الجزيرة.نت - 10/20/2026 9:42:57 PM - GMT (+3 )
إيطاليا رومانية ومسيحية.. هنا وُلدت الإمبراطورية الرومانية، وهنا توحدت شعوب البحر الأبيض المتوسط، وهنا كان مركز الديانة المسيحية، لذا فالمسيح روماني كما كتب دانتي، وهنا أيضا وُلدت أعظم عقول التقدم
بواسطة روبرتو فاناتشي، عضو البرلمان الأوروبي ومؤسس حزب "فوتورو ناتسيونالي"
حتى عام 2023 لم يكن اسم روبرتو فاناتشي (Roberto Vannacci) معروفا إلا لعدد قليل جدا من الإيطاليين. وُلد هذا العسكري الفارع الطول، الحاد النظرات والقصير الشعر، في كنف عائلة عسكرية، فقد كان أبوه وجده جنديين محترفين. سار فاناتشي على خطاهما فصار ضابطا في الجيش الإيطالي، وخدم في القوات الخاصة في العراق وأفغانستان في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ثم قاد في عام 2016 لواء المظليين "فولغوري" المرموق، أحد أهم الوحدات المحمولة جوا في الجيش الإيطالي. وبين عامي 2017 و2018 قاد الوحدة الإيطالية في العراق ضمن التحالف الدولي لمكافحة تنظيم "الدولة الإسلامية"، ثم عمل ملحقا عسكريا في السفارة الإيطالية بموسكو بين عامي 2020 و2022، قبل أن يتولى رئاسة المعهد الجغرافي العسكري في فلورنسا.
لكن تاريخه العسكري الطويل لم يجعله وجها معروفا في الشارع الإيطالي، فقلّما ينشغل أحد بتتبع سيرة عسكري لم يكن له حضور عام يُذكر. غير أن قرارا اتخذه فاناتشي، البالغ من العمر 58 عاما، أثناء عمله في المعهد الجغرافي بفلورنسا، كان كفيلا بأن يقلب حياته، ومعها الحياة السياسية في إيطاليا كلها. كان القرار ببساطة أن يزجي وقت فراغه في المعهد بكتابة كتاب يعرض فيه رؤيته للعالم، ولم يكن يطمح إلى أكثر من أن يوزعه على أصدقائه ويبيع منه 300 أو 400 نسخة. لكن ما حدث تجاوز ذلك بكثير.
أطلق فاناتشي لقلمه العنان، فعبّر عن مكنون أفكاره اليمينية بجرأة شديدة، وسمّى كتابه "العالم بالمقلوب" (Il mondo al contrario)، لأنه يرى أن العالم انقلب رأسا على عقب؛ فالقيم التقليدية التي يعدّها ثمينة باتت تُهاجَم وتتوارى، فيما صارت أفكار يراها شاذة هي التي تسود المجتمعات الغربية وتحكمها. هاجم في الكتاب مجتمع الميم والنسويات، وشنّ هجوما عنيفا على الهجرة، ودافع باستماتة عن القيم المسيحية المحافظة، ووصف المثليين بأنهم "غير طبيعيين"، وقال إن ثمة مؤامرة على بلاده تستهدف استبدال سكانها البيض الأصليين بسكان من أعراق أخرى. ثم جاءت المفاجأة صاعقة لفاناتشي وللجميع، فقد دقت ساعة شهرته في موعد لم يتخيله، إذ حقق الكتاب نجاحا مذهلا، رغم أن الإيطاليين يقضون في قراءة الكتب وقتا أقل بكثير من غيرهم في القارة الأوروبية.
إعلان
صار الكتاب، في عامه الأول بعد صدوره في أغسطس/آب 2023، من أكثر الكتب مبيعا في إيطاليا، وبحلول مطلع عام 2024 كان قد باع 200 ألف نسخة. وهذا رقم كبير في سوق صغيرة، فمذكرات الأمير هاري "الاحتياطي" (Spare)، التي تصدرت قائمة الأكثر مبيعا في إيطاليا، لم تبع سوى 300 ألف نسخة، لأن قطاع النشر والقراءة في إيطاليا ضعيف ومحدود عموما. وبعد ثلاث سنوات على صدوره، تجاوزت مبيعاته مليون نسخة. وهكذا صار فاناتشي، الذي لم يكن يعرفه إلا قليلون، حديث التلفاز والصحف منذ صيف 2023.
