للحوم ومزارع الدواجن والماشية المكثفة. وفي هذا السياق، تشكل مقاومة مضادات الميكروبات (AMR) إحدى أعتى الأزمات البيولوجية المسكوت عنها.
تشير بيانات منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إلى أن نحو 70% إلى 80% من المبيعات العالمية للمضادات الحيوية تستخدم في القطاع الحيواني وليس البشري، وتستغل غالبا كمحفزات نمو أو كتدبير وقائي ضد الاكتظاظ في المزارع.
في المنطقة العربية، تظهر الدراسات الميدانية أن نسب الميكروبات المقاومة لأدوية الخط الأول والثاني مرتفعة في العينات الحيوانية والغذائية على نحو يدعو للقلق.
وتقدر التقارير العلمية الصادرة عن تحالف "الصحة الواحدة" أن مقاومة مضادات الميكروبات تتسبب حاليا في وفاة نحو 1.27 مليون شخص سنويا مباشرة حول العالم، مع توقعات بارتفاع هذا الرقم إلى 10 ملايين وفاة سنويا بحلول عام 2050 إذا لم تتخذ إجراءات حاسمة، وستكون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من الأكثر تضررا بتبعاتها الاقتصادية والصحية.
فضلا عن ذلك، تشكل أنثروبولوجيا الأسواق الحية والنقاط العشوائية لبيع الماشية وذبحها في المدن المكتظة بيئة مثالية للانتقال المباشر للعوامل الممرضة، خاصة في المناسبات الموسمية والدينية، في غياب الرقابة البيطرية الصارمة، وكذلك الذبح والبيع في أماكن غير مراقبة.
وتكتمل صورة الهشاشة المركبة في بؤر النزاعات والحروب في اليمن وسوريا والسودان وليبيا وقطاع غزة. في هذه المناطق، خرجت أكثر من 50% إلى 70% من المرافق الصحية والبيطرية عن الخدمة بحسب تقارير منظمة الصحة العالمية وبرنامج الأغذية العالمي.
وأدى انهيار البنية التحتية وحركة النازحين القسرية (حيث تضم المنطقة العربية أكثر من 35% من مجمل اللاجئين والنازحين داخليا في العالم) إلى توطن أمراض مشتركة خطيرة، واستفحال إصابات مثل داء الكلب (Rabies)، وحمى الوادي المتصدع (RVF)، والليشمانيا الجلدية والفطريات الجلدية، ناهيك عن الكوليرا والتهاب الكبد الوبائي.
استشراف المستقبل: نحو خارطة طريق بديلة وتفكيك الجزر المعزولةإن الانتقال الحقيقي نحو مستقبل صحي آمن في المنطقة العربية يتطلب تجاوز المقاربات الإسعافية القائمة على حلول ترقيعية وتكديس الأدوية واللقاحات المستوردة في غالبيتها، نحو صياغة ثورة بنيوية شاملة في الفكر والسياسات
إن الانتقال الحقيقي نحو مستقبل صحي آمن في المنطقة العربية يتطلب تجاوز المقاربات الإسعافية القائمة على حلول ترقيعية وتكديس الأدوية واللقاحات المستوردة في غالبيتها، نحو صياغة ثورة بنيوية شاملة في الفكر والسياسات.
إعلان
أ. تفكيك الانعزال المعرفي والأكاديمي
ينبغي أولا وعلى المستوى الأكاديمي والفلسفي تفكيك حالة الانعزال المعرفي التي تعيشها الجامعات والمؤسسات البحثية العربية، حيث لا تزال كليات الطب البشري، والطب البيطري، والعلوم البيئية، وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا تعمل كجزر معزولة ومستعمرات معرفية منفصلة.
تشير إحصائيات المكتب الإقليمي لشرق المتوسط لمنظمة الصحة العالمية (WHO/EMRO) إلى أن أقل من 15% من دول المنطقة تمتلك منصات أو لجانا تنسيقية مفعلة ومستدامة بين وزارات الصحة والزراعة والبيئة لمواجهة التهديدات الصحية المشتركة.
لذا، فإن إرساء لغة علمية وطنية وقومية موحدة، وتأسيس برامج بحثية عابرة للتخصصات تدرس الأوبئة بكونها ظواهر بيئية واجتماعية مركبة، هما الخطوة الأولى لنزول الأكاديمي من برجه العاجي إلى الميدان والتلاحم مع بيئته.
ب. تحقيق السيادة الإيكولوجية والغذائية
على صعيد السياسات الزراعية والغذائية، أضحت السيادة الإيكولوجية ضرورة حتمية للتحول من نمط الإنتاج والاستهلاك المكثف المستورد إلى دعم الزراعة المستدامة والبيئية. ويتطلب ذلك:
- حماية المنظومات البيئية الفريدة: صون الواحات والمحميات الطبيعية والمراعي باعتبارها خط الدفاع الصحي الأول للحد من الاحتكاك المباشر بين المسببات المرضية البرية والمجتمعات السكنية.
- ضبط التشريعات البيطرية: سن وتطبيق تشريعات صارمة تحظر الاستخدام العشوائي والمفرط للمضادات الحيوية في الإنتاج الحيواني والدواجن، وتفعيل برامج حظر استخدام المضادات الحيوية كمحفزات نمو اقتداء بالمعايير الأوروبية والعالمية.
ج. الحوكمة الإقليمية ونظم الإنذار المبكر
أما على مستوى الحوكمة الإقليمية، فإن الطبيعة والأوبئة لا تعترف بالحدود السياسية ولا بالتقسيمات الاستعمارية التاريخية؛ فالطيور المهاجرة (حيث تعبر المنطقة العربية 3 من أصل 8 مسارات رئيسية لهجرة الطيور في العالم)، وحركة الماشية عبر الحدود، والرياح المحملة بالغبار وتغير المناخ تتجاوز الحدود الإقليمية بسلاسة.
هذا الواقع يفرض على جامعة الدول العربية والمؤسسات الإقليمية إنشاء نظام إنذار مبكر مشترك للصحة الواحدة يربط مراكز مراقبة الأمراض الصحية والبيطرية بوزارات البيئة والموارد المائية على نحو عضوي ودائم، ومستند إلى البيانات الرقمية الفورية.
الشفاء الحقيقي والصلح مع الوسط الحيويإن مستقبل الصحة في المنطقة العربية ككل لن يكتب داخل أروقة الجامعات وحدها، ولا في المستشفيات الفخمة إذا أقيمت كجزر بصرية وحضرية معزولة عن محيطها الملوث، ولا في مختبرات الشركات العالمية المصنعة للأدوية فحسب، بل يتحدد أساسا بمدى قدرتنا الجماعية على حماية أرضنا، وصون مياهنا، والرأفة بحيواناتنا، واستعادة التوازن البيئي لواحاتنا ومراعينا وبحارنا.
إن لم نستوعب درس "الصحة الواحدة" بوصفه ضرورة فلسفية ووجودية لا مناص منها، سنظل ندفع من أجساد أطفالنا، وصحة مجتمعاتنا، واستقرار اقتصاداتنا الفاتورة الباهظة لنمط عيش استهلاكي يجرف الطبيعة ويختزل الإنسان في مجرد مجسم آلي.
إن الشفاء الحقيقي والاستدامة الصحية لن يتحققا بالحلول المجتزأة، بل بإبرام صلح إيكولوجي شامل مع المحيط الحيوي الذي نشأنا فيه ونستمد منه مقومات وجودنا وبقائنا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


