ما جرى في عام 1958 سيجعلك تفهم ما وقع بين البرهان وحمدوك
الجزيرة.نت -

صبيحة 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 أعلن الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان -رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان وقائد الجيش السوداني– عن مجموعة من القرارات والإجراءات والتدابير شملت فرض حالة الطوارئ في جميع أنحاء السودان، وتعليق العمل بالوثيقة الدستورية، وحل السلطات الانتقالية (مجلس السيادة الانتقالي ومجلس الوزراء)، وإقالة عدد من أعضاء الحكومة وولاة الولايات والأعضاء غير العسكريين بمجلس السيادة الانتقالي، ووضع رئيس الوزراء عبد الله حمدوك رهن الإقامة الجبرية.

وأحدثت هذه الخطوة المفاجئة من جانب البرهان دويا هائلا في الوسط السياسي في السودان الذي كانت تسوده حالة من عدم اليقين والفوضى والاضطراب والشلل بسبب ضعف السلطة، وذهاب هيبتها، وعجزها عن بسط الأمن والاستقرار.

قصص مقترحة list of 2 itemsend of list

وظهر ذلك جليا في إغلاق الشوارع وتعطيل حركة المرور والإضرابات المتكررة التي كانت تقف وراءها بعض القوى السياسية المشاركة في السلطة، في ظل عدم وجود سلطة تشريعية ومحكمة دستورية رغم أن الوثيقة الدستورية نصت على ضرورة إنشاء برلمان انتقالي يكون رقيبا على أعمال السلطة التنفيذية ويسن التشريعات.

رئيس الوزراء الأسبق "المستقيل" عبد الله حمدوك لم تكن له سابق تجربة في العمل السياسي في السودان بما يكفي لتؤهله ليكون رئيسا للوزراء للنظام الذي أطاح بالرئيس البشير

كما نصت على تشكيل محكمة دستورية كأعلى هيئة قضائية في البلاد تقوم بمهام الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة والفصل في تنازع الاختصاص والأحكام، وتفسير نصوص الدستور والرقابة على الانتخابات والاستفتاءات وغيرها من المهام المعروفة للمحاكم الدستورية، وهي مهام لا غنى عنها لأي دولة حديثة.

وقد أحدث غيابها في السودان الكثير من الاضطراب السياسي والعدلي بصورة غير مسبوقة.

رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش السوداني سمى هذه الخطوة بـ"الإجراءات التصحيحية"، بهدف تصحيح "مسار الثورة" على حد وصفه، ومنع تفكيك البلاد، ومن أجل توسيع قاعدة المشاركة السياسية تمهيدا لإجراء انتخابات حرة ونزيهة.

ردود أفعال متباينة

وتباينت ردود الأفعال المحلية والإقليمية والدولية إزاء خطوة البرهان التي سماها بالإجراءات التصحيحية.

إعلان

فعلى الصعيد المحلي يمكن القول إنه قد حدث انقسام ما بين مؤيدين لهذه الخطوة، ورافضين لها، والفئة المؤيدة ترى أن البلاد كانت غارقة في مستنقع فوضى واضطراب وانهيار أمني واقتصادي ألقى بأثره البالغ على الحياة المعيشية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وانعدام الوقود والطاقة عموما، وغياب الرقابة على أعمال الحكومة وتخبط الجهاز التنفيذي بالدولة وتفشي الفساد في الخدمة المدنية وتغول السياسيين على الجهاز القضائي عبر اللجان المشكلة من قبل قوى سياسية وأشهرها لجنة إزالة التمكين.

هذه اللجنة مثلت ذروة التغول والافتئات على القضاء ومصادرة صلاحياته فكانت سياسية بالكامل، وتمارس مهامها بدوافع سياسية بحتة لا علاقة لها بالعدالة والقانون.