ثمة حقيقة قلّما يُلتفت إليها، وربما تكون الأغرب في مسيرة فاناتشي، وهي أنه مدين في صعوده الصاروخي لليسار وللصحافة التقدمية. فحين نشر كتابه، ولم يكن أحد يعرفه بعد، أفردت الصحافة التقدمية الإيطالية، وعلى رأسها صحيفة "لا ريبوبليكا" (La Repubblica) الواسعة الانتشار، مساحة كبيرة للكتاب لتهاجم أفكاره الموغلة في اليمينية والمعادية للمسلمين والأجانب والنساء والمثليين. لكن النتيجة جاءت عكس ما أرادته الصحيفة؛ فبدلا من أن يقرأ الناس كلامه وينفروا منه، أُعجب قطاع متزايد من الإيطاليين بأفكاره وجرأته، وأخذت شعبيته تكبر. وكلما اشتدت حملة الصحف التقدمية والأحزاب اليسارية على أفكاره، اتسعت معرفة الجمهور به وارتفع نجمه.
لكن الكتاب جرّ عليه متاعب في عمله العسكري. فلجرأة أفكاره وخروجها الحاد عن التيار الغربي السائد، على نحو يصعب تخيله من رجل ينتمي إلى المؤسسة العسكرية، صرّح وزير الدفاع الإيطالي غيدو كروسيتو بأن الكتاب أساء إلى سمعة الجيش ومسّ حياده، وأُوقف فاناتشي عن الخدمة الفعلية شهورا قبل أن يُنقل إلى الاحتياط. وفتحت النيابة العسكرية في روما، ونيابة روما العادية في ملف منفصل، تحقيقين معه بتهمة التحريض على الكراهية العنصرية بسبب ما ورد في الكتاب، ثم أسقط قاضي التحقيقات العسكري هذه التهمة في يوليو/تموز 2024. ولم تقتصر متاعبه على الكتاب، إذ حققت معه نيابة روما والنيابة العسكرية أيضا في نفقات ومستحقات طالب بها أثناء عمله ملحقا عسكريا في موسكو بين عامي 2021 و2022. وقد زادت هذه الملاحقات القانونية نجمه سطوعا بين أنصار أقصى اليمين، الذين رأوا فيه رجلا يُلاحَق لأنه عبّر عن رأيه بشجاعة.
ورغم تلك المتاعب، فتح له الكتاب أبوابا في السياسة أحسن اغتنامها، إذ صار نجما لامعا لدى الجمهور اليميني في إيطاليا. وسرعان ما سعى ماتيو سالفيني، نائب رئيس الوزراء وزعيم حزب الرابطة المتحالف مع جورجيا ميلوني، إلى ضمّه إلى حزبه ليستفيد من صعوده الصاروخي في وقت كان حزبه فيه يتراجع، وكان سالفيني يمثل أقصى اليمين في إيطاليا حتى ظهور فاناتشي. وبالفعل بثّ فاناتشي الحيوية في حزب كان قد خسر جزءا كبيرا من شعبيته لصالح حزب "إخوة إيطاليا" بزعامة ميلوني، فدفع به سالفيني مرشحا مستقلا على قوائم الرابطة في انتخابات البرلمان الأوروبي عام 2024، وحصد فاناتشي أكثر من نصف مليون صوت. كشف له هذا النجاح الكبير حجم شعبيته في البلاد، وأنه قادر على أن يصبح رمزا مستقلا لا يحتاج إلى الانضواء تحت راية سالفيني.
وبحكم صعوده الصاروخي، أصبح فاناتشي نائبا للأمين العام لحزب الرابطة، فقد أراد سالفيني أن يستفيد منه إلى أقصى حد. لكن فاناتشي، وقد أدرك حجم ما حققه وأن شعبيته تجاوزت شعبية سالفيني نفسه، دخل معه في خلافات متصاعدة، وأخذ يشكك في موقف الحزب من الملف الأوكراني، لأنه رآه غير يميني بما يكفي في هذه القضية؛ فحزب الرابطة كان يصوّت في النهاية لصالح مراسيم الحكومة بإرسال مساعدات عسكرية إلى أوكرانيا. ومن ثم صار الصراع بين الرجلين على السلطة داخل الحزب واضحا. ومع الوقت باتت الصحافة الإيطالية ترجّح بقوة أن يؤسس الجنرال حزبه الخاص، ورغم أن فاناتشي كان ينكر ذلك ويهاجم الصحف التي تتوقع رحيله عن الرابطة، فقد فعلها في النهاية، فغادر الحزب في فبراير/شباط 2026 وأسس حزبه "فوتورو ناتسيونالي" (المستقبل الوطني). وفي البرلمان الأوروبي ترك كتلة "الوطنيون من أجل أوروبا" التي تضم الرابطة، وانضم إلى كتلة "أوروبا الأمم ذات السيادة" التي أسسها حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف، وقال إنه يتبنى مبادئها بالكامل.
