من خيام النزوح في دارفور.. مطالب إلى البرهان وترمب
الجزيرة.نت -

السودان- في أحد مخيمات النزوح في دارفور، يعد أيوب آدم (25 عاما) نقوده القليلة أمام خيمته. لا يكاد يبلغ مجموعها ثمن علبة دواء واحدة.

يقول للجزيرة نت إنه لا يهتم بذكرى سقوط الفاشر التي تحل في 26 اكتوبر/تشرين الأول، ولا يتحدث عنها كثيرا، بل كل همه أن يتحقق السلام، وأن يعود من مخيم طويلة إلى مدينته الفاشر، ليواصل دراسته الجامعية التي انقطعت بسبب الحرب، وأن يجد دواء لأمه المريضة. ويشير إلى أنه يريد، مثل باقي النازحين، أن يسمع أن القصف توقف، وأن الجيش السوداني عاد ليحمي المدينة.

أيوب آدم نازح في مخيمات دارفور يعد مبلغا من المال لشراء دواء لأمه (الجزيرة)
أفعال لا بيانات

ويقول أيوب إنه يريد من عبد الفتاح البرهان أن يرسل الجيش السوداني ليعيد المدينة، وأن يوفر الأمن والخدمات، وأن يعيد الجامعة إلى ما كانت عليه. ويضيف أنه يريد من دونالد ترمب أن يضغط على قوات الدعم السريع للانسحاب من المدن، وأن يفرض عقوبات على من يستمر في القتال، وأن يدعم الجيش السوداني في استعادة السيطرة.

قصص مقترحة list of 2 itemsend of list

ويشير إلى أنه لا يريد بيانات ولا مؤتمرات، بل يريد أفعالا. ويقول إنه سمع كثيرا من الرسائل، ولم يرَ شيئا يتغيرعلى الأرض. ويضيف أن رسالة البرهان إلى ترمب وصلته، لكنه لم يعرف ماذا تعني.

وفي 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعث رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان رسالة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، أعرب فيها عن التزام السودان بجهود تحقيق السلام التي ترعاها الولايات المتحدة، وقال إن حكومته مستعدة للعمل بنية صادقة مع جميع الأطراف لتحقيق سلام عادل ودائم. وجاءت الرسالة في وقت تقود فيه الولايات المتحدة والسعودية، ضمن اللجنة الرباعية، جهودا للتوصل إلى هدنة إنسانية.

ولكنّ الرسالة، حسب نازحين في دارفور، وصلت إليهم مشوبة بالشك، لأنها ليست الأولى. فقبْلها كانت خطط وهدن ومبادرات، لم تغيّر شيئا في حياتهم اليومية.

النازح آدم رمضان ينتظر أن يسمع أخبارا عن شقيقه المفقود (الجزيرة)
أمل وشك

وفي مخيم آخر في غرب دارفور، يجلس آدم رمضان (32 عاما) أمام خيمته، يمسك بيده صورة قديمة لشقيقه الذي فُقد في الحرب. يقول إنه سمع برسالة البرهان  في المخيم، وإنه لم يتفاجأ بها، لأنها ليست الأولى. ويضيف أن النازحين في المخيم تلقوا الخبر بمزيج من الأمل والشك: الأمل لأن أي حديث عن سلام قد يعني وقف القصف، والشك لأن تجاربهم السابقة علمتهم أن الرسائل والبيانات لا تصل إلى خيامهم.

إعلان

ويوضح أن النازحين لا يتابعون تفاصيل الرسائل السياسية، بل يسألون سؤالا واحدا: هل سينسحب الدعم السريع من مدننا؟ وهل سيعود الجيش السوداني ليحمينا؟ وهل سنعود إلى قرانا؟

ويقول آدم رمضان إنه يريد من البرهان أن يعيد الأمن إلى غرب دارفور، وأن يفتح الطرق، وأن يعيد الخدمات، وأن يساعده في البحث عن شقيقه المفقود. ويشير إلى أنه لا يريد رسائل، بل يريد أن يعرف مصير شقيقه، وأن يعود إلى مدينته، وأن يجد قبرا يزوره إن كان شقيقه قد مات. ويضيف أنه يفتح هاتفه كل صباح، لعله يجد رسالة تقول إنه حي.