كانت هي الخصم والحكم، الادعاء والقضاء، ليس عليها رقيب يراجع قراراتها، وكانت أحكامها نهائية غير قابلة للنقض، وكانت تقوم بفصل موظفي الخدمة المدنية من غير الموالين للقوى السياسية التي تمثلها اللجنة وإبعادهم وإحلال كوادرها محلهم بغض النظر عن التأهيل والكفاءة، وإلصاق "تهمة" الانتماء إلى نظام الرئيس المعزول البشير بكل من يبدي رأيه المخالف لما تقوم به اللجنة التي بدلت تمكين نظام البشير بتمكين آخر أكثر سوءا يقوم على الولاء المحض للقوى السياسية التي تهيمن على السلطة، فأوجدت خطوة البرهان ارتياحا لدى هذه الفئة المؤيدة لها.

أما الرافضون لخطوة البرهان فهم فئة مؤلفة من القوى والأحزاب والكيانات السياسية المشاركة في السلطة ممن عرفوا بـ"قوى الحرية والتغيير"، حيث خرج أنصار هذه القوى إلى الشوارع في مظاهرات احتجاج رافضين لما اعتبروه "انقلابا عسكريا"، ومطالبين بعودة ما أسموه "الحكم المدني الكامل"، وهتفوا بعودة رئيس الوزراء المقال حمدوك.

لكن لم تجد هذه الاحتجاجات تجاوبا كبيرا من قطاعات شعبية واسعة، وربما يعزى هذا التراخي الشعبي إلى أن قسما كبيرا من الشعب السوداني كان يرى أن ما فعله البرهان يأتي في سياق تقويم تجربة انحرفت كثيرا عن جادة الثورة، وتصحيحا لأخطاء عديدة ارتكبتها حكومة حمدوك والقوى السياسية القابضة على السلطة باسم الثورة والثوار.

هناك أسباب أخرى كثيرة لم يشأ حمدوك ذكرها في تسبيب استقالته وهي أسباب تتعلق بأدائه ومنهجه في التعاطي مع التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي كان السودان يرزح تحت وطأتها، حيث اتسم تعاطي حمدوك معها بالقصور والعجز والفشل وهو قصور ناتج عن نقص كبير في خبرته السياسية

كيف ولج حمدوك إلى الحياة السياسية في السودان؟

رئيس الوزراء الأسبق "المستقيل" عبد الله حمدوك لم تكن له سابق تجربة في العمل السياسي في السودان بما يكفي لتؤهله ليكون رئيسا للوزراء للنظام الذي أطاح بالرئيس البشير.

فقد درس الاقتصاد بجامعة الخرطوم، وأكمل دراسته العليا بمانشستر، ولم يكن له إرث سياسي في الجامعة كحال معظم الأعلام من السياسيين السودانيين ولم يكن معروفا عنه ممارسة نشاط سياسي في مؤسسة أكاديمية عريقة ومشهورة- كان النشاط السياسي فيها يغلب حتى على النشاط الأكاديمي- هي جامعة الخرطوم.

عمل حمدوك بلجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا والبنك الأفريقي للتنمية، ومستشارا خاصا لبنك التجارة والتنمية في إثيوبيا.

إعلان

وكل ما يمكن أن يذكر من نشاط سياسي قام به حمدوك في الماضي قبل توليه رئاسة الوزراء أنه شارك في مبادرات سلام أفريقية للتوسط في نزاعات في أقاليم دارفور وكردفان والنيل الأزرق.

هذا كان كل حظ حمدوك من العمل السياسي قبل ولوجه مسرح السياسة السودانية في واحد من أخطر منعطفات السياسة في السودان التي عرف عنها التقلب والفوران عبر مراحلها التاريخية المختلفة منذ الاستقلال، وهي المرحلة التي أعقبت الإطاحة بأقوى نظام حكم تولى إدارة البلاد لثلاثة عقود دون انقطاع.

وتولى حمدوك رئاسة حكومة "الثورة" بالرغم من أنه لم يشارك فيها ولم يكن ضمن قادتها الميدانيين ولم يعرف عنه مساندتها وتأييدها عن بعد من مقر إقامته في الخارج، وهي واحدة من غرائب السياسة السودانية التي يصعب فهمها.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن حمدوك لم يكن معروفا لدى السودانيين قبل أن تسلط عليه الأضواء في 2018 من قبل نظام الرئيس المعزول عمر البشير، حيث عرض عليه منصب وزير المالية وتم تلميعه بشكل لافت، إلا أنه رفض تولي المنصب ربما لأنه رأى بأن مركب النظام يوشك على الغرق.