إعلان
ومن الناحية السياسية، أثبت قرار الاستقلال عن سالفيني أنه اختيار صائب لمصلحة فاناتشي بوصفه رمزا يمينيا صاعدا. فمنذ انطلاق حزبه أخذ يرتفع باطراد في استطلاعات الرأي، حتى تجاوز حزب الرابطة نفسه رغم حداثة تأسيسه، مقتربا من 8%. وباتت الصحافة العالمية تتحدث صراحة عن فاناتشي بوصفه أكبر تحدٍّ لهيمنة ميلوني على السياسة الإيطالية، بعدما صارت حكومتها أطول الحكومات عمرا في إيطاليا منذ الحرب العالمية الثانية. ومنذ عام 2024 عدّته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية من أبرز وجوه اليمين في إيطاليا، فيما رأت صحيفة "الغارديان" البريطانية أن صعوده يجعل مستقبل ميلوني أقل استقرارا، إذ صار لها منافس قوي جديد من أقصى يمينها.
يعود نجاح فاناتشي الكبير في الفترة الأخيرة إلى قدرته على أن ينقل ما يقوله كثير من الإيطاليين في المقاهي، بعيدا عن عدسات الإعلام، إلى الساحة السياسية بالنبرة نفسها والحدة نفسها. فهو يمثل بوضوح قطاعا من أقصى اليمين في الشارع الإيطالي يرى أن ميلوني، كما يؤكد فاناتشي نفسه، لم تنفذ برنامجها اليميني بصدق، وتراجعت عن كثير من وعودها الانتخابية حتى صارت أقرب إلى الوسط منها إلى اليمين. ويفخر فاناتشي دائما بأنه يمثل المنبوذين والطبقات الدنيا في إيطاليا وأفكارهم، ويعدّ نفسه صوت الأغلبية الصامتة في البلاد.
والأيديولوجيا التي يروّج لها فاناتشي ويريد لإيطاليا أن تتبناها محافظة بلا مواربة، لا تمسك العصا من المنتصف ولا تسعى إلى إرضاء الخارج أو التيار اليساري الذي يراه مهيمنا على كثير من الميادين الثقافية. فهو يرى أن يمين الوسط الذي تمثله ميلوني خان غالبية الإيطاليين حين اختار سياسات لينة في أكثر الملفات الاجتماعية حساسية إرضاءً للاتحاد الأوروبي واليسار، ويقدّم نفسه ممثلا لليمين الحقيقي، بلا نبرة اعتذارية أو تبريرية. ولا يتحرج من وصف الزعيم الفاشي بينيتو موسوليني بأنه "رجل دولة"، فقد قال في مقابلة مع صحيفة "لا ستامبا" في أبريل/نيسان 2024 إن موسوليني رجل دولة مثل كافور وستالين، وإنه لا يرى داعيا لأن يحمل "شهادة معاداة الفاشية" كي يعبّر عن رأيه. ويرفض رفضا قاطعا ما يسميه "أيديولوجيا الجندر"، ويدافع عن الأسرة الطبيعية المكونة من رجل وامرأة، كما يعارض الإجهاض، الذي تعدّه كثير من الإيطاليات حقا أصيلا، ويرين في التشكيك فيه في القرن الحادي والعشرين تحديا رجعيا صارخا لحقوقهن.
ويهاجم فاناتشي مجتمع المثليين والمتحولين جنسيا، ويملك من الجرأة ما لا يملكه كثير من سياسيي اليمين في أوروبا، فهو لم يتراجع قط عن وصفهم بأنهم "غير طبيعيين"، ويريد منع ظهورهم على شاشات التلفاز بين السادسة صباحا والحادية عشرة مساءً كي لا يراهم الأطفال. ويرفض أن يتبنى الأزواج المثليون أطفالا، ويرى أن هناك لوبيا عالميا يدفع العالم نحو المثلية ويجب التصدي له، ويعدّ إعطاء الأطفال الراغبين في تغيير جنسهم هرمونات أو مثبطات للبلوغ جريمة. كما يرفض سياسات التسامح والاندماج التي تطالب بها الأقليات الدينية والعرقية في البلاد.