عام السقوط

يقول أيوب إنه كان في الفاشر عندما بدأ هجوم الدعم السريع عليها، وإنه خرج منها في الأيام الأولى، لكنه لم يخرج سالما. ويضيف أنه فقد والده، وأنه لا يعرف حتى الآن إن كان قد دُفن أم لا.

كانت الفاشر قد سقطت في 26 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، بعد حصار استمر أكثر من 500 يوم، لتكون آخر معقل كبير للجيش السوداني في دارفور. وفي 13 فبراير/شباط 2026، نشر مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان تقريرا وثّق فيه أن ما لا يقل عن 4400 شخص قُتلوا داخل المدينة خلال الأيام الثلاثة الأولى من الهجوم، بينما لقي أكثر من 1600 آخرين مصرعهم أثناء محاولتهم الفرار منها، محذرا من أن الحصيلة الحقيقية قد تكون "أعلى بكثير" في ظل وجود آلاف المفقودين.

وبعد أشهر من التراجع، بدأ الجيش السوداني يعيد ترتيب صفوفه في محور شمال دارفور، استعدادا لعمليات تستهدف استعادة المدينة من قبضة قوات الدعم السريع. ويقول قادة ميدانيون إن القوات جاهزة لخوض العمليات، وإنها ستتعامل مع "المليشيا" بقوة، وإن الجيش لن يترك المدن تحت سيطرة قوات لا تعرف شيئا عن القانون

اعتراف ووعود

ويقول عضو مجلس السيادة الانتقالي، صلاح رصاص، في تصريح حصري للجزيرة نت، إن سكان دارفور لا يزالون يعانون من وجود مليشيا الدعم السريع، ومن شح الأمطار، ومن تداعيات ظاهرة النينو التي ضربت المنطقة، وإن هذه العوامل مجتمعة فاقمت الأوضاع الإنسانية في الإقليم.

ويضيف أن الدولة تبذل جهودا للوصول إلى المناطق المتضررة، وأنها تعمل على تحرير الإقليم قريبا، مؤكدا أن الحكومة لا تزال تضع دارفور في أولوياتها. ويشير إلى أن قوات الدعم السريع ارتكبت انتهاكات واسعة بحق المدنيين، وأن الجيش السوداني هو من يحمي الوطن، وأنه يعمل على إنهاء وجود المليشيا في المدن، وأن الحكومة "لن تتخلى عن أهل الفاشر".

ويؤكد رصاص أن انسحاب قوات الدعم السريع من المدن ليس مطلبا سياسيا فحسب، بل هو شرط أساسي لأي سلام حقيقي، لأنه لا يمكن بناء سلام في ظل وجود مليشيا تسيطر على الأرض وتمارس القتل والتهجير.

ثمن الانتظار

وبينما تتحرك الرسائل بين الخرطوم وواشنطن، يستمر النزوح من دارفور. ففي 15 أكتوبر 2026، حذر ناشطون من تفاقم الأوضاع الإنسانية وخطر المجاعة في مدينة الطينة وما حولها، جراء الجفاف الحاد وفشل الموسم الزراعي.

وفي مخيمات طويلة، لا تزال آلاف الأسر تعيش في العراء، بعد أن وصلت موجات نزوح جديدة خلال سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول، وتقول مصادر محلية في طويلة إن الأسر التي تنتظر السلام تموت ببطء، ليس فقط من الجوع، بل من الانتظار.

وحسب بيانات الأمم المتحدة، نزح أكثر من 300 ألف شخص من الفاشر منذ سقوطها في أكتوبر 2025، بينما عبر نحو 100 ألف شخص الحدود إلى تشاد. ويشير تقرير منظمة العفو الدولية الصادر في 22 أكتوبر 2026 إلى أن عدد من بقي في المدينة أقل من 70 ألف شخص، بعد أن كان يتجاوز مليون نسمة قبل الحرب.

إعلان

وبينما يعُد أيوب آدم نقوده اليسيرة أمام خيمته، ويمسك آدم رمضان صورة شقيقه المفقود، ينتظر الرجلان خبرا آخر غير الرسائل.

تبقى الأسئلة: هل يستجيب البرهان لمطالب النازحين، فيرسل الجيش ويعيد الأمن؟ وهل يضغط ترمب على الدعم السريع للانسحاب؟ أم يبقى أيوب وآدم ينتظران فصلا جديدا؟



إقرأ المزيد