تمت تسمية حمدوك رئيسا للوزراء في أغسطس/آب 2019 بناء على اتفاق على تقاسم السلطة بين الجيش وقوى الحرية والتغيير التي كانت تعرف اختصارا بـ"قحت"، وكانت تمثل قوى الثورة التي قادت الاحتجاجات ضد نظام البشير.

وهكذا دخل حمدوك مضمار السياسة من باب الخروج، حيث رئاسة الحكومة هي باب الخروج في عرف السياسة السودانية، وقد كان دخوله من هذا الباب مضافا إليه نزوله الملعب السياسي دون سابق إحماء هما السبب في فشله لاحقا ومغادرته منصبه مستقيلا بعد أقل من عامين ونصف العام من رئاسته للحكومة.

كيف ولماذا عاد حمدوك لمنصبه ولماذا استقال لاحقا؟

عقب أحداث 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، وبعد أقل من شهرين منها وقع حمدوك اتفاقا سياسيا مع البرهان في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2021 عاد بموجبه إلى منصبه رئيسا للوزراء.

وأثارت هذه الخطوة من حمدوك حفيظة مناصريه الذين اعتبروها تنصلا من مبادئ الثورة وانتكاسة منه، ووصفه البعض بالخيانة كونه تحالف مجددا مع الجيش الذي يعدونه مواليا لنظام البشير، وبالتالي يرون أن عودة حمدوك تدعم عودة نظام البشير!

من جانبه برر حمدوك اتفاقه مع البرهان وعودته لرئاسة الوزراء بأنه يهدف إلى "حقن الدماء وقطع الطريق على قوى الثورة المضادة لأن البلاد تواجه تراجعا كبيرا في مسيرة الثورة يهدد وحدتها واستقرارها" حسب تعبيره.

لكنه ما لبث -في الثاني من يناير/كانون الثاني 2022- أن أعلن عن استقالته عبر خطاب متلفز موجه إلى الشعب السوداني أوضح فيه أنه اتخذ قرار الاستقالة بعد أن باءت محاولاته ولقاءاته مع مختلف الشرائح والمكونات السياسية بالفشل، وعدم التوصل إلى توافق سياسي يجنب البلاد الانزلاق نحو الفوضى.

وأشار إلى أن الأزمة الكبرى في السودان هي سياسية بالمقام الأول، وفي طريقها لأن تصبح أزمة شاملة، وأن المشكلة الحقيقية هيكلية بين المكونات السياسية والمدنية والعسكرية.

وانتقد في خطابه ما سماها بحالة الاستقطاب السياسي، مشيرا إلى أن خطاب الكراهية والتخوين وعدم الاعتراف بالآخر جعل مسيرة الانتقال هشة ومليئة بالتحديات، وقال بوضوح مختتما خطاب استقالته "إنني قد قررت أن أرد إليكم أمانتكم وأعلن لكم استقالتي من منصب رئيس الوزراء، مفسحا المجال لآخر من بنات أو أبناء هذا الوطن".

غير أن هناك أسبابا أخرى كثيرة لم يشأ حمدوك ذكرها في تسبيب استقالته وهي أسباب تتعلق بأدائه ومنهجه في التعاطي مع التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي كان السودان يرزح تحت وطأتها، حيث اتسم تعاطي حمدوك معها بالقصور والعجز والفشل، وهو قصور ناتج عن نقص كبير في خبرته السياسية ونطاق معرفته وإحاطته بالواقع السوداني وطبيعة المشكلات السياسية في السودان.

إعلان

يضاف إلى ذلك أنه وجد نفسه محاطا بسياج محكم من شخصيات ومجموعات سياسية تسابقت لاحتوائه لكي تملأ فراغ قصوره وقلة خبرته السياسية، فما استطاع لا مقاومتها ولا التوافق معها، ويمكن القول إن استقالته جاءت في مرحلتها النهائية للتخلص من هذا السياج ومن المضايقات التي وجدها من هذه الشخصيات والمجموعات التي يدعي كل منها الوصال بالثورة والشعب.