ويرفض فاناتشي كذلك ما يسميه "الأيديولوجيا البيئية"، ويرى أنها صارت عند أتباعها أشبه بالدين. ولعل أكثر ما يستفز النسويات في إيطاليا رفضه الصريح لمصطلح "قتل النساء" (femminicidio)، الذي يعني، في نظر النسويات والتيار التقدمي، أن النساء يُقتلن على يد رجال لأنهن نساء، وأن هذه الحالات تشكل ظاهرة تجسد الذكورة السامة واضطهاد المرأة. ويبدو موقفه هذا أشد غرابة إذا عرفنا أن البرلمان الإيطالي أقر بالإجماع، في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قانونا قدمته حكومة ميلوني نفسها يجعل قتل المرأة لأنها امرأة جريمة قائمة بذاتها عقوبتها السجن المؤبد.
وفيما يخص المرأة أيضا، يرى فاناتشي أن سعي النساء إلى تحقيق ذواتهن في العمل على حساب تكوين الأسرة هراء، وأنهن، حتى إن عملن، لن يجدن الرضا والتحقق الحقيقي إلا في الأسرة. وبالطبع تثير هذه الآراء قلقا كبيرا لدى النسويات ومجتمع المثليين والمتحولين جنسيا، فهو يراهما خطرا كبيرا على إيطاليا وقيمها المسيحية. فطوال حكم ميلوني بقي قانون الإجهاض على حاله، وإن ضيّقت حكومتها على الأزواج المثليين في مسائل مثل تسجيل الأبناء وتأجير الأرحام.
إعلان
ولأنه عسكري ويميني محافظ، تحتل قضية الأمن صدارة برنامج الجنرال، فأمن الأسرة وأمن المجتمع شعاره الأهم. وهو يَعِد بنشر الجنود في المناطق الإيطالية التي تشهد معدلات جريمة مرتفعة، وببناء مزيد من السجون وعدم التهاون مطلقا مع المجرمين، لمواجهة ما يراه تصاعدا في الجريمة. غير أن أرقام المعهد الوطني الإيطالي للإحصاء تقول غير ذلك، فقد سُجلت في البلاد 327 جريمة قتل عام 2024، بمعدل 0.55 لكل 100 ألف نسمة، وهو من أدنى المعدلات في الاتحاد الأوروبي الذي يبلغ متوسطه 0.91.
وعلى الصعيد الخارجي، يحمل فاناتشي برنامجا يخالف السياسة الوسطية التوفيقية التي انتهجتها ميلوني. فهو يعارض الدعم الغربي لأوكرانيا، ويقول إن الموقف الأوروبي بعد الغزو الروسي كان شريرا، ويشكك في الاتحاد الأوروبي، ويرى أن بوتين حقق لروسيا خلال حكمه رخاءً وثروة ونجاحا كبيرا، وأنه محبوب بين أبناء شعبه، على عكس الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. لذلك يرى في بوتين رمزا إيجابيا، ويدعو إلى علاقات طيبة معه، لا سيما لخفض تكاليف الطاقة على الإيطاليين. ويقول إن أوروبا لا تدرك التهديد الحقيقي الذي يواجهها، فالخطر عليها في نظره يأتي من غزو الشعوب الغريبة عبر الهجرة، أما بوتين فلا يراه تهديدا.
وفي الصيف الماضي، حين بلغت أسعار البنزين في إيطاليا أعلى مستوياتها منذ ثلاث سنوات بسبب الحرب الأمريكية على إيران، ألقى فاناتشي باللوم على أوكرانيا، معتبرا أن ضرباتها لمصافي النفط الروسية هي التي رفعت أسعار الوقود، وأن الحل يكمن في وقف إمدادها بالسلاح والمال. وتجد هذه الآراء صدى واسعا لدى قطاع من الإيطاليين يميل إلى موسكو وتجربة بوتين، وقطاع أكبر يفضّل خطوات السلام، ولو تضمنت تنازلات تمس السيادة الأوروبية في مواجهة روسيا، على الخطوات التي تؤجج الحروب.
ومواقف فيناتشي من الشرق الأوسط جديرة بالتسجيل. فحين هاجمت الولايات المتحدة إيران في 28 فبراير/شباط 2026، سخر من ازدواجية المعايير الأوروبية، فقال إن هناك معتديا ومعتدى عليه، وإنه ينتظر من رئيسة المفوضية الأوروبية أن تخصص لطهران صندوقا بتسعين مليار يورو، وأن ترسل لها أوروبا السلاح وتفرض العقوبات على واشنطن، كما فعلت مع كييف وموسكو. وكان هدفه، كما يظهر من سياق كلامه، الطعن في الرواية الأوروبية عن أوكرانيا. وفي غزة، أيّد مشاركة إيطاليا في "مجلس السلام" الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لأن المجلس في رأيه سيقرر مصير منطقة ذات أهمية استراتيجية لبلاده. ورغم اعتراضه على اعتراف دول أوروبية بفلسطين، قائلًا إنها "ليست موجودة"، قال إن حزبه ينتقد بعض مواقف حكومة بنيامين نتنياهو.
ويقوم موقف فاناتشي وحزبه من أوروبا على رفض المؤسسات فوق القومية التي تفرض سلطتها على الدول. فهو يؤيد التعاون بين دول ذات سيادة، من دون أن تذوب هذه السيادة في مؤسسات عابرة للحدود أو فيما يُسمى التكامل الأوروبي، ويريد تحرير إيطاليا من قرارات الاتحاد الأوروبي في السياسة الخارجية والدفاعية، التي يراها متعارضة مع المصالح الوطنية الإيطالية. كما يرفض خطة حلف شمال الأطلسي (الناتو) لرفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي.
وربما تكون أفكاره عن الهجرة أهم ما يعني العرب والمسلمين المقيمين في إيطاليا. ويقدّر مركز "إسمو" (ISMU) الإيطالي عدد المسلمين بين الأجانب المقيمين في إيطاليا بنحو 1.7 مليون شخص مطلع عام 2025، أي أكثر من 30% من الأجانب. ويروّج فاناتشي لفكرة "الغزو المحمدي الجماعي" لإيطاليا، أي أن الهجرة من بلدان إسلامية ذات ثقافة لا تتوافق في نظره مع الثقافة الإيطالية تهدد الطابع المسيحي للهوية الإيطالية. ومع ذلك يرفض الجنرال صراحة السخرية من الإسلام أو من أي دين آخر، ويرفض الأفعال المتطرفة مثل حرق المصحف.
ونصل هنا إلى أخطر ما في برنامج فاناتشي، أي "إعادة الهجرة" (remigrazione) التي أثارت حوله جدلا واسعا. فكثيرون في إيطاليا، ولا سيما خصومه، يفهمونها على أنها إعادة المهاجرين المقيمين بصورة قانونية وذوي الأصول المهاجرة إلى بلدانهم الأصلية، خاصة أن الكلمة تُستخدم بهذا المعنى في أدبيات أقصى اليمين في بقية أوروبا. ويقول فاناتشي إنه يقصد بها طرد المهاجرين غير النظاميين، وتشديد شروط منح الجنسية الإيطالية وسحبها، والحد من لمّ شمل الأسر المهاجرة، وطرد الأجانب الذين يرتكبون جرائم في البلاد. لكن شبكة "يورونيوز" تصف الإعادة القسرية للأجانب بأنها جوهر برنامج حزبه. علما بأن له تصريحات يشكك فيها في إيطالية المواطنين السود، فقد كتب أن لاعبة الكرة الطائرة الإيطالية ذات الأصول النيجيرية باولا إيغونو، وإن كانت إيطالية الجنسية، لا تمثل ملامحها الهوية "الإيطالية". ورفعت إيغونو دعوى تشهير ضده، لكن قاضي التحقيق في مدينة لوكا حفظها، ورأى أن كلامه كان غير لائق دون أن يرقى إلى التشهير. ووعد فاناتشي بخفض نسبة الأجانب في إيطاليا إلى نحو 4%، علما بأن الأجانب المقيمين يشكلون اليوم أقل من عُشر السكان.
كيف يعيد فاناتشي رسم السياسة في إيطاليا؟بلغ تأييد حزب فاناتشي في استطلاعات الرأي نحو 8% حتى أواخر سبتمبر/أيلول الماضي، وكان بين مؤيديه ناخبون كانوا يدعمون رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني. ويرى جوفاني أورسينا، من جامعة لويس (LUISS) في روما، أنه لولا ظاهرة فاناتشي الصاعدة لراهن الجميع على إعادة انتخاب ميلوني وتحالفها، وعلى أنها ستشكل حكومتها كما تريد، لكن ظهوره جعل المشهد أكثر تعقيدا.