كذلك فإن حمدوك حين تسلم مقاليد منصبه وجد نفسه في خضم عاصفة سياسية لا رخاء فيها، ومطلوب منه تحقيق أهداف سياسية واقتصادية كبرى لا قبل له بها.

فقد كان عليه وفقا للوثيقة الدستورية إقامة مؤسسات حكم ديمقراطي من برلمان وجهاز تنفيذي وجهاز قضائي مستقل، وكان عليه إصلاح الاقتصاد ووقف وتيرة التضخم المتسارعة، وتدهور قيمة الجنيه، وغلاء المعيشة، ومعالجة عبء الدين العام، وإخراج السودان من عزلته عن النظام المالي العالمي التي امتدت لأكثر من ربع قرن من الزمان بسبب إدراجه في القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، وكان عليه أيضا معالجة ملفات سياسية شائكة ومعقدة لم يكن يمتلك القدرة على الاقتراب منها، ناهيك عن حلها.

لم تكن هذه التحديات هينة بالنسبة لرجل جل خبرته نظرية وتتركز في الحقل المالي والمحاسبي، لذلك فقد فشل حمدوك في إصلاح الاقتصاد وكان حصاده من محاولاته الإصلاحية للاقتصاد ارتفاع نسبة التضخم إلى 300٪، ومفاقمة الفقر وغلاء الأسعار وانعدام السلع الأساسية مما أدى إلى تنامي الغضب الشعبي على حكومته، وقد اتبع حمدوك خطة إصلاح قامت على رفع الدعم عن الوقود، وتعويم الجنيه السوداني، وتأميم عدد من المؤسسات الاقتصادية، وسياسة تقشف ألقت بثقلها كله على المواطن، وقد اعترف حمدوك بذلك بقوله إن الشعب السوداني دفع ثمنا غاليا نتيجة لهذه السياسة.

لكل هذه الأسباب لم يكن أمام حمدوك إلا الاستقالة حيث بدا كما لو أنه قد تيقن من أن الفتق متسع بكثير عن الراتق، وأنه لم يعد بالإمكان أبدع مما كان، فتقدم باستقالته التي لم يثبت حتى الآن أنها كانت بضغط من أي جهة بالداخل.

فخطاب الاستقالة لم ترد فيه أي إشارة لضغط من جهة معينة، ولم يذكر حمدوك لاحقا وبعد خروجه من السودان أنه استقال مكرها، وهو ما ينفي سردية بعض القوى السياسية التي ناوأت الجيش وقولها إن قائد الجيش هو الذي أجبر حمدوك على الاستقالة.

موقف القوى السياسية من استقالة حمدوك

مثلما أثارت عودة حمدوك لرئاسة الوزراء باتفاق 21 نوفمبر/تشرين الثاني مع البرهان حفيظة معظم القوى السياسية واعتبروها خيانة للثورة، حدث الشيء نفسه غداة استقالته واعتبرت قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) أن استقالة حمدوك الأخيرة تزيد المشهد السياسي تعقيدا وتفتح الباب أمام نفق مجهول وتشرذم سياسي أكبر.

ورأت قوى أخرى داخل التحالف أن حمدوك يتحمل جزءا من المسؤولية عن تداعيات ما حدث بعد أحداث 25 أكتوبر/تشرين الأول، وعبرت بعض الأحزاب التقليدية القريبة من التحالف (مثل حزب الأمة القومي) عن رفضها للاستقالة، معتبرة إياها خسارة لفرصة مواتية للانتقال إلى الحكم المدني.

ورغم تلك الانتقادات لاستقالة حمدوك تعهدت قوى الحرية والتغيير بمواصلة العمل على مقاومة ما اعتبرته انقلابا عسكريا، وإسقاط الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها البرهان عبر أدوات الاحتجاج ومجموعات سميت بلجان المقاومة الشعبية.

ولم تثن انتقادات القوى السياسية حمدوك عن المضي قدما في الاستقالة ومغادرة البلاد إلى حيث مقر إقامته، حيث لم يصغ للأصوات المنادية له بالعدول عنها، والتمسك بالمنصب باعتباره طريقا يؤدي إلى الحكم المدني الديمقراطي، وإنجاح المشروع السياسي الذي تبنته قوى الحرية والتغيير.