إعلان
غير أن صعود الحزب بدأ يتباطأ في الأسابيع الأخيرة. ففي استطلاع معهد "إس دبليو جي" (SWG) لقناة "لا 7" الإيطالية في 19 أكتوبر/تشرين الأول، خسر "فوتورو ناتسيونالي" نقطتين دفعة واحدة وهبط إلى 5.6%، وذهبت هذه الأصوات كلها إلى حزب "إخوة إيطاليا" الذي صعد إلى 29.7%. أما متوسط الاستطلاعات المحدّث في 15 أكتوبر/تشرين الأول فيضع حزب فاناتشي عند 7.2%، متقدما على الرابطة (6%). والمعسكران الكبيران متعادلان تقريبا، إذ يمنح استطلاع "إس دبليو جي" نفسه تحالف يسار الوسط 44.6% مقابل 44% ليمين الوسط من دون حزب فاناتشي. وفي سباق بهذا التقارب، تكفي أصوات الجنرال، حتى بعد تراجعها، لترجيح الكفة.
ومن ثم قد يصبح لفاناتشي وحزبه تأثير كبير جدا في تشكيل الحكومة المقبلة. فقد تجد ميلوني نفسها مضطرة إلى التحالف معه، والأرجح أن حزبه لن يتنازل بسهولة عن أفكاره الرئيسية إن تحالف معها. وإذا حدث هذا التحالف فستضطر ميلوني إلى تقديم تنازلات له، والميل إلى سياسات أكثر يمينية وأبعد عن التيار السائد في المؤسسات الأوروبية. وفي الأثناء تسعى ميلوني إلى تمرير قانون انتخابي يمنح أغلبية برلمانية للتحالف الذي يتجاوز 42% من الأصوات، وهو ما تعدّه المعارضة محاولة منها للاحتفاظ بالحكم، وهي عتبة يتجاوزها المعسكران كلاهما في الاستطلاع الأخير.
وسواء شارك فاناتشي في الحكومة المقبلة أم لا، فإن أثره شديد الوضوح حتى قبل الانتخابات. فقد جنحت ميلوني بشدة نحو اليمين منذ صعوده، وصارت تشدد في خطابها على أنها لن تتسامح مطلقا مع "الأصوليين" المسلمين في البلاد، وتسعى إلى حظر النقاب في المدارس الإيطالية، وحددت سقفا قدره 30% لنسبة الطلاب الأجانب الذين لا يجيدون الإيطالية في الصفوف الأولى من التعليم. كما صارت تركز على الدفاع عن التراث المسيحي لأوروبا، وبدأ وزير التعليم في حكومتها، جوزيبي فالديتارا، يتحدث عن مشكلة اندماج الطلاب المنحدرين من أسر مسلمة في الثقافة الإيطالية.
وبعد أزمة تدفق نحو 80 ألف مهاجر، أغلبهم شبان من المغرب، على مدينة سبتة في يوليو/تموز الماضي، علّقت ميلوني لمدة شهر العمل بنظام حرية التنقل في منطقة شنغن في الرحلات البحرية والجوية مع إسبانيا، في خطوة فجّرت أزمة دبلوماسية مع مدريد وأظهرتها أشد صرامة حيال الهجرة، حتى إن صحيفة "إل فوليو" الإيطالية قرأت القرار بوصفه موجها ضد فاناتشي. ومن جانب آخر، أخذت وزارة الداخلية الإيطالية، في محاولة للرد على خطاب فاناتشي المتصاعد والجاذب للجماهير، تنشر بكثافة مقاطع لمهاجرين مكبّلين يُقتادون بحزم إلى طائرات تغادر إيطاليا، لتثبت أن الحكومة الحالية لا تتهاون مع الهجرة غير النظامية.
وأمام ميلوني نحو عام قبل الانتخابات العامة المتوقعة في 2027. فإن أقصت الجنرال عن تحالفها خاطرت بخسارة أصوات قد تحسم المعركة، وإن ضمّته حملت برنامجه معها إلى الحكم. وفي الحالتين، سيدفع المسلمون والمهاجرون في إيطاليا ثمن هذا السباق نحو اليمين قبل غيرهم.
إقرأ المزيد