وهو مشروع السودان الجديد الذي تقوم ركائزه على العلمانية والفصل التام بين الدين والدولة في كل مجالات الحياة، وإعادة صياغة مناهج التربية والتعليم الأساسي على أساس علماني بحت، وتجريد التشريعات من الأحكام الدينية وتغيير قوانين الأحوال الشخصية وفقا للمعايير الغربية وإطلاق الحريات.

وهذا المشروع الذي شرعت في تنفيذه القوى السياسية بقيادة حمدوك هو الذي ساعد بشكل كبير فيما آل إليه مصير قوى الحرية والتغيير بعد ذلك، فالمجتمع السوداني مجتمع محافظ ولا يتقبل مثل هذه التوجهات والأفكار التي تخالف معتقداته وأعرافه وعاداته وتقاليده.

حمدوك لم يخف انحيازه لقوات الدعم السريع في حربها ضد الجيش السوداني والحكومة السودانية ولطالما عبر عن ذلك الانحياز في مواطن كثيرة

هل كانت استقالة حمدوك مقدمة لما حدث في 15 أبريل/نيسان 2023؟

ورغم أن الفاصل الزمني بين استقالة حمدوك واندلاع الحرب التي لا تزال رحاها تدور حتى الآن -كأسوأ أزمة وقعت في تاريخ السودان الحديث- 15 شهرا، فإن الكثيرين يربطون بين استقالة حمدوك وبين الحرب الدائرة حتى الآن بعلاقة سببية، ويرون أن استقالة حمدوك أسست لهذه الحرب بطريقة غير مباشرة، وكانت نتيجة لها رغم بعد الشقة الزمنية ورغم تواجده خارج البلاد.

إعلان

وتقوم سردية هؤلاء على أن حمدوك كان قد يئس من إمكانية بسط سيطرته وممارسة صلاحياته كاملة، ومن ضمنها أن يكون الجيش مؤتمرا بأمره باعتباره رئيسا للحكومة، وأن يحد من نفوذ الجيش ويقصره على المهام الدفاعية فقط، وألا يمارس أي دور خارج نطاق الدور الدفاعي، لأن مشروع قوى الحرية والتغيير يقوم أيضا على مناهضة الجيش والسعي لإضعافه خشية أن يسيطر على الحكم.

كذلك يرى أصحاب هذه السردية أن حمدوك بعد استقالته غادر البلاد إلى إحدى الدول الإقليمية التي تبين لاحقا أنها تدعم قوات الدعم السريع في حربها ضد الجيش والحكومة السودانية، ويدللون بهذه الواقعة على أن ما حدث في 15 أبريل/نيسان 2023 كان عملا مخططا له، وأن استقالة حمدوك كانت جزءا من هذا المخطط. وأن رئاسة حمدوك لجبهة الصمود المتهمة بأنها الذراع السياسية لقوات الدعم السريع لهو أكبر دليل على صحة هذا الاتجاه.

خاصة أن حمدوك ظهر عدة مرات مع قائد قوات الدعم السريع في محافل ومنتديات مشتركة في عواصم أفريقية من دول جوار السودان، وظهر في مناسبات عديدة وهو يدافع عن قوات الدعم السريع، وظل يقوم بجولات أوروبية بالتنسيق مع قيادة قوات الدعم السريع للترويج لبرامجها ومشاريعها السياسية.

ويرى آخرون ألا علاقة سببية تجمع بين الحدثين، وأن روابط حمدوك بقوات الدعم السريع توثقت لاحقا بعد محاولة قائد الدعم السريع والمجموعة السياسية التي التفت حوله بعد استقالة حمدوك، الاستيلاء على السلطة في السودان في 15 أبريل/نيسان 2023، وهي مجموعة مرتبطة ارتباطا عضويا بقوات الدعم السريع وتعمل كذراع سياسية لها، وهي التي خططت لهذه المحاولة من أجل السيطرة على الحكم.

ومن ثم ليس فقط إعادة هيكلة الجيش، وإنما ابتلاعه في جوف قوات الدعم السريع الذي سيحل محل الجيش، وبالتالي تدين الأمور لها بشكل كامل.

ويدلل أصحاب هذه السردية على صحتها بالتعاون والتنسيق التام بين حمدوك ومجموعته، وبين قيادة قوات الدعم السريع ومطالباتهم المتكررة بإعادته إلى منصبه رئيسا للوزراء.

أيا كان الأمر فإن حمدوك لم يخف انحيازه لقوات الدعم السريع في حربها ضد الجيش السوداني والحكومة السودانية، ولطالما عبر عن ذلك الانحياز في مواطن كثيرة.

وتبقى الإجابة عن السؤال المهم وهو هل كانت أحداث 25 أكتوبر/تشرين الأول انقلابا عسكريا بالمعنى الحرفي المعروف؟ اختلفت الآراء حول هذا الموضوع كل يراه من زاويته التي يقف عندها: فهو انقلاب عند المجموعة السياسية التي يقودها حمدوك، وهو إجراءات تصحيحية عند البرهان والجيش

احتمالات عودة حمدوك للحياة السياسية مرة أخرى

كما ذكرت في صدر هذا المقال فإن حمدوك لم يكن سياسيا مشهودا له بصولات في الساحة السياسية السودانية كغيره من أعلام ورموز السياسة المؤثرين فيها، وكانت الصدفة عاملا أساسيا في ظهوره بعد الثورة التي قادها الشباب، وأنه دخل الساحة السياسية السودانية أول ما دخل من باب الخروج؛ أي من الاتجاه الخطأ لذلك سرعان ما خرج منها مدفوعا بقلة خبرته السياسية.

وما زاد الطينة بلة والأمر سوءا أنه وقف في الجانب الخطأ بعد الحرب مساندا للطرف المتمرد، وبالتالي فقد ما تبقى له من رصيد شعبي بالكامل لدى السودانيين، وظهر هذا جليا في ملاحقة السودانيين له في المهاجر بالاحتجاج والانتقاد والهتافات الرافضة له في جولاته في عدد من العواصم الأوروبية مبشرا بمشروعه السياسي المشترك مع الدعم السريع.

وهو ما كان يضطر سلطات تلك الدول إلى توفير حماية خاصة له وإدخاله إلى مقرات زياراته بالأبواب والمداخل الخلفية تجنبا لما قد يقع من صدام بينه وبين المحتجين الغاضبين.

وهو مؤشر كافٍ على أن عودة حمدوك للحياة السياسية في السودان مرة ثانية باتت في حكم المستحيل.

وتبقى الإجابة عن السؤال المهم وهو هل كانت أحداث 25 أكتوبر/تشرين الأول انقلابا عسكريا بالمعنى الحرفي المعروف؟

اختلفت الآراء حول هذا الموضوع كل يراه من زاويته التي يقف عندها، فهو انقلاب عند المجموعة السياسية التي يقودها حمدوك، وهو إجراءات تصحيحية عند البرهان والجيش.

لكن الفيصل في ذلك هو أن البرهان بالإضافة لكونه قائد الجيش فهو رئيس مجلس السيادة الانتقالي، وهو أعلى سلطة دستورية قائمة.

بعبارة أخرى المجلس يمثل السلطة الرئاسية ورئيسه هو رأس الدولة، وبالتالي فإنه من غير المتصور أن يقود البرهان انقلابا على نفسه.

ثانيا الانقلابات- كما جرت العادة- يقوم بها ضباط في الجيش في رتب دنيا ووسيطة، وليس على مستوى القيادة العليا للجيش، وما حدث في السودان في نوفمبر/تشرين الثاني 1958 كان وباتفاق المؤرخين عملية تسليم وتسلم بين الفريق إبراهيم عبود الذي كان قائدا للجيش آنذاك، ورئيس الوزراء عبد الله خليل بإلحاح وطلب من هذا الأخير نكاية في الأحزاب المعارضة التي كانت تنوي سحب الثقة عن حكومته من داخل البرلمان بسبب سوء أدائها.

كذلك فإن البرهان وقع اتفاقا سياسيا مع حمدوك أعاده لمنصبه في غضون أقل من شهر، وهو أمر يندر حدوثه في الانقلابات العسكرية، هذا فضلا عن أن هذه الأحداث لم يصحبها عنف أو تغيير جذري في النظام ككل مثلما يحدث عادة في الانقلابات العسكرية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد